المرونة الفردية
Odd Elasticity
المرونة الفردية هي نوع غير تقليدي من الاستجابة المرنة يظهر في بعض الأنظمة النشطة وغير المتوازنة، حيث لا تكون العلاقة بين القوة والتشوه متبادلة بالطريقة المعتادة في المواد المرنة.
في المادة المرنة التقليدية، إذا ضغطنا المادة أو مددناها ثم أعدناها ببطء إلى حالتها الأصلية عبر دورة كاملة، فإنها لا تستطيع إنتاج مقدار صاف من الشغل الميكانيكي من تلقاء نفسها. أما في المادة ذات المرونة الفردية، فيمكن لدورة مغلقة من التشوهات أن تؤدي إلى إنتاج شغل ميكانيكي صاف أو امتصاصه، لأن المادة تحتوي على مكونات نشطة تمدها بالطاقة على المستوى المجهري. (Nature)
ولهذا تمثل المرونة الفردية امتدادًا غير مألوف لنظرية المرونة التقليدية، وتربط بين فيزياء المواد النشطة والمواد الخارقة والميكانيكا غير التبادلية والأنظمة البعيدة عن الاتزان.
ماذا تعني كلمة فردية هنا؟
Odd
لا تشير كلمة
Odd
في هذا السياق إلى الرقم الفردي.
المقصود رياضيًا هو الجزء المضاد للتناظر في معاملات المرونة.
Antisymmetric
لذلك يمكن وصف الظاهرة أيضًا بأنها مرونة غير تبادلية أو مرونة ذات معاملات مضادة للتناظر.
ظهر اسم المرونة الفردية بصورة بارزة في دراسة نشرها كولين شايبنر وزملاؤه عام 2020 في مجلة Nature Physics، عندما بين الباحثون أن إزالة شرط حفظ الطاقة من نظرية المرونة الخطية يسمح بظهور معاملات مرنة جديدة لا توجد في المواد السلبية التقليدية. (Nature)
ما هي المرونة التقليدية؟
عندما نضغط نابضًا أو نمدده فإنه يقاوم التشوه.
في أبسط صورة يصف قانون هوك العلاقة بين مقدار التشوه والقوة الناتجة عنه.
Hooke's Law
وفي المواد الصلبة الحقيقية تكون العلاقة أكثر تعقيدًا، لأنها تشمل الضغط والتمدد والقص والتغيرات المختلفة في الشكل.
تستخدم الفيزياء لذلك ما يسمى موتر المرونة.
Elasticity Tensor
وهو مجموعة من المعاملات التي تحدد مقدار الإجهاد الناتج عن كل نوع من أنواع التشوه.
في المواد التقليدية لا تكون قيم هذه المعاملات عشوائية، بل تخضع لقيود ناتجة عن حفظ الطاقة والمبادئ الحرارية.
لماذا توجد قيود على معاملات المرونة؟
إذا كانت المادة سلبية، فإن الطاقة التي تخزنها أثناء تشوهها يمكن وصفها بواسطة طاقة وضع مرنة.
عندما تتغير المادة من حالة إلى أخرى تعتمد الطاقة في النهاية على الحالة التي وصلت إليها، وليس على الطريق الكامل الذي اتبعته للوصول إليها.
ولهذا إذا شُوهت المادة ببطء خلال دورة كاملة ثم عادت إلى حالتها الأصلية، فإن صافي الشغل الناتج عن الجزء المرن المثالي يكون صفرًا.
هذه الخاصية تفرض تناظرًا معينًا على موتر المرونة.
لكن المواد النشطة تستطيع انتهاك هذا الشرط لأنها تتلقى الطاقة من مصدر آخر. (Annual Reviews)
ما هي المادة النشطة؟
Active Matter
المادة النشطة هي نظام تتكون وحداته من عناصر تستطيع استهلاك الطاقة وتحويلها إلى حركة أو قوة.
من الأمثلة الطبيعية الممكنة على الأنظمة النشطة البروتينات المحركة داخل الخلايا وبعض الهياكل البيولوجية المكونة من خيوط جزيئية ومحركات بروتينية.
كما يمكن للمهندسين صنع مواد نشطة صناعيًا باستخدام محركات صغيرة أو حساسات أو عناصر كهرضغطية أو دوائر تحكم.
هذه المكونات لا تنتظر قوة خارجية فقط، بل تستطيع الاستجابة للتشوه بإنتاج قوة إضافية مستمدة من مصدر للطاقة.
وهنا يصبح ظهور المرونة الفردية ممكنًا.
كسر مبدأ التبادلية
من أهم خصائص المرونة التقليدية مبدأ ميكانيكي يعرف بتبادلية ماكسويل وبيتي.
Maxwell-Betti Reciprocity
يمكن تبسيط الفكرة على النحو التالي.
إذا أثرت قوة في النقطة الأولى من جسم مرن وقست الإزاحة الناتجة في النقطة الثانية، ثم بدلت موضعي القوة والقياس، فإن العلاقة بين الحالتين تكون متناظرة في النظام المرن الخطي التقليدي.
أما في النظام غير التبادلي فقد لا يحدث ذلك.
التأثير من النقطة الأولى إلى الثانية قد يكون مختلفًا عن التأثير من الثانية إلى الأولى.
تسمح المرونة الفردية بظهور هذه الاستجابة غير المتبادلة نتيجة وجود تفاعلات نشطة وغير محافظة على المستوى الداخلي. (DOI)
مثال بسيط لفهم الفكرة
تخيل عنصرين ميكانيكيين مرتبطين ببعضهما.
في نظام تقليدي، إذا دفع العنصر الأول الثاني بقوة معينة فإن الثاني يؤثر في الأول بطريقة متوافقة مع قوانين التفاعل الميكانيكي وحفظ الطاقة.
لكن تخيل الآن وجود مستشعر ومحرك مخفيين داخل النظام.
عندما يتحرك العنصر الأول، يكتشف المستشعر الحركة ويأمر المحرك بدفع العنصر الثاني.
أما عندما يتحرك العنصر الثاني فقد لا يرسل النظام استجابة مساوية في الاتجاه المعاكس.
أصبحت العلاقة غير متبادلة لأن الطاقة تأتي من المحرك.
عند تكرار هذه العلاقات في شبكة كاملة يمكن أن يظهر سلوك مرن جديد على مستوى المادة كلها.
موتر المرونة الفردي
في المرونة التقليدية يمكن تقسيم موتر المرونة إلى معاملات تصف مقاومة الضغط والقص وغيرها من التشوهات.
لكن في المرونة الفردية يظهر جزء إضافي مضاد للتناظر.
هذا الجزء هو الذي يسمى الجزء الفردي.
Odd Part
ويمكن لمعاملات هذا الجزء أن تربط نوعًا من التشوه بنوع مختلف من الإجهاد بطريقة غير متبادلة.
في نموذج ثنائي الأبعاد ومتجانس وصفه الباحثون عام 2020 يمكن أن تظهر معاملتان فرديتان إضافيتان إلى جانب معاملات الضغط والقص المعتادة. (Nature)
ماذا يحدث عند ضغط مادة ذات مرونة فردية؟
في مادة عادية قد يؤدي الضغط إلى تغير في الحجم أو الشكل وفق معاملات معروفة.
أما في بعض النماذج ذات المرونة الفردية فقد يؤدي نوع معين من الضغط إلى استجابة جانبية أو دورانية غير مألوفة.
وبالمقابل قد لا يؤدي التشوه الجانبي العكسي إلى القوة نفسها التي نتوقعها من التبادلية التقليدية.
تسمح هذه العلاقة بظهور استجابات عرضية، أي أن المادة تستطيع توليد قوة في اتجاه مختلف عن اتجاه التشوه المفروض عليها. (Annual Reviews)
دورة التشوه الفردية
أكثر طريقة وضوحًا لفهم الظاهرة هي تخيل دورة من التشوهات.
نبدأ بمادة في حالتها الأصلية.
نمددها في اتجاه معين.
ثم نعرضها لتشوه من نوع آخر.
بعد ذلك نعيد التشوه الأول إلى الصفر.
وأخيرًا نعيد التشوه الثاني إلى الصفر.
عند نهاية الدورة تكون المادة قد عادت إلى شكلها الأصلي.
في مادة مرنة محافظة لا يمكن استخراج شغل صاف من هذه الدورة البطيئة.
أما المادة ذات المرونة الفردية فيمكن أن تنتج شغلًا خلال الدورة أو تمتص شغلًا منها، تبعًا لاتجاه الدورة في فضاء التشوهات. (DOI)
هل هذا يعني إنتاج طاقة من العدم؟
لا.
المرونة الفردية لا تنتهك قانون حفظ الطاقة.
السبب هو أن المواد التي أظهرت هذا السلوك تجريبيًا تحتوي عادة على مصادر طاقة داخلية أو عناصر نشطة.
فعلى سبيل المثال يمكن أن تستخدم العناصر الكهرضغطية والدوائر الإلكترونية طاقة كهربائية خارجية ثم تحول جزءًا منها إلى شغل ميكانيكي.
عندما تبدو المادة وكأنها أنتجت شغلًا خلال دورة التشوه، تكون الطاقة قد جاءت في الحقيقة من النظام النشط الذي يشغل مكوناتها.
لذلك يمكن اعتبار المادة ذات المرونة الفردية نوعًا من المحرك الميكانيكي الموزع داخل المادة نفسها. (Nature)
المادة كمحرك موزع
Distributed Engine
من الأفكار المثيرة التي قدمتها الدراسة الأصلية أن المادة ذات المرونة الفردية لا تحتاج إلى محرك مركزي منفصل.
يمكن أن يحتوي كل رابط أو عنصر صغير داخل المادة على استجابة نشطة خاصة به.
وعندما تتجمع آلاف أو ملايين هذه العناصر، تظهر خاصية ميكانيكية كلية تسمح للمادة بتحويل الطاقة الداخلية إلى حركة أو شغل.
وهكذا يصبح المحرك جزءًا من بنية المادة نفسها بدل أن يكون جهازًا مستقلًا متصلًا بها.
القوى غير المحافظة
Non-conservative Forces
القوة المحافظة يمكن عادة وصفها بواسطة طاقة وضع.
إذا تحرك النظام في دورة مغلقة وعاد إلى حالته الأولى يكون صافي الشغل الناتج عنها صفرًا.
لكن القوة غير المحافظة قد تعتمد على المسار نفسه.
في المادة النشطة يمكن أن تستجيب المكونات المجهرية للتشوه عن طريق إنتاج قوى إضافية تتغذى من مصدر للطاقة.
لذلك لا يمكن دائمًا وصف المادة بواسطة دالة طاقة مرنة عادية.
وهذا الاختلاف الرياضي هو أحد الأسس الرئيسية للمرونة الفردية. (DOI)
المرونة الفردية والمواد الخارقة
Metamaterials
المواد الخارقة هي مواد يتم تحديد خصائصها بدرجة كبيرة بواسطة تصميم بنيتها الداخلية، وليس فقط بواسطة المادة الكيميائية التي صنعت منها.
يمكن تصميم شبكة من العوارض والمفاصل والمحركات بحيث تستجيب للقوة بطريقة لا توجد في قطعة عادية من المعدن أو المطاط.
ولهذا أصبحت المواد الخارقة بيئة مثالية لاختبار المرونة الفردية.
يمكن للمهندسين برمجة كل وحدة داخل الشبكة لتشعر بتشوه معين ثم تولد قوة محددة استجابة له.
وبذلك يمكن بناء قوانين ميكانيكية اصطناعية على مستوى المادة. (TU Delft Repository)
أولى البرهنات التجريبية
انتقلت الفكرة سريعًا من النظرية إلى التجربة.
في عام 2021 نشر باحثون في Nature Communications تصميمًا لمادة خارقة نشطة تحتوي على عناصر كهرضغطية مثبتة على عارضة ومرتبطة بدوائر إلكترونية.
استخدمت الدوائر لخلق اقتران غير متبادل بين الانحناء والقص.
وأظهرت التجارب أن الموجات الميكانيكية التي تسير في أحد الاتجاهات يمكن تضخيمها، بينما تتعرض الموجات التي تسير في الاتجاه المعاكس للتثبيط. (DOI)
العناصر الكهرضغطية
Piezoelectric Elements
العناصر الكهرضغطية مواد تستطيع تحويل التشوه الميكانيكي إلى إشارة كهربائية، كما تستطيع فعل العكس وتحويل الإشارة الكهربائية إلى حركة ميكانيكية.
لذلك يمكن استخدامها كمستشعر ومحرك في الوقت نفسه.
في المادة التجريبية ذات المرونة الفردية قامت الدوائر الإلكترونية بقياس التشوهات ثم إرسال إشارات إلى العناصر الكهرضغطية بحيث تصبح استجابة المادة غير متناظرة.
كانت الطاقة اللازمة لهذه العملية تأتي من النظام الكهربائي، ولذلك لم تكن المادة نظامًا سلبيًا.
موجة تسير باتجاه واحد بصورة مختلفة
من النتائج المثيرة للمرونة غير المتبادلة أن الموجة قد لا تواجه الوسط نفسه عندما تسافر في الاتجاهين المتعاكسين.
في المادة التجريبية النشطة تمكن الباحثون من إظهار تضخيم للموجات القادمة من أحد الاتجاهات وتثبيط للموجات القادمة من الاتجاه المقابل.
هذا النوع من التحكم يمكن أن يكون مهمًا في تصميم أنظمة تحمي الأجهزة من الاهتزازات أو توجه الطاقة الميكانيكية في اتجاه مرغوب فيه. (DOI)
العلاقة مع الفيزياء غير الهيرميتية
Non-Hermitian Physics
ترتبط المرونة الفردية بمجال واسع يعرف بالفيزياء غير الهيرميتية.
في الأنظمة المحافظة التقليدية تقود البنية الرياضية عادة إلى مؤثرات متناظرة تسمح بخصائص معروفة للطاقة والموجات.
أما الأنظمة التي تكتسب الطاقة أو تفقدها أو تحتوي على تفاعلات غير متبادلة فيمكن أن توصف ببنى رياضية غير هيرميتية.
تسمح هذه الأنظمة بظواهر غير مألوفة مثل نقاط استثنائية وتمركز الموجات عند حدود المادة والاستجابات الاتجاهية. (DOI)
تأثير الجلد غير الهيرميتي
Non-Hermitian Skin Effect
في بعض الأنظمة غير المتبادلة لا تبقى الأنماط الاهتزازية موزعة بالتساوي في المادة.
بدلًا من ذلك يمكن لعدد كبير من الأنماط أن يتجمع قرب أحد حدود النظام.
يسمى ذلك تأثير الجلد غير الهيرميتي.
وقد أظهرت تجربة المادة الخارقة ذات المرونة الفردية تمركزًا من هذا النوع، مما يربط المرونة الفردية مباشرة بفيزياء الموجات غير الهيرميتية. (DOI)
هل تستطيع المادة توليد موجات من نفسها؟
من التنبؤات المثيرة للنموذج الأصلي أن النشاط المرتبط بالمرونة الفردية يمكن أن يسمح بانتشار موجات مرنة حتى في أوساط تكون فيها الحركة عادة شديدة التخميد.
فالطاقة الداخلية للمادة تستطيع تعويض جزء من الطاقة المفقودة ودفع دورات تشوه ذاتية.
لذلك يمكن أن تظهر موجات وحركات دورية لا يمكن الحصول عليها من مادة مرنة سلبية مماثلة. (Nature)
المواد المساعدة سالبًا
Auxetic Materials
المادة المساعدة سالبًا تتصرف بطريقة معاكسة لما نراه في معظم المواد.
عندما نشد مادة عادية فإنها تصبح أضيق في الاتجاه الجانبي.
أما بعض المواد المساعدة سالبًا فقد تتوسع جانبيًا عندما تمدد.
Auxetic
أظهرت النظرية الأصلية أن المعاملات الفردية يمكن أن تغير الاستجابة العرضية للمادة، وقد تنتج سلوكًا مساعدًا سالبًا مدفوعًا بالنشاط الداخلي حتى عندما لا تؤدي البنية السلبية وحدها إلى ذلك. (Nature)
السباحة باستخدام المرونة الفردية
طرح الباحثون أيضًا سؤالًا غريبًا.
هل يستطيع جسم صغير استخدام المرونة الفردية لتوليد حركة ذاتية في سائل؟
في عام 2022 نشرت دراسة نظرية بينت أن خيطًا نشطًا ذا مرونة فردية يمكن أن يولد موجات تشوه ذاتية وينتج حركة سباحة عند أعداد رينولدز المنخفضة.
كما أظهرت الدراسة أن الضوضاء العشوائية في شكل الجسم يمكن أن تتحول إلى حركة اتجاهية عندما توجد استجابة مرنة غير متبادلة. (DOI)
المواد الحية والمرونة الفردية
لا يقتصر الاهتمام بالظاهرة على المواد الاصطناعية.
تحتوي الخلايا الحية على هياكل نشطة مثل الهيكل الخلوي، حيث تتفاعل خيوط البروتين مع محركات جزيئية تستهلك الطاقة الكيميائية.
ولذلك يبحث الفيزيائيون فيما إذا كانت بعض الخصائص الميكانيكية للأنسجة والمواد البيولوجية النشطة يمكن أن تظهر استجابات تشبه المرونة الفردية.
إلا أن إثبات المرونة الفردية في الأنظمة البيولوجية الطبيعية أكثر صعوبة من إثباتها في مادة خارقة مصممة هندسيًا.
المواد النشطة الكيرالية
Chiral Active Materials
الكيرالية تعني أن النظام يمتلك اتجاهًا أو بنية لا تتطابق مع صورتها في المرآة.
يمكن أن تظهر هذه الخاصية في مواد تحتوي على عناصر صغيرة تدور باستمرار في اتجاه معين.
في يوليو 2026 نشرت Physical Review Letters دراسة عن المرونة الفردية في مواد نشطة كيرالية غير مرتبة.
ناقشت الدراسة كيف يمكن أن تظهر المرونة الفردية في أنظمة لا تمتلك شبكة بلورية منظمة، وهو أمر مهم لأن المواد البيولوجية الطبيعية غالبًا ما تكون غير مرتبة. (APS Journals)
لماذا تعد دراسة عام 2026 مهمة؟
كانت النماذج الأولى للمرونة الفردية تعتمد بدرجة كبيرة على شبكات مصممة بعناية.
لكن الأنظمة الحية ليست شبكات مثالية.
فالهيكل الخلوي والبروتينات المحركة والتجمعات الميكروبية تحتوي على اضطراب وعدم انتظام.
أظهرت دراسة عام 2026 نظريًا أن النشاط الدوراني المحلي في مادة كيرالية غير مرتبة يمكن أن يؤدي إلى ظهور المرونة الفردية على المستوى الكبير.
وهذا يوسع الفكرة من المواد الخارقة المنتظمة إلى فئة أكبر بكثير من الأنظمة النشطة. (APS Journals)
المرونة الفردية واللزوجة الفردية
Odd Viscosity
المرونة الفردية ليست الظاهرة الوحيدة من هذا النوع.
يوجد مفهوم قريب يسمى اللزوجة الفردية.
في اللزوجة التقليدية تقاوم الموائع الحركة وتبدد الطاقة.
أما اللزوجة الفردية فتمثل استجابة لزجة عرضية مضادة للتناظر يمكن أن تظهر عندما تكسر المنظومة بعض التناظرات الأساسية.
ناقشت مراجعة واسعة في Annual Review of Condensed Matter Physics عام 2023 المرونة الفردية واللزوجة الفردية ضمن إطار موحد للمواد البعيدة عن الاتزان. (Annual Reviews)
الفرق بين المرونة الفردية واللزوجة الفردية
المرونة ترتبط بصورة أساسية باستجابة المادة للتشوه وتخزين الطاقة أو تحويلها.
أما اللزوجة فترتبط عادة بمعدل التشوه والتدفق.
لهذا يظهر الفرق بين الظاهرتين في الطريقة التي تعتمد بها القوى على التشوه أو على سرعة التشوه.
ورغم اختلافهما فإن كليهما ينتج عن معاملات مضادة للتناظر لا تظهر في النماذج التقليدية البسيطة. (Annual Reviews)
هل يمكن أن توجد المرونة الفردية في مادة سلبية؟
ظهرت الفكرة الأصلية بصورة أساسية في سياق المواد النشطة، لأن وجود الجزء الفردي في المرونة الخطية العادية يرتبط بكسر شروط التبادلية وحفظ الطاقة التي تقيد المادة السلبية.
لكن الدراسات اللاحقة وسعت النقاش إلى أنظمة أكثر تعقيدًا، منها المواد غير الخطية والبنى الكيرالية والمواد ذات الاحتكاك أو التلامس غير التقليدي.
وتشير مراجعة منشورة في نهاية عام 2025 حول اللاتبادلية الساكنة في المواد الميكانيكية الخارقة إلى إمكان ظهور استجابات تشبه بعض صور المرونة الفردية في هياكل سلبية مصممة بعناية، مع ضرورة التمييز بين المرونة الفردية غير المحافظة بمعناها الأصلي وبين أنواع أخرى من اللاتبادلية الناشئة عن اللاخطية والهندسة. (DOI)
التحكم في الاهتزازات
من التطبيقات المحتملة للمواد ذات الاستجابة غير المتبادلة صنع هياكل تسمح للموجة بالانتقال بسهولة في اتجاه بينما تمنعها أو تضعفها في الاتجاه الآخر.
يمكن أن تكون هذه الخاصية مفيدة في حماية المعدات الحساسة من الاهتزازات أو في منع انتقال الاهتزاز من جزء من آلة إلى جزء آخر.
وبدل الاعتماد على مادة ثابتة الخصائص، يمكن للدوائر النشطة تغيير الاستجابة ميكانيكيًا وفق الحاجة.
توجيه الموجات الميكانيكية
يمكن أيضًا استخدام اللاتبادلية لصنع ما يشبه الصمامات الميكانيكية للموجات.
قد تمر إشارة اهتزازية في اتجاه، بينما تكون استجابة النظام مختلفة في الاتجاه العكسي.
هذه الخاصية تشبه من حيث المبدأ وظيفة بعض المكونات الإلكترونية التي تسمح بانتقال الإشارة بصورة غير متناظرة.
ولهذا يهتم الباحثون بإمكان استخدام المواد غير المتبادلة في معالجة المعلومات الميكانيكية وأنظمة الاستشعار والتحكم في الصوت والاهتزازات. (DOI)
المواد القابلة للبرمجة
Programmable Materials
إذا كانت استجابة كل وحدة في مادة خارقة تعتمد على مستشعر ودائرة تحكم ومحرك، يصبح من الممكن تغيير القوانين الميكانيكية للمادة دون إعادة تصنيعها.
يمكن على سبيل المثال تعديل شدة الاقتران غير المتبادل أو اتجاهه إلكترونيًا.
وبذلك تتحول المادة من جسم يمتلك خصائص ثابتة إلى نظام يمكن برمجة استجابته للقوة.
وتربط أبحاث حديثة هذا الاتجاه بتطور المواد الذكية والمواد النشطة والروبوتات الجماعية. وفي يوليو 2026 وصفت مقالة Perspective في Physical Review E هذا المسار باعتباره انتقالًا من المادة النشطة إلى المادة الفردية ثم إلى المادة الذكية القادرة على التكيف مع الوظيفة المطلوبة. (APS Journals)
هل يمكن للمادة أن تعمل كروبوت؟
هذا أحد الاتجاهات المستقبلية الأكثر إثارة.
في الروبوت التقليدي توجد أجهزة استشعار ومعالج مركزي ومحركات وأجزاء ميكانيكية منفصلة.
أما المادة الروبوتية فقد توزع هذه الوظائف داخل بنيتها نفسها.
كل وحدة صغيرة تستشعر التشوه وتستجيب محليًا، وتتفاعل آلاف الوحدات لتنتج سلوكًا كبيرًا مثل الحركة أو تغيير الشكل أو توجيه الموجات.
لهذا يجري اختبار المرونة الفردية في مواد روبوتية خارقة يمكن أن تنتج سلوكيات جماعية معقدة من قواعد تحكم محلية بسيطة. (TU Delft Repository)
هل المرونة الفردية خاصية مادة أم خاصية نظام؟
هذه نقطة مهمة.
في الحديد أو المطاط ترتبط كثير من الخصائص المرنة بالبنية الذرية والجزيئية للمادة نفسها.
أما في معظم تطبيقات المرونة الفردية الحالية فإن الخاصية تنشأ من النظام الكامل.
قد تكون المكونات الأساسية عادية، مثل العوارض المعدنية والعناصر الكهرضغطية والدوائر الإلكترونية.
لكن طريقة ربط هذه المكونات وقواعد التغذية الراجعة بينها تولد الاستجابة الفردية.
لذلك تمثل المرونة الفردية مثالًا واضحًا على الخصائص الناشئة.
Emergent Properties
فالخاصية الكبيرة لا توجد بالضرورة في كل مكون منفرد، وإنما تظهر نتيجة طريقة تفاعل المكونات مع بعضها.
ماذا تغير المرونة الفردية في مفهوم المادة الصلبة؟
في التصور التقليدي تكون المادة الصلبة جسمًا يستجيب للقوة الواقعة عليه.
أما المواد النشطة ذات المرونة الفردية فتطمس الحدود بين المادة والآلة.
فالمادة نفسها تستطيع الإحساس بالتشوه واستهلاك الطاقة وتوليد قوى داخلية وتضخيم الموجات أو تثبيطها.
ولهذا لا يقتصر مجال المرونة الفردية على تعديل نظرية ميكانيكية قديمة، بل يرتبط بسؤال أوسع حول ما الذي يمكن أن تفعله المادة عندما تحتوي بنيتها الداخلية على مصادر للطاقة وقواعد للاستجابة.
أهم الأسئلة التي ما تزال مفتوحة
ما يزال المجال حديثًا مقارنة بالمرونة التقليدية.
يحاول الباحثون معرفة مدى إمكانية تحقيق مرونة فردية قوية في مواد صغيرة الحجم دون الحاجة إلى دوائر تحكم كبيرة.
كما يدرسون كيفية ظهور الظاهرة في المواد البيولوجية غير المرتبة.
وتوجد تحديات تتعلق بالاستقرار، لأن النظام النشط الذي يضخم الحركة أكثر من اللازم يمكن أن يدخل في اهتزازات غير مستقرة.
ويحاول الباحثون أيضًا فهم العلاقة بين المرونة الفردية والطوبولوجيا والفيزياء غير الهيرميتية والذكاء المدمج في المواد.
وتظهر أعمال منشورة خلال عامي 2025 و2026 أن تصميم المواد غير المتبادلة والمواد النشطة القابلة للبرمجة ما يزال مجالًا بحثيًا سريع التطور. (ScienceDirect)
المصادر
Scheibner C, Souslov A, Banerjee D, Surówka P, Irvine WTM, Vitelli V. Odd elasticity. Nature Physics. 2020;16:475–480. (Nature)
الدراسة الأصلية في Nature Physics
Fruchart M, Scheibner C, Vitelli V. Odd Viscosity and Odd Elasticity. Annual Review of Condensed Matter Physics. 2023;14:471–510. (Annual Reviews)
المراجعة العلمية في Annual Reviews
Chen Y et al. Realization of active metamaterials with odd micropolar elasticity. Nature Communications. 2021. (DOI)
التجربة في Nature Communications
Fossati M, Scheibner C, Fruchart M, Vitelli V. Odd elasticity and topological waves in active surfaces. Physical Review E. 2024. (DOI)
Zhong D, Ju J. Static nonreciprocity in mechanical metamaterials enabled by symmetry breaking: a perspective. npj Metamaterials. 2025. (Nature)
Lee CT, Lubensky TC, Markovich T. Odd Elasticity in Disordered Chiral Active Materials. Physical Review Letters. 2026. (APS Journals)
الدراسة في Physical Review Letters
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق