دورة الكبريت الخفية
Cryptic Sulfur Cycle
دورة الكبريت الخفية هي شبكة من التفاعلات الميكروبية والجيوكيميائية يتحول خلالها الكبريت سريعًا بين صور مؤكسدة ومختزلة، مثل الكبريتات والكبريتيد والكبريت العنصري والثيوسلفات، من دون أن يظهر بالضرورة تراكم واضح لهذه المركبات في البيئة.
تكمن غرابة الظاهرة في أن الباحث قد يقيس مياهًا أو رواسب ويجد كمية قليلة جدًا من الكبريتيد، فيستنتج أن اختزال الكبريتات ضعيف أو غير موجود. لكن القياسات المباشرة للنشاط الميكروبي قد تكشف أن كميات كبيرة من الكبريتات تتحول بالفعل إلى كبريتيد، إلا أن الكبريتيد الناتج يعاد أكسدته بسرعة كبيرة إلى الكبريتات أو إلى مركبات كبريتية وسيطة.
وبذلك يمكن أن تكون هناك دورة كبريت نشطة للغاية رغم أن التركيب الكيميائي الظاهر للبيئة يوحي بعكس ذلك. ولهذا وصفها العلماء بأنها دورة «خفية». (PubMed)
لماذا تسمى خفية؟
Cryptic
السبب ليس أن التفاعلات مجهولة، بل أن التدفق الحقيقي للكبريت يمكن أن يكون مخفيًا عن القياسات الكيميائية التقليدية.
إذا تحول مثلًا مئة جزيء من الكبريتات إلى كبريتيد ثم أعيد تحويل معظم الكبريتيد فورًا إلى كبريتات، فقد لا يتغير تركيز الكبريتات في الماء إلا قليلًا.
يعني ذلك أن القياس النهائي يعكس صافي التغير فقط، ولا يكشف بالضرورة عدد المرات التي انتقل فيها الكبريت بين الحالات المختلفة.
وتصف مراجعات حديثة الظاهرة بأنها اقتران وثيق بين اختزال الكبريتات وأكسدة الكبريتيد يجعل معدل دوران الكبريتيد مرتفعًا مع بقاء تركيزه دون حد الكشف. (Nature)
دورة الكبريت التقليدية
لفهم الدورة الخفية يجب أولًا معرفة المسار المعتاد.
توجد الكبريتات بكميات كبيرة في مياه البحر.
Sulfate
SO₄²⁻
في البيئات الخالية من الأكسجين تستطيع بعض الكائنات الدقيقة استخدام الكبريتات مستقبلًا للإلكترونات أثناء التنفس اللاهوائي.
تسمى العملية اختزال الكبريتات التنفسي.
Dissimilatory Sulfate Reduction
وينتج عنها الكبريتيد، الذي يوجد بحسب الظروف الكيميائية في صور منها كبريتيد الهيدروجين والهيدروسلفيد.
Hydrogen Sulfide
H₂S
HS⁻
يمكن بعد ذلك أكسدة الكبريتيد مرة أخرى إلى الكبريت العنصري أو الثيوسلفات أو الكبريتيت أو الكبريتات. (Frontiers)
اختزال الكبريتات الميكروبي
Microbial Sulfate Reduction
في غياب الأكسجين تستخدم البكتيريا والعتائق المختزلة للكبريتات مواد عضوية أو الهيدروجين للحصول على الطاقة.
تعمل الكبريتات في هذه العملية بطريقة تشبه دور الأكسجين في التنفس الهوائي من حيث كونها مستقبلًا نهائيًا للإلكترونات.
تربط العملية دورة الكبريت بدورة الكربون، لأن اختزال الكبريتات في الرواسب البحرية يمثل أحد المسارات المهمة لتحلل المواد العضوية في البيئات اللاهوائية.
وتشير مراجعات رسوبيات المحيط إلى أن اختزال الكبريتات يمثل مسارًا رئيسيًا لتمعدن المواد العضوية في أجزاء واسعة من قاع البحر. (Frontiers)
أين تبدأ الدورة الخفية؟
تبدأ عندما لا يبقى الكبريتيد الناتج عن اختزال الكبريتات في حالته المختزلة.
قد تصادفه مادة مؤكسدة أو كائنات دقيقة متخصصة بأكسدة الكبريت.
فتعيد تحويله بسرعة إلى حالة أكثر أكسدة.
إذا أعيد تكوين الكبريتات، تصبح الكبريتات الجديدة متاحة مرة أخرى للكائنات المختزلة.
وهكذا يمكن للجزيء نفسه من الكبريت أن يمر بدورات متعددة من الاختزال والأكسدة.
أكسدة الكبريتيد
Sulfide Oxidation
يمكن أن تستخدم الكائنات المؤكسدة للكبريت الكبريتيد مانحًا للإلكترونات للحصول على الطاقة.
قد تستخدم الأكسجين مستقبلًا للإلكترونات عندما يكون متاحًا.
لكن في البيئات قليلة الأكسجين أو الخالية منه تستطيع بعض الأنواع استخدام النترات.
Nitrate
كما يمكن أن تحدث أكسدة الكبريتيد كيميائيًا عن طريق معادن مؤكسدة، خصوصًا أكاسيد الحديد الثلاثي والمنغنيز.
ولهذا تستطيع دورة الكبريت الاستمرار حتى في مناطق تبدو للوهلة الأولى غير مناسبة لأكسدة الكبريت. (Frontiers)
الكبريت لا يعود مباشرة دائمًا إلى الكبريتات
ليس المسار مجرد انتقال مباشر بين الكبريتات والكبريتيد.
توجد حالات أكسدة وسيطة عديدة.
منها الكبريت العنصري.
Elemental Sulfur
S⁰
والثيوسلفات.
Thiosulfate
S₂O₃²⁻
والكبريتيت.
Sulfite
SO₃²⁻
ومتعددات الكبريتيد.
Polysulfides
يمكن لكل مركب من هذه المركبات أن يدخل في تفاعلات أكسدة أو اختزال أو عدم تناسب جديدة.
ولهذا تمثل دورة الكبريت الحقيقية شبكة كيميائية شديدة التعقيد وليست دائرة بسيطة ذات سهمين. (Frontiers)
عدم تناسب الكبريت
Sulfur Disproportionation
تستطيع بعض الكائنات الدقيقة استخدام مركب كبريتي ذي حالة أكسدة متوسطة وإنتاج صورتين مختلفتين منه في الوقت نفسه.
يؤكسد جزء من الكبريت إلى الكبريتات.
ويختزل جزء آخر إلى الكبريتيد.
يمكن أن يحدث ذلك مع الكبريت العنصري أو الثيوسلفات أو الكبريتيت.
وتعد هذه العملية إحدى الآليات التي تزيد تعقيد الدورة الخفية، لأنها تسمح بإنتاج الكبريتات والكبريتيد من مركب وسيط واحد من دون الحاجة إلى مصدر خارجي واضح للكبريت المؤكسد والمختزل. (ScienceDirect)
اكتشاف الدورة الخفية في مياه المحيط
جاء أحد أهم الاكتشافات عام 2010 عندما درس دون كانفيلد وزملاؤه مياه منطقة شديدة الانخفاض في الأكسجين قبالة ساحل تشيلي.
كان الاعتقاد أن دورة النيتروجين هي المهيمنة في هذه المناطق.
لكن الباحثين وجدوا أدلة جزيئية وقياسات مباشرة تشير إلى وجود اختزال للكبريتات وأكسدة للكبريتيد في المياه نفسها.
المثير أن الكبريتيد لم يكن يتراكم بالقدر المتوقع.
كان الكبريتيد الناتج عن الاختزال يعاد أكسدته بسرعة، ولذلك بقيت الدورة مخفية في القياسات الكيميائية التقليدية.
كانت الدراسة المنشورة في مجلة Science عام 2010 من الأعمال التي رسخت مصطلح دورة الكبريت الخفية في علم المحيطات الحديث. (PubMed)
مناطق الحد الأدنى من الأكسجين
Oxygen Minimum Zones
توجد في المحيط مناطق تنخفض فيها كمية الأكسجين المذاب بشدة.
تتكون عادة عندما يكون استهلاك الأكسجين الناتج عن تحلل المواد العضوية مرتفعًا بينما يكون وصول مياه جديدة غنية بالأكسجين محدودًا.
في بعض هذه المناطق يصبح الأكسجين منخفضًا إلى درجة أن الميكروبات تتحول إلى مستقبلات إلكترونات أخرى مثل النترات.
وكان اكتشاف نشاط كبريتي قوي داخل هذه المياه مفاجئًا لأن الكبريتيد الحر قد يكون شبه غائب عنها.
البكتيريا المؤكسدة للكبريت ذات الحساسية العالية
أظهرت دراسة لاحقة لمنطقة الحد الأدنى من الأكسجين قبالة تشيلي أن الكائنات المؤكسدة للكبريت تستطيع استهلاك الكبريتيد حتى عندما يكون تركيزه منخفضًا جدًا.
في الدراسة المنشورة عام 2018 وصل معدل أكسدة الكبريتيد المقاس إلى نحو 18 نانومول لكل لتر في الساعة، حتى عند وجود تراكيز منخفضة للغاية منه.
استنتج الباحثون أن بعض البكتيريا هناك تمتلك قدرة عالية جدًا على التقاط الكبريتيد، مما يسمح لها بإزالته بمجرد إنتاجه تقريبًا.
وهذه الآلية تقدم تفسيرًا مباشرًا لكيفية وجود دورة كبريت قوية من دون تراكم كبريتيد يمكن قياسه بسهولة. (Nature)
بكتيريا SUP05
إحدى أهم المجموعات المرتبطة بدورة الكبريت في المناطق قليلة الأكسجين هي مجموعة بكتيرية تعرف باسم
SUP05
تستطيع أفراد منها أكسدة الكبريتيد أو الكبريت العنصري وربط العملية باختزال النترات.
بهذه الطريقة ترتبط دورة الكبريت مباشرة بدورة النيتروجين.
وقد عُثر على هذه البكتيريا حتى في مناطق لا يوجد فيها كبريتيد مذاب يمكن اكتشافه بسهولة، وهو ما ساعد في البداية على طرح فكرة وجود دورة كبريت خفية محلية. (Nature)
اكتشاف مفاجأة في عام 2018
عندما درس الباحثون وجود
SUP05
قبالة سواحل بيرو، وجدوا تفسيرًا إضافيًا لوجودها بعيدًا عن المناطق الغنية بالكبريتيد.
أظهرت البيانات أن التيارات والدوامات البحرية تستطيع نقل البكتيريا والكبريت العنصري من المياه الساحلية الغنية بالكبريت إلى المناطق البحرية البعيدة.
وهناك تستطيع البكتيريا الاستمرار في استخدام مخزون الكبريت العنصري حتى مع غياب الكبريتيد المذاب.
يعني ذلك أن بعض الظواهر التي تبدو كدورة كبريت خفية محلية قد تنتج جزئيًا عن نقل الكبريت والميكروبات من مناطق أخرى. (Nature)
الدورة الخفية في رواسب قاع البحر
لا تقتصر الظاهرة على عمود الماء.
توجد أدلة قوية على دورات كبريت خفية داخل الرواسب البحرية، بما في ذلك طبقات مدفونة لا يصل إليها الأكسجين مباشرة.
في هذه البيئات يمكن لاختزال الكبريتات أن ينتج الكبريتيد، ثم تتفاعل مركبات الحديد أو المنغنيز المؤكسدة المدفونة في الرواسب معه.
ينتج عن ذلك إعادة أكسدة الكبريتيد وتكوين مركبات كبريتية تستطيع العودة في النهاية إلى الكبريتات.
وهكذا يمكن استمرار اختزال الكبريتات في أعماق كان من المتوقع نظريًا أن تنفد فيها الكبريتات. (ScienceDirect)
دورة كبريت خفية يقودها الحديد
قدمت دراسة خليج آرهوس في الدنمارك عام 2011 مثالًا مهمًا.
Aarhus Bay
وجد الباحثون نشاطًا لاختزال الكبريتات في رواسب عميقة تقع داخل منطقة غنية بالميثان، رغم أن الكبريتات القادمة مباشرة من مياه البحر كانت قد استنفدت تقريبًا.
اقترحت الدراسة أن الكبريتيد يتفاعل مع الحديد الثلاثي الموجود في الرواسب.
Fe(III)
تؤدي هذه العملية إلى أكسدة الكبريت المختزل وتكوين مركبات وسيطة تستطيع في النهاية تجديد الكبريتات.
تستهلك الكائنات المختزلة الكبريتات الجديدة مرة أخرى، فتتشكل دورة داخلية مستمرة يصعب اكتشافها من تركيز الكبريتات وحده. (ScienceDirect)
منطقة انتقال الكبريتات والميثان
Sulfate-Methane Transition
داخل الرواسب البحرية توجد غالبًا طبقة يلتقي عندها الكبريتات القادمة من مياه البحر بالميثان الصاعد من الأعماق.
تعرف باسم منطقة انتقال الكبريتات والميثان.
هناك تستخدم مجتمعات من العتائق والبكتيريا الكبريتات في عملية مرتبطة بالأكسدة اللاهوائية للميثان.
Anaerobic Oxidation of Methane
عادة ينخفض تركيز الكبريتات بشدة أسفل هذه المنطقة.
لكن العثور على نشاط اختزال للكبريتات أعمق منها قاد العلماء إلى التساؤل عن مصدر الكبريتات.
إحدى الإجابات هي إعادة إنتاجها محليًا بواسطة دورة كبريت خفية. (ScienceDirect)
العلاقة مع الميثان
الميثان أحد أهم غازات الدفيئة.
تلعب الكائنات الدقيقة في الرواسب البحرية دورًا مهمًا في استهلاك الميثان قبل أن يصل إلى المحيط والغلاف الجوي.
إذا كانت دورة الكبريت الخفية تستطيع إعادة إنتاج الكبريتات في طبقات عميقة، فإنها قد توفر مستقبلات إلكترونات إضافية لعمليات مرتبطة باستهلاك الميثان.
لذلك فإن فهم الدورة الخفية لا يقتصر على الكبريت، بل يرتبط أيضًا بكيفية تحكم الرواسب البحرية في تدفق الكربون والميثان.
العلاقة مع الحديد
Iron Cycle
توجد علاقة وثيقة بين دورتي الكبريت والحديد.
يتفاعل الكبريتيد بسرعة مع الحديد.
قد يتكون كبريتيد الحديد.
FeS
وقد يتحول لاحقًا إلى البيريت.
Pyrite
FeS₂
لكن الحديد الثلاثي المؤكسد يستطيع أيضًا أكسدة الكبريتيد.
لذلك يمكن للحديد المدفون في الرواسب أن يعمل كمخزون من القدرة التأكسدية داخل بيئة لا تحتوي على أكسجين.
وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل الرواسب الغنية بالحديد مواقع مناسبة لدورة كبريت خفية. (Frontiers)
غبار الصحراء ودورة الكبريت
يظهر مثال قريب جغرافيًا في خليج العقبة.
تحمل الرياح غبارًا غنيًا بمعادن الحديد من الصحارى المحيطة، ومنها الصحراء العربية وسيناء والصحراء الكبرى.
تترسب هذه المعادن في قاع الخليج.
أظهرت دراسة منشورة عام 2017 أن المحتوى المرتفع من أكاسيد الحديد والمنغنيز التفاعلية يستطيع إعادة أكسدة كبريتيد الهيدروجين الناتج عن الاختزال الميكروبي للكبريتات.
وبذلك يبقى تركيز الكبريتيد منخفضًا، بينما يستمر تدوير الكبريت بين الحالات المؤكسدة والمختزلة.
اعتبر الباحثون هذا مثالًا على دورة كبريت خفية تتحكم فيها إلى حد كبير المعادن القادمة مع الغبار الصحراوي. (PubMed)
لماذا يعد خليج العقبة مثالًا مهمًا؟
المياه العميقة في خليج العقبة غنية بالأكسجين نسبيًا، كما أن الرواسب فقيرة نسبيًا بالكربون العضوي مقارنة ببيئات بحرية أكثر إنتاجية.
لذلك قد لا يتوقع الباحث وجود دورة كبريت قوية في هذه الرواسب.
لكن آثار اختزال الكبريتات ووسائط أكسدة الكبريت ونظائر الكبريت كشفت نشاطًا أكبر مما توحي به تراكيز الكبريتيد.
يظهر هذا المثال أن الدورة الخفية لا تحتاج بالضرورة إلى بيئة سوداء غنية برائحة كبريتيد الهيدروجين حتى تكون نشطة. (PubMed)
دليل جديد من المحيط الأطلسي
في دراسة منشورة عام 2025 درس الباحثون رواسب في شمال شرق المحيط الأطلسي تتأثر بترسب غبار الصحراء الكبرى.
وجدوا أدلة جيوكيميائية متوافقة مع حدوث تدوير خفي للكبريت في رواسب غنية نسبيًا بالحديد والمنغنيز القابلين للتفاعل.
كانت أهمية الدراسة في اختبار ما إذا كان الارتباط بين غبار الصحراء ودورة الكبريت الخفية ظاهرة خاصة بخليج العقبة أم يمكن العثور عليها في بيئات بحرية أخرى أيضًا. (Frontiers)
لماذا لا نرى كبريتيد الهيدروجين؟
توجد عدة أسباب.
قد تستهلكه البكتيريا المؤكسدة للكبريت فور إنتاجه.
وقد يتفاعل مع الحديد والمنغنيز.
وقد يتحول إلى الكبريت العنصري أو الثيوسلفات.
وقد يدخل في تكوين كبريتيدات المعادن.
وقد ينتشر إلى منطقة أخرى قبل تراكمه.
إذا كان معدل إزالة الكبريتيد مساويًا تقريبًا لمعدل إنتاجه فإن تركيزه يبقى منخفضًا حتى عندما يكون التدفق الإجمالي عبر الدورة مرتفعًا.
المعدل الإجمالي والمعدل الصافي
Gross Rate
Net Rate
هذا الفرق أساسي لفهم الظاهرة.
المعدل الإجمالي يخبرنا بكمية الكبريتات التي اختزلت بالفعل خلال فترة زمنية.
أما المعدل الصافي فيقيس مقدار الكبريتات الذي اختفى من النظام بعد احتساب الكبريتات التي أعيد تكوينها.
إذا اختُزلت كمية كبيرة من الكبريتات ثم أعيدت أكسدة معظمها، يكون المعدل الإجمالي كبيرًا والمعدل الصافي صغيرًا.
ولهذا يمكن للنماذج التي تعتمد فقط على تغير تراكيز الكبريتات أن تقلل كثيرًا من تقدير النشاط الحقيقي. (PubMed Central (PMC))
كيف يكتشف العلماء دورة لا تغير التركيز؟
هذه واحدة من أصعب مشكلات المجال.
يستخدم العلماء عدة طرق معًا.
يمكن استخدام متتبعات إشعاعية لقياس اختزال الكبريتات مباشرة.
ويستخدم تسلسل الحمض النووي لمعرفة ما إذا كانت الكائنات المختزلة والمؤكسدة للكبريت موجودة.
كما يمكن دراسة التعبير الجيني لمعرفة ما إذا كانت المسارات الأيضية تعمل بالفعل.
وتستخدم قياسات مركبات الكبريت الوسيطة.
وتوفر نظائر الكبريت والأكسجين أدلة إضافية على التفاعلات التي حدثت حتى عندما لا يظهر تغير كبير في التركيز النهائي.
النظائر المستقرة للكبريت
Sulfur Isotopes
للكبريت عدة نظائر مستقرة، أهمها الكبريت 32 والكبريت 34.
³²S
³⁴S
لا تستخدم الكائنات الدقيقة النظائر بالمعدل نفسه تمامًا.
لذلك يمكن لعمليات الاختزال والأكسدة وعدم التناسب أن تترك بصمات نظيرية في الكبريتات والكبريتيد والبيريت.
يقيس الباحثون عادة النسبة بين النظيرين ويعبرون عنها بقيمة
δ³⁴S
لكن إعادة تدوير الكبريت عدة مرات تستطيع تعديل البصمة، ولذلك أصبحت نماذج النظائر المتعددة مهمة لفهم الدورة الخفية. (Nature)
نظائر الأكسجين داخل الكبريتات
لا تحتوي الكبريتات على الكبريت فقط، بل تحتوي أيضًا على الأكسجين.
يمكن لذلك تحليل تركيب نظائر الأكسجين فيها.
δ¹⁸O
عند حدوث اختزال الكبريتات ثم إعادة تكوينها، تستطيع التفاعلات مع الماء والوسائط الكبريتية تغيير هذه الإشارة.
ولهذا قد تكشف العلاقة بين نظائر الكبريت ونظائر الأكسجين عمليات إعادة تدوير لا تظهر في تركيز الكبريتات نفسه.
وقد استُخدمت هذه الطريقة في دراسات خليج العقبة والمستنقعات الملحية وغيرها من البيئات. (PubMed)
الدورة الخفية في المستنقعات الملحية
وجد الباحثون أيضًا أدلة جيوكيميائية على الظاهرة في رواسب المستنقعات الملحية.
في دراسة منشورة عام 2016 ظهرت علاقة غير معتادة بين نظائر الكبريت والأكسجين في الكبريتات.
استطاعت التجارب المخبرية والنماذج العددية إعادة إنتاج جزء من السلوك.
اقترح الباحثون أن الكبريتات كانت تختزل إلى مركبات كبريتية أقل أكسدة ثم تعاد أكسدتها بصورة شبه كاملة.
وأشارت النماذج إلى أن تدفق الكبريت عبر هذه الدورة قد يكون كبيرًا رغم صغر التغير الصافي في المخزون. (ScienceDirect)
دورة الكبريت ودورة النيتروجين
من أهم نتائج اكتشاف الدورة الخفية في مناطق نقص الأكسجين ارتباطها بدورة النيتروجين.
يمكن لاختزال الكبريتات المصاحب لتحلل المادة العضوية أن يحرر الأمونيوم.
Ammonium
NH₄⁺
يستطيع الأمونيوم تغذية عملية الأناموكس.
Anammox
وفي الجانب الآخر تستطيع البكتيريا المؤكسدة للكبريت استخدام النترات أثناء أكسدة الكبريتيد.
وبذلك تصبح حركة الكبريت مرتبطة مباشرة بفقد النيتروجين المثبت من المحيط. (PubMed)
أكسدة الكبريتيد باستخدام النترات
تستطيع بعض البكتيريا استخدام الكبريتيد مانحًا للإلكترونات والنترات مستقبلًا لها.
وقد ينتهي النيتروجين في صورة غاز النيتروجين.
N₂
بهذا تربط الخلية الواحدة مسارين بيوجيوكيميائيين كبيرين.
تزيل مركب كبريت مختزلًا، وفي الوقت نفسه تحول النترات إلى صور أكثر اختزالًا من النيتروجين.
وفي مناطق الحد الأدنى من الأكسجين يمكن أن يكون لهذا الاقتران أثر في ميزانية النيتروجين البحرية. (Nature)
هل الدورة الخفية عالمية؟
لا يمكن القول إنها تعمل بالشدة نفسها في جميع البيئات.
لكن الأدلة ظهرت في بيئات متعددة.
في مناطق نقص الأكسجين البحرية.
وفي الرواسب الساحلية.
وفي طبقات الميثان العميقة.
وفي المستنقعات الملحية.
وفي خليج العقبة.
وفي رواسب متأثرة بالحديد القادم من الغبار الصحراوي.
وتشير مراجعة حديثة في Nature Reviews Microbiology إلى أن التدوير الخفي أصبح مفهومًا مهمًا ضمن التنوع الأوسع لمسارات أيض الكبريت الميكروبي. (Nature)
هل توجد دورة واحدة تسمى الدورة الخفية؟
لا.
هذه نقطة مهمة.
مصطلح دورة الكبريت الخفية لا يشير إلى مسار أيضي واحد له إنزيمات محددة وثابتة.
إنه وصف لحالة بيوجيوكيميائية تكون فيها عمليات تكوين مركبات الكبريت واستهلاكها مقترنة بشدة بحيث تخفي بعضها بعضًا عن القياسات النهائية.
يمكن أن تكون الآلية التي تقود الظاهرة مختلفة من موقع إلى آخر.
في موقع قد تكون النترات هي المؤكسد الأساسي.
وفي موقع آخر يكون الحديد.
وفي موقع ثالث قد تلعب مركبات المنغنيز أو عمليات عدم التناسب دورًا مهمًا.
ماذا يحدث إذا كان الأكسجين موجودًا؟
وجود الأكسجين يجعل أكسدة الكبريتيد سهلة نسبيًا من الناحية الطاقية.
لكن الدورة الخفية مثيرة بصورة خاصة عندما تظهر داخل مناطق يُعتقد أنها خالية من الأكسجين.
هنا يجب البحث عن مؤكسدات بديلة.
يمكن أن تكون النترات أو أكاسيد المعادن.
كما يمكن أن تنقل بعض الكائنات الإلكترونات لمسافات طويلة إلى طبقات أكثر أكسدة.
وبالتالي لا يعني غياب الأكسجين المحلي غياب القدرة على أكسدة الكبريت.
بكتيريا الكابلات
Cable Bacteria
تعد بكتيريا الكابلات مثالًا إضافيًا على تعقيد دورة الكبريت في الرواسب.
تتكون من خيوط طويلة تستطيع ربط أكسدة الكبريتيد في طبقة عميقة باختزال الأكسجين أو النترات في طبقة أقرب إلى سطح الرواسب.
تنتقل الإلكترونات داخل الخيط لمسافات قد تصل إلى عدة سنتيمترات.
لا تعد بكتيريا الكابلات هي التفسير الوحيد للدورة الخفية، لكنها تكشف أن الأكسدة والاختزال لا يشترط أن يحدثا في المكان نفسه.
وهذا يزيد صعوبة الاستدلال على التفاعلات من التركيب الكيميائي لنقطة واحدة فقط. (Frontiers)
الكبريت الخفي والسجل الجيولوجي
إذا كانت الدورة خفية في المحيط الحديث، يصبح اكتشافها في الصخور القديمة أصعب بكثير.
لا يستطيع الجيولوجي قياس ماء المسام الذي كان موجودًا قبل ملايين السنين.
لذلك يعتمد على المعادن ونظائر الكبريت المحفوظة في الرواسب.
أظهرت دراسات حديثة أن بعض أنماط النظائر المتعددة للكبريت في البيريت تستطيع الاحتفاظ بإشارة لدورات أكسدة كبريت قديمة كانت خفية أثناء حدوثها. (ScienceDirect)
دليل من رواسب البحر القديمة
في عام 2020 استخدم الباحثون عدة نظائر للكبريت للكشف عن بصمة محفوظة لدورة كبريت تأكسدية عميقة قادها الحديد تحت قاع البحر.
أظهرت النتائج أن البيريت يستطيع تسجيل بعض آثار إعادة أكسدة الكبريتيد حتى عندما كانت التفاعلات نفسها غير واضحة من التركيب الكيميائي البسيط للرواسب.
هذا يفتح الباب لاستخدام الدورة الخفية في إعادة بناء الظروف الكيميائية للمحيطات القديمة. (ScienceDirect)
اكتشاف دورة خفية في تكوين رواسب الجبس العملاقة
قدمت دراسة عام 2022 مثالًا استثنائيًا من الماضي الجيولوجي.
درس الباحثون رواسب الجبس المرتبطة بأزمة الملوحة المسينية في البحر المتوسط قبل نحو ستة ملايين سنة.
وباستخدام نظائر الكبريت ونماذج بيوجيوكيميائية استنتجوا أن أكثر من 80 بالمئة من الكبريتات التي دخلت في بعض مراحل النظام ربما اختزلت ميكروبيًا أولًا ثم أعيدت أكسدتها تقريبًا بالكامل قبل ترسب الجبس.
وهكذا كان حجم دورة الكبريت الداخلية ضخمًا رغم محدودية التغير الصافي الذي كان يمكن استنتاجه من الكبريتات وحدها. (ScienceDirect)
لماذا تهم الدورة الخفية تاريخ الأرض؟
الكبريت عنصر شديد الحساسية لحالة الأكسدة والاختزال على الأرض.
ولهذا يستخدم الجيولوجيون سجل الكبريت لإعادة بناء كمية الأكسجين في المحيطات والغلاف الجوي القديم.
لكن وجود دورات خفية يعني أن تفسير نظائر الكبريت وتركيزاته ليس بسيطًا دائمًا.
قد تمر ذرة الكبريت بعدة عمليات اختزال وأكسدة قبل أن تحفظ في معدن.
ولهذا تؤكد مراجعة حديثة لتاريخ دورة الكبريت الأرضية أن تفسير السجل الجيولوجي يحتاج إلى مراعاة إعادة التدوير المجهري والتفاعلات في الرواسب، وليس الاعتماد على نموذج اختزال أحادي الاتجاه فقط. (Nature)
هل يمكن للدورة الخفية أن تجعلنا نقلل من نشاط الميكروبات؟
نعم.
إذا استُخدم انخفاض تركيز الكبريتات وحده لتقدير معدل اختزالها، فإن إعادة إنتاج الكبريتات داخل البيئة تجعل الاختفاء الصافي أقل من الكمية التي اختزلتها الميكروبات فعلًا.
قد يبدو أن النشاط الأيضي صغير، بينما تكون كميات أكبر بكثير من المادة العضوية قد عولجت عبر اختزال الكبريتات.
ولهذا يؤثر فهم الدورة الخفية أيضًا في تقديرات تمعدن الكربون داخل الرواسب البحرية. (PubMed Central (PMC))
هل يمكن للدورة أن تستمر إلى ما لا نهاية؟
لا.
إعادة التدوير تحتاج إلى مصادر للطاقة ومانحات ومستقبلات للإلكترونات.
إذا نفد الحديد المؤكسد أو النترات أو غيرها من المواد اللازمة للأكسدة، يتغير النظام.
كما أن جزءًا من الكبريت يخرج في النهاية من الدورة.
قد يدفن على هيئة بيريت.
وقد يرتبط بالمادة العضوية.
وقد ينتشر خارج المنطقة.
وقد يصل الكبريتيد إلى طبقة أخرى ويتأكسد فيها.
لذلك هي دورة ديناميكية وليست آلة مغلقة تعيد الكبريت إلى ما لا نهاية.
البيريت كمصير نهائي
Pyrite
FeS₂
يمكن أن يرتبط الكبريتيد بالحديد مكونًا كبريتيدات الحديد، ثم يتحول جزء منها إلى البيريت.
يمثل دفن البيريت أحد أهم المخارج طويلة الأمد للكبريت المختزل من الدورة البحرية.
وعندما يدفن الكبريت في البيريت لا يعود متاحًا مباشرة للدورة السريعة في مياه المسام.
لكن العمليات الجيولوجية اللاحقة يمكن أن تعرض البيريت للأكسدة وتعيد الكبريت إلى دورة سطح الأرض على نطاق زمني أطول. (Frontiers)
لماذا تعد الدورة مهمة لدورة الكربون؟
اختزال الكبريتات يستخدم غالبًا مواد عضوية مانحة للإلكترونات.
لذلك فإن كل مرة يحدث فيها اختزال للكبريتات يمكن أن تكون مرتبطة بتحلل جزء من الكربون العضوي.
إذا أعيد تكوين الكبريتات واستخدمت مرة أخرى، تستطيع الكمية نفسها من الكبريت أن تدعم أكثر من دورة من تمعدن المادة العضوية.
ولهذا يمكن أن تؤدي الدورة الخفية إلى استهلاك كربون أكبر مما قد يوحي به صافي اختفاء الكبريتات.
أهمية الدورة في النماذج المناخية والبيوجيوكيميائية
تعتمد نماذج المحيط على تقدير معدلات دوران الكربون والنيتروجين والكبريت والأكسجين.
إذا كان تدفق الكبريت الحقيقي أكبر بكثير من صافي التغير الكيميائي المرصود، فقد تحتاج النماذج إلى إدخال معدلات إجمالية وإعادة تدوير داخلية.
ويزداد ذلك أهمية لأن مناطق نقص الأكسجين البحرية قد تتغير مع الاحترار وتغير دوران المحيط، مما قد يغير التوازن بين دورات النيتروجين والكبريت والكربون.
ليست كل حالة انخفاض كبريتيد دورة خفية
وجود كبريتيد قليل لا يثبت الدورة الخفية تلقائيًا.
قد يكون اختزال الكبريتات ضعيفًا أصلًا.
وقد تكون كمية المادة العضوية صغيرة.
وقد لا توجد كائنات مختزلة نشطة.
لذلك يحتاج إثبات الظاهرة إلى دليل على حدوث الاختزال إلى جانب دليل على إعادة الأكسدة.
ومن أقوى الطرق القياسات المباشرة لمعدل اختزال الكبريتات، إضافة إلى تحليل مركبات الكبريت الوسيطة والنظائر والجينات والنشاط الميكروبي. (Frontiers)
الفرق بين دورة الكبريت العادية والدورة الخفية
الفرق ليس في نوع العنصر أو في وجود عمليات فريدة تمامًا.
في دورة الكبريت العادية يمكن أن نرى تراكم نواتج العمليات بسهولة نسبيًا.
أما في الدورة الخفية فتكون سرعة العمليات المتعاكسة متقاربة جدًا.
ينتج الكبريتيد ويستهلك.
تختزل الكبريتات ثم يعاد تكوينها.
لذلك يصبح تدفق العنصر أكبر بكثير من التغير الظاهر في مخزونه.
مثال مبسط
لنفترض أن الميكروبات اختزلت خلال يوم كمية تعادل مئة وحدة من الكبريتات.
ينتج عن ذلك مئة وحدة من الكبريتيد.
لكن بكتيريا أخرى ومعادن الحديد تعيد أكسدة خمس وتسعين وحدة من الكبريتيد إلى مركبات تؤدي في النهاية إلى إعادة تكوين الكبريتات.
عند القياس قد يبدو أن خمس وحدات فقط من الكبريتات استهلكت.
لكن النشاط الحقيقي كان مئة وحدة.
هذا الفرق بين المئة والخمس هو جوهر معنى كلمة خفية.
الأهمية العلمية لدورة الكبريت الخفية
تكشف الظاهرة أن قياس كمية مادة كيميائية موجودة في البيئة لا يخبرنا دائمًا بمقدار النشاط الحيوي الذي مر من خلالها.
قد يكون المخزون شبه ثابت بينما يكون التدفق هائلًا.
وتوضح أيضًا مقدار الترابط بين الكائنات الدقيقة والمعادن والعناصر المختلفة.
فالحديد يستطيع إعادة أكسدة الكبريت.
والكبريت يستطيع تغيير دورة النيتروجين.
واختزال الكبريتات يرتبط بتحلل الكربون.
والكبريتات قد تشارك في التحكم بالميثان.
ولهذا تمثل دورة الكبريت الخفية مثالًا واضحًا على أن الدورات البيوجيوكيميائية على الأرض ليست دورات منفصلة، وإنما شبكة مترابطة من عمليات ميكروبية وجيوكيميائية. (Nature)
أهم الأسئلة التي ما تزال مفتوحة
لا يزال الحجم العالمي لدورة الكبريت الخفية غير معروف بدقة.
ولا يعرف مقدار اختزال الكبريتات الذي تخفيه إعادة الأكسدة في معظم الرواسب البحرية.
كما تختلف المواد المؤكسدة المسؤولة عن إعادة تدوير الكبريت بين البيئات، ولم تعرف الأهمية النسبية للحديد والمنغنيز والنترات والأكسجين والعمليات الميكروبية الوسيطة في جميع المواقع.
ويعمل الباحثون كذلك على تطوير بصمات نظيرية أكثر موثوقية يمكن استخدامها للكشف عن الدورة في الصخور القديمة.
كما أن اتساع مناطق المحيط منخفضة الأكسجين يثير سؤالًا مهمًا حول ما إذا كانت أهمية دورة الكبريت الخفية ستزداد في محيطات المستقبل.
المصادر
Canfield DE, Stewart FJ, Thamdrup B, et al. A Cryptic Sulfur Cycle in Oxygen-Minimum-Zone Waters off the Chilean Coast. Science. 2010;330:1375–1378. (PubMed)
Holmkvist L, Ferdelman TG, Jørgensen BB. A cryptic sulfur cycle driven by iron in the methane zone of marine sediment. Geochimica et Cosmochimica Acta. 2011;75:3581–3599. (ScienceDirect)
Jørgensen BB, Findlay AJ, Pellerin A. The Biogeochemical Sulfur Cycle of Marine Sediments. Frontiers in Microbiology. 2019;10:849. (Frontiers)
Crowe SA, Cox RP, Jones C, et al. Decrypting the sulfur cycle in oceanic oxygen minimum zones. The ISME Journal. 2018;12:2322–2329. (Nature)
Callbeck CM, Lavik G, Ferdelman TG, et al. Oxygen minimum zone cryptic sulfur cycling sustained by offshore transport of key sulfur oxidizing bacteria. Nature Communications. 2018;9:1729. (Nature)
Blonder B, Boyko V, Turchyn AV, Antler G. Impact of Aeolian Dry Deposition of Reactive Iron Minerals on Sulfur Cycling in Sediments of the Gulf of Aqaba. Frontiers in Microbiology. 2017. (PubMed)
Mills JV, Antler G, Turchyn AV. Geochemical evidence for cryptic sulfur cycling in salt marsh sediments. Earth and Planetary Science Letters. 2016;453:23–32. (ScienceDirect)
Fakhraee M, Crockford PW, Bauer KW, et al. The history of Earth's sulfur cycle. Nature Reviews Earth & Environment. 2025;6:106–125. (Nature)
Nature Reviews Earth & Environment
Diversity and ecology of microbial sulfur metabolism. Nature Reviews Microbiology. 2024. (Nature)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق