ميكروبيوم ما بعد الموت
Thanatomicrobiome
ميكروبيوم ما بعد الموت هو المجتمع المعقد من الكائنات الحية الدقيقة الذي يوجد داخل جسم الإنسان ويتغير بصورة منهجية بعد الوفاة. فعندما تتوقف الوظائف الحيوية للإنسان لا تختفي البكتيريا والفطريات والكائنات الدقيقة التي كانت تعيش داخله مباشرة، بل تدخل في مرحلة بيئية مختلفة تمامًا، وتبدأ أنواع معينة منها بالتكاثر والانتشار بين الأنسجة والأعضاء، بينما تتراجع أنواع أخرى.
تحولت دراسة هذه التغيرات خلال السنوات الأخيرة إلى مجال بحثي ناشئ في علم الأحياء الدقيقة الشرعي، لأن التتابع الذي يحدث بين المجتمعات الميكروبية بعد الوفاة قد يحمل معلومات عن الزمن الذي مضى منذ الموت، ومرحلة تحلل الجثة، وربما بعض الظروف المحيطة بالوفاة. (Frontiers)
ما المقصود بميكروبيوم ما بعد الموت؟
كلمة
Thanatomicrobiome
مكوّنة من جزء مشتق من الكلمة اليونانية التي تعني الموت، مع كلمة الميكروبيوم التي تشير إلى المجتمع الميكروبي ومادته الوراثية.
استخدم الباحثون هذا المصطلح لوصف الكائنات الدقيقة الموجودة في الأعضاء الداخلية والدم وبعض فتحات الجسم بعد الوفاة، خصوصًا عندما تبدأ هذه المجتمعات بالتغير نتيجة توقف العمليات الطبيعية التي كانت تحافظ على توازنها أثناء الحياة. (Nature)
ولا يعني ذلك ظهور مجموعة جديدة تمامًا من الميكروبات لحظة الموت. فالجزء الأكبر من العملية يبدأ بميكروبات كانت موجودة أصلًا في الجسم أثناء الحياة، خصوصًا في الجهاز الهضمي والفم والجلد، ثم تتغير البيئة المحيطة بها جذريًا عندما يموت المضيف.
ماذا يحدث للميكروبات عند وفاة الإنسان؟
أثناء الحياة يحافظ الجسم على بيئة شديدة التنظيم. تصل الأكسجة والمغذيات إلى الأنسجة باستمرار، ويمنع الجهاز المناعي معظم الميكروبات من الانتقال بحرية إلى أعضاء أخرى.
عند الوفاة يتوقف دوران الدم، وينخفض الأكسجين داخل الأنسجة، وتتوقف الاستجابات المناعية، وتبدأ الخلايا في التحلل الذاتي نتيجة عمل الإنزيمات الموجودة بداخلها.
ينتج عن ذلك تحرير كميات كبيرة من المركبات العضوية التي تستطيع الميكروبات استخدامها كمصدر للطاقة والغذاء.
وفي الوقت نفسه تصبح الحواجز التي تفصل أجزاء الجسم عن بعضها أضعف تدريجيًا، مما يسمح لبعض الكائنات الدقيقة الموجودة في الأمعاء ومناطق أخرى بالانتشار إلى أنسجة لم تكن تصل إليها بهذه الطريقة أثناء الحياة. (PubMed Central (PMC))
التحلل الذاتي والتعفن الميكروبي
توجد عمليتان مترابطتان بعد الوفاة.
الأولى هي التحلل الذاتي، وفيها تبدأ إنزيمات الخلايا في تفكيك مكوناتها نتيجة توقف العمليات التي كانت تحافظ على سلامة الخلية.
أما الثانية فهي التعفن الناتج بدرجة كبيرة عن النشاط الميكروبي.
تستفيد البكتيريا من المواد التي يحررها تحلل الخلايا، وتبدأ في استقلاب البروتينات والكربوهيدرات والدهون. ويمكن أن تنتج عن هذه العمليات غازات ومركبات عضوية متعددة مرتبطة بالتغيرات المعروفة في الجثث أثناء التحلل.
ومع انخفاض الأكسجين تصبح البيئة الداخلية أكثر ملاءمة لكثير من الكائنات اللاهوائية.
دور بكتيريا كلوستريديوم
Clostridium
أظهرت الدراسات المبكرة لميكروبيوم ما بعد الموت أهمية خاصة لبعض البكتيريا اللاهوائية، ومنها أنواع تنتمي إلى جنس كلوستريديوم.
في إحدى الدراسات البشرية المهمة وجد الباحثون أن البكتيريا اللاهوائية كانت مكونًا بارزًا في المجتمعات الميكروبية الموجودة في بعض الأعضاء الداخلية بعد الوفاة.
لكن هذا لا يعني وجود نوع واحد مسؤول عن التحلل. فميكروبيوم ما بعد الموت يتكون من مجتمع متغير من أنواع كثيرة، ويختلف تركيبه باختلاف العضو ومرحلة التحلل والبيئة المحيطة بالجثة. (Nature)
هل تمتلك جميع أعضاء الجسم الميكروبيوم نفسه بعد الموت؟
لا.
إحدى أكثر النتائج إثارة في هذا المجال هي أن الأعضاء المختلفة قد تمتلك أنماطًا ميكروبية مختلفة بعد الوفاة.
وقد درست الأبحاث عينات من الدم والدماغ والقلب والكبد والطحال وأعضاء أخرى، ووجدت اختلافات في تركيب المجتمعات الميكروبية وفي سرعة تغيرها.
ويرجع ذلك إلى عدة عوامل منها موقع العضو، وتركيب أنسجته، وقربه من الجهاز الهضمي، وظروف الأكسجة، والمواد الغذائية المتاحة للميكروبات، ومعدل تحلل الأنسجة نفسها.
تشير بعض الدراسات أيضًا إلى أن الأعضاء لا تتحلل بالمعدل نفسه، وهو ما جعل الباحثين يهتمون بدراسة كل عضو باعتباره بيئة ميكروبية مختلفة نسبيًا. (PubMed)
التتابع الميكروبي بعد الوفاة
Microbial Succession
من أهم المفاهيم في هذا العلم أن تركيب المجتمع الميكروبي لا يبقى ثابتًا.
خلال الساعات والأيام التي تلي الوفاة تتغير نسب الميكروبات الموجودة في الأنسجة. بعض المجموعات تستطيع الاستفادة من الظروف الجديدة فتزداد، بينما تصبح الظروف غير مناسبة لمجموعات أخرى فتتناقص.
ثم تظهر مراحل لاحقة تترافق مع ازدياد التحلل وتغير درجة الحموضة والأكسجين والمغذيات الموجودة في الأنسجة.
يطلق الباحثون على هذا التغير المتتابع اسم التتابع الميكروبي.
وهو الأساس الذي تقوم عليه فكرة استخدام الميكروبات كساعة بيولوجية بعد الوفاة. (PubMed)
الساعة الميكروبية للموت
Microbial Clock
يحاول علماء الطب الشرعي منذ زمن طويل تقدير الفترة المنقضية منذ الوفاة بالاعتماد على عدة مؤشرات، مثل درجة حرارة الجثة والتيبس والتغيرات الكيميائية والحشرات ودرجة التحلل.
لكن دقة كثير من هذه المؤشرات تتأثر بالظروف المحيطة.
هنا ظهرت فكرة الساعة الميكروبية.
إذا كانت المجتمعات الميكروبية تتغير بنمط يمكن التنبؤ به مع مرور الزمن، فإن تحليل أنواع الميكروبات ونسبها قد يسمح بتقدير الفترة المنقضية منذ الوفاة.
في دراسة بشرية منشورة عام 2016 حلل الباحثون عينات من 27 جثة، تراوحت الفترات المنقضية منذ الوفاة فيها بين نحو 3.5 و240 ساعة. وأظهر تحليل الحمض النووي الميكروبي وجود تغيرات مرتبطة بالزمن وبالعضو الذي أخذت منه العينة، مما قدم دليلًا مهمًا على إمكانية استخدام ميكروبيوم ما بعد الموت في تقدير الزمن منذ الوفاة. (Nature)
كيف يدرس العلماء هذه الميكروبات؟
لا يمكن الاعتماد فقط على زراعة البكتيريا التقليدية، لأن كثيرًا من الكائنات الدقيقة الموجودة في العينات البيولوجية يصعب تنميتها في المختبر.
ولهذا يعتمد المجال الحديث بدرجة كبيرة على تحليل المادة الوراثية.
من أكثر الطرق المستخدمة تحليل جين الحمض النووي الريبي الريبوسومي البكتيري.
16S rRNA
يحتوي هذا الجين على مناطق يمكن استخدامها للتعرف على المجموعات البكتيرية الموجودة في العينة.
يأخذ الباحث عينة من عضو أو نسيج، ثم يستخلص الحمض النووي الموجود فيها، وتجرى عملية تسلسل جيني تسمح بتحديد المجموعات الميكروبية ونسبها النسبية.
وتستخدم أيضًا تقنيات أكثر تقدمًا لتحليل أجزاء واسعة من المادة الوراثية لجميع الميكروبات الموجودة في العينة. (PubMed)
الميتاجينوميات
Metagenomics
بدل محاولة عزل كل نوع من البكتيريا وزراعته منفردًا، تسمح تقنيات الميتاجينوميات بدراسة المادة الوراثية لمجتمع كامل من الكائنات الدقيقة في العينة.
ومن خلال هذه البيانات يستطيع الباحثون معرفة أنواع الميكروبات الموجودة، ومقارنتها بين مراحل مختلفة من التحلل، وإنشاء نماذج إحصائية تربط تركيب المجتمع الميكروبي بالفترة المنقضية منذ الوفاة.
وقد أصبح انخفاض تكلفة تقنيات تسلسل الحمض النووي أحد الأسباب الرئيسية وراء التوسع السريع في أبحاث ميكروبيوم ما بعد الموت خلال العقد الأخير. (PubMed)
هل يمكن للذكاء الاصطناعي تحديد زمن الوفاة من البكتيريا؟
هذه إحدى الاتجاهات البحثية الحديثة.
يمكن إعطاء نماذج التعلم الآلي بيانات تحتوي على آلاف المؤشرات الميكروبية المأخوذة من جثث ذات أزمنة وفاة معروفة.
يتعلم النموذج العلاقات بين نسب الميكروبات والزمن، ثم يحاول تقدير الفترة المنقضية منذ الوفاة في عينات جديدة.
لكن هذه الأنظمة ما تزال بحاجة إلى مجموعات بيانات أكبر وأكثر تنوعًا قبل إمكانية الاعتماد عليها بصورة عامة في الطب الشرعي.
وتشير المراجعات الحديثة إلى إمكانية الجمع مستقبلًا بين بيانات الميكروبيوم والميتاجينوميات والمواد الكيميائية الناتجة عن التحلل وغيرها من المؤشرات باستخدام النماذج الحاسوبية لتحسين تقدير زمن الوفاة. (PubMed)
الفرق بين ميكروبيوم ما بعد الموت والمجتمعات السطحية
لا يستخدم العلماء المصطلح نفسه دائمًا لجميع الميكروبات التي تعيش على الجثة.
يستخدم مصطلح ميكروبيوم ما بعد الموت بصورة أساسية للمجتمعات الميكروبية الموجودة داخل الأعضاء والأنسجة وفتحات الجسم.
أما الكائنات الدقيقة التي تستوطن الأسطح الخارجية للجثة المتحللة فيشار إليها في الأدبيات العلمية باسم المجتمعات فوق النخرية.
Epinecrotic Communities
وتتأثر هذه المجتمعات بصورة كبيرة بالهواء والتربة والرطوبة ودرجة الحرارة والحشرات والبيئة التي توجد فيها الجثة.
وتشكل المجتمعات الداخلية والخارجية معًا جزءًا مهمًا من الدراسة الميكروبية لعملية تحلل الجسم. (Frontiers)
هل يمكن معرفة مكان الوفاة من الميكروبات؟
من التطبيقات التي يبحثها علم الأحياء الدقيقة الشرعي مقارنة المجتمعات الميكروبية الموجودة على الجثة بالمجتمعات الموجودة في البيئة المحيطة.
فالتربة والمياه والبيئات المختلفة تحتوي على مجموعات ميكروبية مميزة نسبيًا.
لذلك قد تساعد البصمة الميكروبية في بعض الحالات البحثية على معرفة ما إذا كانت الجثة قد تحللت في موقع معين أو ربما نُقلت من بيئة إلى أخرى.
إلا أن هذا الاستخدام أكثر تعقيدًا من مجرد العثور على نوع معين من البكتيريا، لأن المجتمعات الميكروبية تتغير باستمرار وتتأثر بعوامل بيئية كثيرة. (PubMed)
هل يمكن تحديد سبب الوفاة؟
يحاول الباحثون أيضًا معرفة ما إذا كانت بعض أنماط الميكروبيوم بعد الوفاة ترتبط بأسباب معينة للموت.
قد تكون العدوى الموجودة قبل الوفاة، أو الحالة الصحية للشخص، أو الأدوية، أو إصابات الأعضاء وغيرها من العوامل قادرة على تغيير البيئة الميكروبية للجسم.
ولهذا يمكن أن يقدم تحليل الميكروبات معلومات مساعدة في التحقيق، لكنه لا يعتبر في الوقت الحالي اختبارًا منفردًا يمكن من خلاله تحديد سبب الوفاة بصورة مؤكدة. (PubMed)
ما العوامل التي تؤثر في ميكروبيوم ما بعد الموت؟
لا توجد ساعة ميكروبية واحدة تعمل بالطريقة نفسها في جميع الجثث وفي جميع مناطق العالم.
درجة الحرارة تؤثر في معدل نمو الميكروبات وتحلل الأنسجة.
الرطوبة تؤثر في بيئة التحلل.
توفر الأكسجين يغير الأنواع القادرة على النمو.
التربة والمياه تؤثران في الميكروبات التي يمكنها الوصول إلى الجثة.
كما تؤثر المنطقة التشريحية ومرحلة التحلل والحالة الصحية السابقة والبيئة التي توجد فيها الجثة.
ولهذا فإن بناء نموذج عالمي لتقدير زمن الوفاة اعتمادًا على الميكروبات وحدها يمثل تحديًا علميًا كبيرًا. (PubMed)
لماذا لا يستخدم ميكروبيوم ما بعد الموت روتينيًا حتى الآن؟
رغم النتائج الواعدة، ما يزال هذا العلم مجالًا بحثيًا في طور التطور.
تختلف طرق أخذ العينات بين الدراسات، كما تختلف تقنيات استخراج الحمض النووي والتسلسل الجيني والتحليل الإحصائي.
وتوجد كذلك اختلافات كبيرة في المناخ والبيئة وطريقة حفظ الجثة ومرحلة التحلل.
وأظهرت مراجعات حديثة أن عدم توحيد طرق العمل وقلة قواعد البيانات البشرية الكبيرة يمثلان من أهم العقبات أمام تحويل الساعة الميكروبية إلى أداة جنائية معيارية يمكن استخدامها بصورة روتينية في المحاكم والتحقيقات. (PubMed)
أحد أهم الدراسات البشرية
نشرت مجلة Scientific Reports عام 2016 دراسة بعنوان
Human Thanatomicrobiome Succession and Time Since Death
درس الباحثون فيها المجتمعات الميكروبية الموجودة في أعضاء داخلية وعينات أخرى مأخوذة من 27 جثة بشرية.
وشملت الدراسة الدماغ والقلب والكبد والطحال وتجويف الفم والدم.
وأظهر تحليل تسلسل جين البكتيريا وجود تغيرات ذات دلالة مرتبطة بالفترة المنقضية منذ الوفاة وبنوع العضو.
كانت هذه الدراسة من الأبحاث التي ساعدت على ترسيخ فكرة أن الجسم بعد الموت يمكن النظر إليه باعتباره نظامًا بيئيًا ميكروبيًا يتغير بمرور الزمن، وليس مجرد أنسجة تمر بعملية تحلل كيميائي عشوائي. (Nature)
أبحاث أحدث
استمرت الأبحاث بعد ذلك في دراسة فترات أطول وأعضاء أكثر وتقنيات جينية أكثر تطورًا.
فقد درست إحدى الدراسات أنسجة أعضاء من 40 جثة بشرية تراوحت الفترة المنقضية منذ الوفاة فيها بين 24 و432 ساعة، وشملت الدماغ والقلب والكبد والطحال والبروستاتا والرحم. وقد دعمت النتائج فكرة أن تركيب الميكروبات يختلف بين الأعضاء ويتغير مع مرور الزمن. (PubMed Central (PMC))
كما تتجه الأبحاث الحديثة نحو تقنيات تسلسل أكثر دقة وتحليل عدد أكبر من الأنواع الميكروبية في الوقت نفسه، وربط هذه البيانات بالنماذج الإحصائية والتعلم الآلي. وتشير مراجعات حديثة إلى أن الساعة الميكروبية واعدة، لكنها ما تزال بحاجة إلى دراسات بشرية واسعة وبروتوكولات موحدة قبل اعتمادها بصورة نهائية في الممارسة الجنائية. (PubMed)
الأهمية العلمية لميكروبيوم ما بعد الموت
دراسة هذه المجتمعات لا تقتصر على التحقيقات الجنائية.
فهي تساعد العلماء أيضًا على فهم التحلل باعتباره عملية بيئية تعيد خلالها الميكروبات العناصر الموجودة في جسم الكائن الحي إلى البيئة.
كما تسمح بدراسة كيفية انتقال الكائنات الدقيقة من الإنسان إلى التربة، وكيف تتغير الشبكات الميكروبية بعد انتهاء الوظائف الحيوية للمضيف.
وبذلك يقع ميكروبيوم ما بعد الموت عند نقطة التقاء علم الأحياء الدقيقة والبيئة وعلم الجينوم والطب الشرعي وعلم التحلل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق