Pages

السبت، 5 سبتمبر 2026

بحيرات قد تنفجر بلا نار: كيف أطلقت بحيرة نيوس سحابة خفية قتلت أكثر من 1700 شخص؟

 

بحيرات قد تنفجر بلا نار: كيف أطلقت بحيرة نيوس سحابة خفية قتلت أكثر من 1700 شخص؟

في ليلة هادئة من أغسطس عام 1986 كان سكان القرى المحيطة ببحيرة نيوس في الكاميرون يعيشون حياتهم بصورة طبيعية.

لم يكن هناك ثوران بركاني.

لم تتدفق الحمم.

ولم يهز المنطقة زلزال مدمر.

لكن خلال ساعات أصبحت قرى كاملة شبه صامتة.

مات أكثر من 1700 شخص، إضافة إلى آلاف الحيوانات، بسبب سحابة غير مرئية خرجت من البحيرة وانتشرت عبر الوديان.

كانت المادة القاتلة شيئًا نطلقه نحن أنفسنا مع كل زفير:

ثاني أكسيد الكربون.

كشفت الكارثة للعالم نوعًا نادرًا جدًا من الكوارث الطبيعية يعرف باسم:

Limnic Eruption

الثوران البحيري.

وهو حدث تستطيع فيه بحيرة عميقة أن تطلق فجأة كمية هائلة من الغاز المخزن في أعماقها.

كيف يمكن لبحيرة هادئة أن تخزن غازًا قاتلًا؟

توجد بحيرة نيوس داخل منطقة بركانية في الكاميرون.

تحت المنطقة توجد مصادر عميقة لثاني أكسيد الكربون مرتبطة بالنشاط الصهاري في باطن الأرض.

يصعد الغاز تدريجيًا عبر الصخور والمياه الجوفية حتى يصل إلى قاع البحيرة.

لكن بدل أن يصعد مباشرة إلى الهواء، يذوب جزء كبير منه في المياه العميقة.

وهنا تبدأ المشكلة.

بحيرة نيوس عميقة، إذ يصل عمقها إلى نحو 200 متر، ومياهها شديدة الاستقرار ولا تختلط بالكامل من السطح إلى القاع بصورة منتظمة. ولهذا يستطيع ثاني أكسيد الكربون الاستمرار في التراكم في المياه السفلية لسنوات.

الضغط في الأعماق يسمح بتخزين كمية أكبر من الغاز

يمكن فهم الفكرة باستخدام زجاجة مشروب غازي.

طالما أن الزجاجة مغلقة وتحت ضغط، يبقى جزء كبير من ثاني أكسيد الكربون مذابًا في السائل.

عندما تفتح الزجاجة ينخفض الضغط وتبدأ الفقاعات بالظهور.

يحدث شيء مشابه داخل البحيرة، لكن على نطاق هائل.

كلما ازداد العمق ارتفع ضغط الماء، ولذلك تستطيع المياه العميقة الاحتفاظ بكمية أكبر من ثاني أكسيد الكربون الذائب.

يمكن أن يستمر الغاز في الوصول من باطن الأرض بينما تعمل طبقات الماء العليا كغطاء يحبس المياه الغنية بالغاز في الأسفل.

ثم يكفي أن تبدأ المياه العميقة بالصعود

إذا ارتفع جزء من المياه الغنية بثاني أكسيد الكربون نحو سطح البحيرة، ينخفض الضغط الواقع عليها.

يبدأ الغاز المذاب عندها بالخروج على شكل فقاعات.

لكن تكوّن الفقاعات يجعل الماء أخف، فيرتفع بسرعة أكبر.

ومع ارتفاعه ينخفض الضغط أكثر.

فيخرج المزيد من الغاز.

فتزداد سرعة الصعود.

وهكذا تبدأ سلسلة متسارعة من الأحداث.

إنها حلقة تغذي نفسها بنفسها، وتشبه فتح زجاجة غازية هائلة دفعة واحدة. وقد أظهرت النماذج الفيزيائية أن خروج الغاز من الماء المشبع يمكن أن يولد تدفقًا عنيفًا قادرًا على دفع كميات ضخمة من الماء والغاز نحو سطح البحيرة.

هل نعرف ما الذي بدأ كارثة نيوس؟

ليس بشكل قاطع.

اقتُرحت عدة احتمالات، من بينها انهيار صخري أو انزلاق أرضي داخل البحيرة، أو تغيرات في طبقات المياه، أو اضطراب داخلي آخر.

وتشير مراجعة حديثة لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إلى أن انهيارًا أرضيًا كبيرًا ربما لعب دورًا في بدء الحدث، لكن السبب الدقيق الذي أطلق السلسلة الكارثية لم يُثبت بصورة نهائية.

وتوجد نقطة أكثر إثارة للقلق: أظهرت الدراسات في بحيرة مونون أن المياه قد تقترب بدرجة كبيرة من التشبع بالغاز بحيث يصبح بدء عملية إزالة الغاز ممكنًا حتى من دون محفز خارجي كبير.

ما الذي حدث مساء 21 أغسطس 1986؟

خرجت كمية ضخمة من ثاني أكسيد الكربون من أعماق بحيرة نيوس.

لم يخرج الغاز على شكل عمود دخاني أسود يمكن رؤيته من بعيد.

ثاني أكسيد الكربون غاز عديم اللون.

كما أنه أثقل من الهواء.

لذلك لم يرتفع كله سريعًا إلى السماء.

بل اندفع جزء من السحابة فوق سطح الأرض وتحرك إلى المناطق المنخفضة والوديان المحيطة بالبحيرة.

تحولت التضاريس نفسها إلى ممر يقود الغاز نحو القرى.

الغاز لم يكن بحاجة إلى أن يكون سامًا بالطريقة التقليدية

نحن نعيش في جو يحتوي كمية صغيرة من ثاني أكسيد الكربون، كما ينتجه الجسم باستمرار.

لكن ارتفاع تركيزه بدرجة كبيرة يمثل خطرًا شديدًا.

عندما تمتلئ منطقة منخفضة بثاني أكسيد الكربون، فإنه يحل محل جزء كبير من الهواء الغني بالأكسجين.

كما أن استنشاق تركيزات مرتفعة جدًا من ثاني أكسيد الكربون نفسه يؤدي إلى ارتفاع حاد في مستواه داخل الدم.

يمكن أن يحدث:

دوار.

وصداع.

وفقدان سريع للوعي.

واضطراب في التنفس.

ثم الوفاة خلال فترة قصيرة عند التعرض لتركيز شديد الارتفاع.

وخلص التحقيق الأمريكي في كارثة نيوس إلى أن الضحايا فقدوا الوعي سريعًا نتيجة ارتفاع ثاني أكسيد الكربون ونقص الأكسجين، ثم توفوا اختناقًا.

لماذا مات كثير من الناس وهم نائمون؟

وقعت الكارثة ليلًا.

وكان الغاز:

غير مرئي.

ولا توجد له إشارة تحذيرية واضحة يستطيع الإنسان الاعتماد عليها.

كما تحرك نحو المناطق المنخفضة حيث توجد بعض التجمعات السكانية.

كان الشخص النائم يمكن أن يتعرض لتركيز قاتل قبل أن يفهم أصلًا أن شيئًا غير طبيعي يحدث.

ولهذا وصفت الكارثة لاحقًا بأنها واحدة من أغرب الكوارث الطبيعية في العصر الحديث.

لم تكن نيوس أول بحيرة تفعل ذلك

قبل عامين فقط، في أغسطس 1984، حدثت كارثة مشابهة في بحيرة أخرى بالكاميرون تسمى:

Lake Monoun

بحيرة مونون.

أدى إطلاق مفاجئ لثاني أكسيد الكربون هناك إلى وفاة عشرات الأشخاص.

لكن الكارثة كانت محدودة نسبيًا، ولم يكن العلماء قد فهموا الظاهرة بالكامل بعد.

ثم جاءت كارثة نيوس عام 1986 وأكدت أن هناك نوعًا حقيقيًا من الأخطار الجيولوجية يمكن أن ينشأ من تراكم الغاز داخل البحيرات.

لماذا لا يحدث هذا في كل بحيرة بركانية؟

حتى تحدث كارثة من هذا النوع، يجب اجتماع ظروف نادرة.

تحتاج البحيرة عادة إلى أن تكون:

عميقة نسبيًا.

ذات طبقات مائية مستقرة لا تختلط بسهولة.

وتتلقى إمدادًا مستمرًا من الغاز من باطن الأرض.

ويجب أن تستطيع المياه العميقة الاحتفاظ بهذا الغاز فترة طويلة.

في معظم البحيرات يحدث اختلاط موسمي للمياه.

المياه السطحية تبرد أو تسخن وتتغير كثافتها، فتتحرك الطبقات ويخرج الغاز تدريجيًا قبل أن يتراكم إلى مستوى خطير.

أما في بحيرات مثل نيوس ومونون، فاستقرار الطبقات يسمح للغاز بالبقاء محاصرًا في الأعماق.

ولهذا لا يتوقع العلماء كارثة نيوس في معظم البحيرات الباردة

سُئلت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية مثلًا عما إذا كان من الممكن أن تحدث كارثة مشابهة في بحيرة يلوستون.

وكان جواب العلماء أن الظروف مختلفة جدًا.

البحيرات الموجودة في المناخات الباردة تميل إلى الاختلاط الموسمي بصورة أكبر، مما يجعل تراكم غاز هائل في القاع أكثر صعوبة.

إضافة إلى ذلك تختلف طبيعة مصادر الغازات والمياه الحرارية هناك عن نظام بحيرة نيوس.

أي أن مجرد وجود بحيرة فوق منطقة بركانية لا يعني أنها قنبلة غازية.

كيف أنقذ العلماء بحيرة نيوس من تكرار الكارثة؟

بعد الحادث ظهرت مشكلة واضحة:

ثاني أكسيد الكربون كان ما يزال يدخل إلى البحيرة من باطن الأرض.

وبالتالي فإن ترك البحيرة وحدها يعني أن الغاز سيبدأ بالتراكم مرة أخرى.

جاء الحل بفكرة تبدو بسيطة للغاية:

أنبوب طويل.

وضع العلماء أنبوبًا يصل إلى المياه العميقة الغنية بثاني أكسيد الكربون.

في البداية تُضخ المياه إلى الأعلى.

وعندما تبدأ المياه بالارتفاع ينخفض الضغط عليها ويخرج الغاز على شكل فقاعات.

تجعل الفقاعات عمود الماء أخف، فيستمر الماء بالصعود من تلقاء نفسه.

وهكذا يتحول النظام إلى نافورة طبيعية تقريبًا لا تحتاج إلى ضخ مستمر.

إنه انفجار صغير متحكم به لمنع انفجار كبير

تخرج المياه العميقة إلى السطح عبر الأنبوب.

ينفصل ثاني أكسيد الكربون تدريجيًا.

ثم يتشتت الغاز في الغلاف الجوي بكميات يمكن السيطرة عليها بدل تخزينه حتى يصل إلى مستوى خطير.

بدأت عملية إزالة الغاز في بحيرة نيوس عام 2001.

كما بدأ تطبيق النظام في بحيرة مونون عام 2003.

ومع الوقت أضيفت أنابيب لتحسين سرعة إزالة الغاز.

لكن الغاز لم يختف نهائيًا من مصدره

هذه نقطة مهمة.

إزالة الغاز من البحيرة لا تعني إغلاق المصدر الموجود في أعماق الأرض.

ما زال ثاني أكسيد الكربون الطبيعي يستطيع الدخول إلى المياه.

ولهذا تتطلب البحيرات متابعة طويلة الأمد وإدارة مستمرة لضمان ألا تعود الكميات إلى مستويات خطرة.

أظهرت القياسات أن إزالة الغاز خفضت المخزون بصورة كبيرة من مستوياته الخطرة، وأن عملية التفريغ لم تسبب عدم استقرار خطيرًا في طبقات المياه خلال فترة المراقبة.

لكن توجد بحيرة أكبر بكثير تقلق العلماء

على الحدود بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية توجد:

Lake Kivu

بحيرة كيفو.

وهي مختلفة تمامًا في الحجم عن نيوس.

تبلغ مساحتها نحو 2400 كيلومتر مربع ويصل عمقها الأقصى إلى نحو 485 مترًا.

وتحتوي مياهها العميقة على كميات كبيرة من غازين:

ثاني أكسيد الكربون.

والميثان.

وتمنع الطبقات المستقرة للمياه اختلاط الأعماق بسهولة مع السطح.

الميثان يجعل بحيرة كيفو أكثر غرابة

جزء من غاز الميثان الموجود في البحيرة ينتج بعمليات جيولوجية، وجزء آخر يتكون نتيجة النشاط الميكروبي وتحلل المواد العضوية في المياه العميقة الخالية من الأكسجين.

تصل تراكيز الميثان في الأعماق إلى مستويات كافية لاستخراجه تجاريًا.

ولهذا لا ينظر إلى الغاز باعتباره خطرًا فقط.

بل يستخدم أيضًا مصدرًا للطاقة.

هناك مشروعات تستخرج المياه العميقة، وتفصل الميثان، وتستخدمه لإنتاج الكهرباء، ثم تعيد المياه إلى البحيرة وفق أنظمة مصممة للحفاظ على استقرار الطبقات.

ماذا لو أطلقت بحيرة كيفو غازاتها دفعة واحدة؟

هذا هو السيناريو الذي أثار قلق العلماء لعقود.

كيفو أضخم بكثير من بحيرتي نيوس ومونون، وتحيط بها منطقة كثيفة السكان.

كما تقع بالقرب من براكين نشطة مثل:

Nyiragongo

و

Nyamuragira

وفي ثوران نيراغونغو عام 2021 تحركت صهارة تحت الأرض جنوبًا ووصل امتداد التصدع إلى أسفل مناطق حضرية وإلى أسفل جزء من بحيرة كيفو، وهو ما أعاد الاهتمام باحتمال تأثير النشاط البركاني في استقرار البحيرة.

لكن وجود الخطر النظري لا يعني أن انفجارًا وشيكًا متوقع.

دراسة حديثة جدًا أعطت صورة أقل رعبًا

في دراسة منشورة ضمن عدد 2026 من مجلة:

Environmental Science: Processes & Impacts

استخدم الباحثون نموذجًا لمحاكاة تطور بحيرة كيفو على مدى 500 سنة.

وخلص النموذج إلى أن خطر الانفجار الناتج تلقائيًا عن وصول ثاني أكسيد الكربون إلى حالة التشبع أو عن فقدان استقرار طبقات المياه بقي منخفضًا جدًا في المحاكاة.

كما توقعت الدراسة بقاء تركيز ثاني أكسيد الكربون قريبًا من حالته الحالية، رغم إمكانية استمرار تراكم الميثان ببطء.

وهذه النتيجة تتفق جزئيًا مع قياسات سابقة وجدت أن تراكيز الميثان وثاني أكسيد الكربون كانت أقرب إلى حالة مستقرة مما كان يعتقد في بعض الدراسات الأقدم.

لكن هذا لا يعني أن العلماء أعلنوا بحيرة كيفو آمنة إلى الأبد

النموذج يبحث في سيناريوهات محددة ويعتمد على افتراض استمرار خصائص معينة للبحيرة.

أما حدوث اضطراب خارجي شديد، مثل نشاط بركاني استثنائي داخل البحيرة أو تغيرات تكتونية كبيرة، فهو مسألة مختلفة.

لهذا تظل مراقبة:

تركيز الغازات.

ودرجة حرارة المياه.

والملوحة.

واستقرار الطبقات.

والنشاط البركاني المحيط.

ضرورية.

هل يمكن حدوث انفجار بحيري في المستقبل في مكان لم نكتشفه بعد؟

نظريًا نعم.

لكن البحيرات القادرة على تخزين كميات خطرة من الغاز نادرة للغاية.

أكدت الدراسات أن بحيرات نيوس ومونون وكيفو هي أشهر الأمثلة العالمية.

كما توجد بحيرات بركانية أخرى تحتوي مستويات مرتفعة من ثاني أكسيد الكربون، لكن لا تمتلك بالضرورة الحجم أو ظروف التخزين التي تجعل خطرها مماثلًا.

وهذا جعل العلماء بعد كارثة نيوس يبدأون في التعامل مع البحيرات البركانية العميقة بطريقة مختلفة.

فالخطر قد لا يكون بركانًا ينفجر من تحت البحيرة.

قد تكون البحيرة نفسها هي الخزان.

الأمر الأكثر غرابة أن الكارثة قد تحدث بلا نار تقريبًا

معظم الناس يربطون الأخطار الجيولوجية بصور واضحة:

بركان أحمر.

سحابة رماد.

أرض تهتز.

أو موجة تسونامي ضخمة.

أما الثوران البحيري فقد يكون عكس ذلك تقريبًا.

لا تحتاج إلى حمم.

ولا تحتاج إلى انفجار بركاني تقليدي.

وقد لا يصاحبها تحذير يستطيع السكان رؤيته أو سماعه.

قد تبدو البحيرة هادئة تمامًا بينما تحمل مياهها العميقة كمية ضخمة من الغاز المذاب.

إنها إحدى الحالات النادرة التي تجعل الهدوء على سطح الأرض لا يعني بالضرورة أن النظام الموجود في الأعماق هادئ أيضًا.

المصادر

هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية
Exploding Lakes in Cameroon

هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية
Investigation of the Lake Nyos Gas Disaster

Nature
Dynamics of CO2-Driven Lake Eruptions

U.S. Geological Survey
Evolution of CO2 in Lakes Monoun and Nyos Before and During Controlled Degassing

U.S. Geological Survey
Degassing Lakes Nyos and Monoun

PLOS ONE
No Increasing Risk of a Limnic Eruption at Lake Kivu

Environmental Science: Processes & Impacts – 2026
On the Risk of a Dissolved Gas-Triggered Limnic Eruption in Lake Kivu

Eawag
Lake Kivu Research and Gas Monitoring




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق