لماذا تومض النجوم في السماء بينما تبدو الكواكب أكثر ثباتًا؟
عندما تنظر إلى السماء في ليلة صافية، قد تلاحظ أن النجوم لا تبدو ثابتة تمامًا.
يزداد ضوؤها ويضعف بسرعة.
وقد يتغير لون بعضها للحظات من الأبيض إلى الأزرق أو الأحمر.
في المقابل، إذا كنت تنظر إلى كوكب ساطع مثل الزهرة أو المشتري، فقد يبدو ضوؤه أكثر ثباتًا وأقل وميضًا.
قد يبدو للوهلة الأولى أن النجوم نفسها تشتعل وتهدأ باستمرار.
لكن معظم هذا الوميض لا يحدث عند النجمة.
إنه يحدث في آخر جزء من رحلة ضوئها الطويلة، عندما يدخل الضوء الغلاف الجوي للأرض.
النجمة نفسها لا تومض بهذه الطريقة
النجوم تنتج الضوء باستمرار.
والضوء الذي يغادر النجم يمكن أن يسافر سنوات أو مئات أو آلاف السنين عبر الفضاء قبل أن يصل إلينا.
خلال معظم هذه الرحلة يتحرك الضوء في الفضاء دون المرور خلال الغلاف الجوي للأرض.
ثم، في اللحظات الأخيرة قبل وصوله إلى أعيننا، يدخل طبقات الهواء المحيطة بالكوكب.
وهنا تبدأ المشكلة.
الغلاف الجوي ليس طبقة زجاجية ثابتة
قد يبدو الهواء شفافًا وهادئًا، لكنه في الحقيقة يتحرك باستمرار.
توجد مناطق أكثر دفئًا وأخرى أبرد.
وتختلف كثافة الهواء قليلًا من منطقة إلى أخرى.
كما تتحرك الرياح والتيارات الهوائية في طبقات مختلفة.
وهذا يعني أن الضوء القادم من النجمة لا يمر خلال وسط ثابت تمامًا.
يمر خلال طبقات هواء تتغير باستمرار.
الهواء يستطيع أن يغيّر اتجاه الضوء قليلًا
عندما ينتقل الضوء بين مناطق تختلف في كثافتها، يمكن أن ينحرف مساره بدرجة صغيرة.
تسمى هذه الظاهرة انكسار الضوء.
وهي الظاهرة نفسها التي تجعل القلم الموضوع داخل كوب ماء يبدو وكأنه انكسر عند سطح الماء.
الفرق أن التغيرات الموجودة في الغلاف الجوي أصغر بكثير وأكثر تعقيدًا.
يمر ضوء النجمة خلال عدد كبير من المناطق الهوائية المتحركة.
تنحرف الأشعة قليلًا في اتجاه.
ثم يتغير الهواء فتنحرف بطريقة مختلفة.
وتحدث هذه التغيرات بسرعة كبيرة.
وهكذا يبدو النجم وكأنه يتحرك ويغير سطوعه
النجمة بعيدة جدًا لدرجة أنها تبدو لأعيننا كنقطة ضوء صغيرة للغاية.
عندما يحرف الغلاف الجوي هذه النقطة قليلًا، يتغير مقدار الضوء الذي يصل إلى العين في كل لحظة.
فتبدو النجمة أكثر سطوعًا للحظة.
ثم أقل سطوعًا.
وقد يبدو موقعها نفسه وكأنه يهتز مقدارًا صغيرًا جدًا.
عين الإنسان تجمع هذه التغيرات السريعة وتفسرها على أنها وميض.
وهذا ما نسميه عادة تلألؤ النجوم.
لماذا تبدو بعض النجوم وكأنها تغير لونها أيضًا؟
الغلاف الجوي لا يؤثر في جميع ألوان الضوء بالطريقة نفسها تمامًا.
فالضوء الذي نراه من النجوم مكوّن من أطوال موجية مختلفة تمثل الألوان المختلفة.
عندما يمر الضوء خلال طبقات الهواء المضطربة، يمكن أن تنحرف بعض الألوان بدرجات مختلفة قليلًا.
ولهذا قد ترى نجمة ساطعة قرب الأفق تبدو حمراء في لحظة ثم زرقاء أو بيضاء في اللحظة التالية.
لا يعني ذلك أن حرارة النجمة تتغير كل ثانية.
التغير الذي تراه يحدث أساسًا في الغلاف الجوي بينك وبين النجمة.
لكن الكواكب تمر عبر الغلاف الجوي نفسه، فلماذا لا تومض بالطريقة نفسها؟
هنا توجد المفاجأة.
بالنسبة إلى العين المجردة تبدو النجمة والكوكب كنقطتين صغيرتين.
لكن من الناحية الفلكية هناك فرق مهم جدًا.
النجوم بعيدة للغاية، ولذلك تبدو لنا كنقاط ضوء شبه مثالية.
أما كواكب مجموعتنا الشمسية فهي أقرب إلينا بدرجة هائلة.
ورغم أنها قد تبدو نقطة للعين، فإنها في الواقع تظهر في السماء كقرص صغير له مساحة زاوية قابلة للقياس.
أي أن الضوء الذي يصلنا من الكوكب لا يأتي فعليًا من نقطة واحدة فقط.
إنه يأتي من أجزاء كثيرة من قرص صغير.
الغلاف الجوي يشوه أجزاء الكوكب بطرق مختلفة
افترض أن اضطرابًا في الهواء جعل الضوء القادم من جزء صغير من المشتري أكثر سطوعًا للحظة.
في الوقت نفسه قد يجعل الضوء القادم من جزء آخر أقل سطوعًا.
عندما تجمع عينك الضوء القادم من كامل قرص الكوكب، تميل هذه التغيرات إلى إلغاء بعضها بعضًا.
فتكون النتيجة ضوءًا أكثر ثباتًا.
أما النجمة فتبدو كنقطة صغيرة جدًا، ولذلك لا توجد مساحة كبيرة يمكن أن تتوزع عليها تأثيرات الغلاف الجوي.
فيظهر التغير بوضوح أكبر.
لهذا يستطيع الوميض مساعدتك على التفريق بين نجم وكوكب
إذا رأيت جسمًا شديد السطوع في السماء ولا تعرف ما إذا كان نجمًا أو كوكبًا، يمكن أن يعطيك الوميض إشارة مفيدة.
إذا كان الجسم يومض بسرعة واضحة، فقد يكون نجمًا.
أما إذا كان شديد السطوع ويبدو ثابتًا نسبيًا، فقد يكون كوكبًا مثل الزهرة أو المشتري.
لكنها ليست قاعدة مثالية.
فالكواكب تستطيع أن تومض قليلًا أيضًا، خصوصًا عندما تكون منخفضة جدًا قرب الأفق ويكون اضطراب الهواء قويًا.
لماذا تومض النجوم أكثر قرب الأفق؟
هذه من أسهل الظواهر التي يمكنك اختبارها بنفسك.
اختر نجمة موجودة مرتفعة في السماء.
ثم قارنها بنجمة أخرى قريبة من الأفق.
غالبًا ستجد أن النجمة القريبة من الأفق تومض بدرجة أكبر.
والسبب هو كمية الغلاف الجوي التي يجب أن يمر الضوء خلالها.
عندما تكون النجمة فوق رأسك تقريبًا، يعبر ضوؤها مسارًا أقصر نسبيًا خلال الغلاف الجوي.
أما عندما تكون قرب الأفق، فإن الضوء يدخل الغلاف الجوي بزاوية مائلة ويسافر خلال مسافة أطول بكثير داخله.
وهذا يعني المرور خلال عدد أكبر من مناطق الهواء المختلفة.
فتزداد فرص انحراف الضوء وتشوهه.
ولهذا قد يبدو نجم قرب الأفق وكأنه مصباح ملون
النجم الشهير الشعرى اليمانية مثال رائع.
وهو من ألمع النجوم التي نراها في سماء الليل.
عندما يكون منخفضًا في السماء، يمكن أن يبدو وكأنه يرسل ومضات حمراء وزرقاء وخضراء وبيضاء بسرعة.
وقد يظنه بعض الناس طائرة أو جسمًا غريبًا بسبب هذه الألوان.
لكن في كثير من الحالات لا يحدث أي شيء غريب في النجم نفسه.
إنه مجرد ضوء نجم ساطع يعبر كمية كبيرة من الغلاف الجوي المتقلب.
هل النجوم تومض إذا نظرنا إليها من الفضاء؟
هنا نستطيع إجراء اختبار مباشر للفكرة.
رواد الفضاء الموجودون فوق معظم الغلاف الجوي لا يرون النجوم تومض بالطريقة نفسها التي نراها من سطح الأرض.
فالسبب الأساسي للوميض قد اختفى.
الضوء يصل إليهم دون أن يمر خلال الطبقات الهوائية المضطربة الموجودة تحتهم.
ولهذا تبدو النجوم أكثر ثباتًا.
وهذه إحدى المزايا المهمة لوضع التلسكوبات في الفضاء.
الغلاف الجوي الذي يجعل السماء جميلة يزعج علماء الفلك
التلألؤ جميل للعين البشرية، لكنه يمثل مشكلة كبيرة للتلسكوبات.
إذا كان الضوء القادم من النجمة يتغير مساره باستمرار، فإن صورة النجمة لا تبقى نقطة حادة.
بل تتحرك وتتسع وتصبح أقل وضوحًا.
يسمي علماء الفلك تأثير اضطراب الغلاف الجوي في جودة الصور بالرؤية الفلكية.
Astronomical Seeing
ولهذا تُبنى كثير من المراصد الكبيرة فوق الجبال العالية.
فالوجود على ارتفاع مرتفع يعني أن التلسكوب يقع فوق جزء أكبر من الغلاف الجوي، وغالبًا في مناطق اختيرت أيضًا لأنها تتمتع بهواء أكثر استقرارًا.
وهذا أحد أسباب إرسال تلسكوبات إلى الفضاء
التلسكوب الفضائي لا يحتاج إلى النظر عبر الغلاف الجوي الأرضي بالطريقة نفسها التي يفعل بها التلسكوب الموجود على الأرض.
لذلك يمكن الحصول على صور أكثر ثباتًا ودقة في كثير من الظروف.
ولهذا كانت إزالة تأثير الغلاف الجوي إحدى المزايا الكبيرة لتلسكوبات مثل هابل.
لكن إرسال تلسكوب ضخم إلى الفضاء مكلف ومعقد جدًا.
فكان على علماء الفلك أيضًا تطوير حلول للتلسكوبات الأرضية.
التلسكوبات الحديثة تستطيع تصحيح تشوه الهواء
من التقنيات المدهشة المستخدمة اليوم البصريات التكيفية.
Adaptive Optics
يقيس التلسكوب بصورة سريعة كيف يشوه الغلاف الجوي الضوء القادم من نجم.
ثم تُغيَّر هيئة مرآة خاصة داخل النظام البصري مرات كثيرة في الثانية لتعويض هذا التشوه.
بمعنى آخر، يتغير الغلاف الجوي.
فيكتشف التلسكوب التغير.
ثم يغيّر المرآة بالطريقة المعاكسة تقريبًا.
كل ذلك يحدث بسرعة شديدة.
وتستخدم بعض المراصد أشعة ليزر لإنشاء نقاط مرجعية في السماء تساعد النظام على قياس اضطراب الغلاف الجوي.
هل الشمس تومض؟
عادةً لا نرى الشمس تومض مثل النجوم.
والسبب مشابه لسبب عدم وميض الكواكب بشدة.
فالشمس قريبة جدًا مقارنة بالنجوم الأخرى وتظهر كقرص كبير في السماء.
يأتي الضوء من عدد هائل من النقاط عبر سطح هذا القرص.
لذلك تميل التغيرات الصغيرة الناتجة عن اضطراب الهواء إلى المتوسط عندما ننظر إلى الشمس كاملة.
لكن اضطراب الغلاف الجوي يستطيع بالتأكيد تشويه صورة الشمس عند مشاهدتها بالتلسكوبات.
وماذا عن القمر؟
القمر أكبر ظاهريًا من الكواكب بكثير.
لذلك لا نتوقع أن يومض كامل قرص القمر مثل النجمة.
لكن إذا نظرت بالتلسكوب إلى حافة القمر عندما يكون الجو مضطربًا، فقد تراها تهتز أو تتموج قليلًا.
السبب هو الهواء نفسه.
تأثير الغلاف الجوي موجود، لكن عندما يكون الجسم كبيرًا لا يظهر على شكل وميض كامل كما يحدث مع نقطة ضوء نجمية.
يمكنك رؤية تأثير الهواء حتى في النهار
قد تكون شاهدت الطريق في يوم شديد الحرارة ووجدت الأشياء البعيدة تبدو وكأنها تهتز.
أو شاهدت الهواء فوق نار أو مدفأة ورأيت الخلفية خلفه متموجة.
هذه الظاهرة قريبة من المبدأ نفسه.
الهواء الساخن والبارد لهما كثافات مختلفة.
وعندما تختلط طبقات الهواء تتحرك الأشعة الضوئية خلالها بطرق مختلفة قليلًا.
ما تراه فوق الطريق الساخن يحدث على مسافة قصيرة أمامك.
أما تلألؤ النجوم فيحدث لأن الضوء قطع الطبقات المضطربة الموجودة في الغلاف الجوي كله تقريبًا.
هل يعني شدة الوميض أن الطقس سيتغير؟
ليس بصورة بسيطة.
قوة تلألؤ النجوم تعتمد على مقدار الاضطراب الموجود في الهواء وعلى موقع النجمة في السماء وعلى عدة عوامل في الغلاف الجوي.
قد يلاحظ مراقبو السماء أن النجوم تومض بصورة أقوى في بعض الليالي.
وهذا يمكن أن يدل على أن الهواء غير مستقر للرصد الفلكي.
لكن مشاهدة النجوم تومض ليست طريقة دقيقة للتنبؤ بالمطر أو تغير الطقس بمفردها.
لماذا تبدو صور النجوم في الرسومات ذات رؤوس بينما النجم الحقيقي نقطة؟
الشكل الشهير للنجمة الذي نرسمه بخمس أو ست زوايا لا يمثل الشكل الحقيقي للنجم.
النجم في الفضاء جسم كروي تقريبًا.
وفي السماء يظهر للعين كنقطة ضوء.
أما الأشعة التي نراها أحيانًا حول النجوم في الصور فقد تنتج من النظام البصري للكاميرا أو التلسكوب أو من طريقة انتشار الضوء داخل العين نفسها.
لذلك لا توجد نجمة حقيقية تسافر عبر الفضاء على شكل الرمز الذي نرسمه على الورق.
هل يمكن أن يتوقف الوميض في ليلة معينة؟
قد يصبح ضعيفًا جدًا إذا كان الغلاف الجوي مستقرًا.
ليلة ذات هواء هادئ ومستقر تعد ممتازة للرصد الفلكي.
أما عندما توجد تيارات هوائية قوية واختلافات كبيرة في درجات الحرارة بين الطبقات، يمكن أن يصبح الوميض أكثر وضوحًا.
ولهذا يهتم علماء الفلك بحالة الغلاف الجوي وليس فقط بوجود السحب.
قد تكون السماء خالية تمامًا من الغيوم، لكنها ما تزال سيئة للتصوير الدقيق لأن الهواء مضطرب.
النجم الذي تراه يومض قد يكون ضوؤه سافر سنوات دون مشكلة
وهنا الجزء الجميل في القصة.
قد يكون فوتون الضوء الذي وصل إلى عينك قد غادر نجمًا قبل عشرات أو مئات السنين.
عبر فراغ الفضاء مسافة هائلة.
ولم يكن يبدو أنه يومض خلال الرحلة.
ثم وصل إلى الغلاف الجوي للأرض.
وفي آخر عشرات الكيلومترات فقط من رحلة قد يبلغ طولها سنوات ضوئية، بدأ الهواء المتحرك بثني مساره قليلًا مرة بعد أخرى.
فوصل الضوء إلى عينك متغيرًا بسرعة.
ونظرت إلى السماء وقلت:
النجمة تومض.
لكن النجمة نفسها كانت بعيدة ومستقرة.
الذي كان يرقص في الحقيقة هو ضوؤها داخل هواء كوكبنا.
المصادر
NASA، شرح لسبب تلألؤ النجوم، ويوضح أن اضطراب طبقات الهواء واختلاف كثافتها يؤديان إلى انحراف ضوء النجوم باستمرار قبل وصوله إلى العين. (StarChild)
NASA Imagine the Universe، يشرح أيضًا لماذا تبدو الكواكب أكثر ثباتًا، لأن لها حجمًا ظاهريًا أكبر من النجوم فتتوسط تأثيرات اضطراب الغلاف الجوي عبر أجزاء صورتها المختلفة. (Imagine the Universe)
Why do stars appear to twinkle while planets don't? – NASA
Royal Museums Greenwich، مرجع فلكي يوضح أن الكواكب عمومًا لا تومض مثل النجوم لأن قطرها الظاهري يسمح بتخفيف تأثير الاضطرابات الجوية، كما يشرح كيفية استخدام الوميض كإشارة أولية للتمييز بين النجم والكوكب. (Royal Museums Greenwich)
What was the bright object I saw in the sky last night? – Royal Museums Greenwich
وكالة الفضاء الأوروبية، تسجيل من محطة الفضاء الدولية يوضح أن النجوم لا تظهر بالتلألؤ المعتاد عند مشاهدتها من فوق الغلاف الجوي للأرض. (European Space Agency)
Starstruck – European Space Agency
NASA Astronomy Picture of the Day، شرح لتأثير اضطراب الغلاف الجوي في ضوء النجوم ولماذا يمثل هذا الاضطراب مشكلة للرصد بالتلسكوبات الأرضية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق