Pages

الأحد، 6 سبتمبر 2026

عندما ترنّ الأرض كجرس عملاق: كيف يجعل زلزال واحد الكوكب كله يهتز لأيام؟

 

عندما ترنّ الأرض كجرس عملاق: كيف يجعل زلزال واحد الكوكب كله يهتز لأيام؟

عندما يقع زلزال كبير، نشعر بالاهتزاز عدة ثوانٍ أو دقائق، ثم يبدو أن كل شيء انتهى.

لكن بالنسبة إلى كوكب الأرض، قد لا يكون الأمر قد انتهى أصلًا.

فالزلازل العملاقة تستطيع أن تجعل الأرض بأكملها تدخل في حالة اهتزاز بطيء، فتتمدد وتنكمش وتتغير هيئة سطحها بمقادير صغيرة للغاية، وتستمر هذه الاهتزازات ساعات أو أيامًا، ويمكن لبعض آثارها أن تبقى قابلة للرصد مدة أطول بكثير.

الأرض، بهذا المعنى، تستطيع أن ترن مثل جرس عملاق ضُرب بمطرقة هائلة.

ويسمي العلماء هذه الظاهرة:

Free Oscillations

الاهتزازات الحرة للأرض

أو:

Normal Modes

أنماط الاهتزاز الطبيعية.

لكن الأرض ليست جرسًا أجوف... فكيف ترن؟

تشبيه الأرض بالجرس لا يعني أن داخلها فارغ.

الأرض مكونة من طبقات صخرية ومعدنية ضخمة، لكنها تتمتع بقدر من المرونة.

الصخور تبدو لنا صلبة تمامًا، لكنها تستطيع أن تنضغط وتتمدد بدرجات صغيرة جدًا عندما تمر خلالها قوة كبيرة.

إذا وقع زلزال هائل فإنه يرسل طاقة عبر الكوكب.

وجزء من هذه الطاقة لا ينتقل فقط في صورة موجة تمر ثم تختفي.

بل يجعل الأرض تدخل في أنماط اهتزاز خاصة بها.

الفكرة تشبه وتر آلة موسيقية.

إذا ضربت الوتر فإنه لا يتحرك مرة واحدة فقط.

بل يبدأ في الاهتزاز بترددات معينة تحددها:

كتلته.

وطوله.

وشدّه.

وخواص مادته.

الأرض تفعل شيئًا مشابهًا، ولكن على نطاق كوكب كامل.

لكل كوكب تقريبًا "نغماته" الطبيعية

حجم الأرض.

وكثافتها.

وتركيب طبقاتها.

وصلابة الوشاح.

وطبيعة اللب.

كلها تحدد الترددات التي يستطيع الكوكب الاهتزاز عندها.

وعندما يضرب زلزال ضخم الأرض بطاقة كافية، فإنه يثير عددًا من هذه الترددات في الوقت نفسه.

ولهذا يستطيع العلماء النظر إلى سجل الزلزال بعد مرور الموجات العنيفة الأولى والعثور على مجموعة من الترددات المحددة.

وكأن الكوكب يعزف سلسلة من النغمات المنخفضة جدًا.

أبطأ هذه النغمات قد تحتاج قرابة ساعة لإكمال اهتزازة واحدة

أحد أشهر أنماط الاهتزاز يعرف باسم:

0S2

وفيه يتغير شكل الأرض بطريقة تشبه تحويل الكرة قليلًا إلى شكل ممدود، ثم عودتها، ثم تمددها في اتجاه آخر.

يسمى أحيانًا بصورة مبسطة:

نمط كرة القدم

لأن الشكل اللحظي يشبه كرة ممدودة قليلًا.

تستغرق الدورة الواحدة لهذا الاهتزاز نحو:

54 دقيقة تقريبًا.

أي أن الأرض يمكن أن تتشوه ثم تعود خلال دورة تكاد تستغرق ساعة كاملة.

وهناك نمط يجعل الأرض كلها "تتنفس"

يوجد نمط آخر مدهش يسمى:

0S0

وفيه لا تصبح الأرض ممدودة من جهة ومضغوطة من أخرى.

بل يحدث شيء أكثر غرابة.

يتمدد الكوكب كله قليلًا نحو الخارج.

ثم ينكمش قليلًا نحو الداخل.

ثم يتمدد مرة أخرى.

لهذا يسمى:

Breathing Mode

نمط التنفس

وتستغرق دورته نحو:

20.5 دقيقة.

بالطبع لا يتغير حجم الأرض بمقادير يستطيع الإنسان رؤيتها.

التغير بالغ الصغر.

لكن الأجهزة شديدة الحساسية تستطيع تسجيله.

تخيل الأرض كلها تتمدد وتنكمش مرة كل عشرين دقيقة

المثير هنا أن الحركة ليست مقتصرة على منطقة الزلزال.

إنها نمط اهتزاز يشمل الكوكب كله.

إذا كان الزلزال قويًا بما يكفي، تصبح الأرض نفسها الجسم المهتز.

وهذا يختلف كثيرًا عن الصورة التي نعرفها للزلزال باعتباره مجرد اهتزاز محلي للأرض قرب الصدع.

وهناك طريقة أخرى تهتز بها الأرض: الالتواء

لا تتحرك جميع أنماط الاهتزاز نحو الداخل والخارج.

هناك مجموعة أخرى تسمى:

Toroidal Modes

وفيها تلتوي أجزاء من الأرض جانبيًا بالنسبة إلى أجزاء أخرى.

يمكن تخيل ذلك وكأن نصف الكرة يتحرك قليلًا في اتجاه، بينما يتحرك جزء آخر في اتجاه مختلف.

لا يتغير حجم الكوكب كثيرًا في هذه الحالة، بل يحدث نوع من القص والالتواء.

إذن الأرض تمتلك مجموعة كاملة من طرق الاهتزاز:

تمدد.

انكماش.

استطالة.

تسطح.

والتواء.

لكن لماذا لا نشعر بأن الأرض ترن؟

لسببين رئيسيين.

أولًا، الاهتزازات بطيئة جدًا.

الأذن البشرية تسمع الأصوات تقريبًا من 20 اهتزازة في الثانية وما فوق.

أما بعض أنماط الأرض فتكمل اهتزازة واحدة فقط خلال عشرات الدقائق.

أي أن ترددها أقل من قدرة الأذن البشرية على السماع بآلاف المرات.

وثانيًا، مقدار حركة الأرض بعد المرحلة العنيفة من الزلزال يصبح صغيرًا للغاية.

الأجهزة تستطيع قياسه.

أما جسم الإنسان فلا يستطيع عادة إدراك هذه الحركة البطيئة والدقيقة.

لذلك قد تكون الأرض "ترن" تحت أقدامنا بينما لا نشعر بشيء.

ولو سرّعنا الاهتزازات فقد نستطيع سماعها

قام علماء الزلازل بتحويل بعض اهتزازات الأرض البطيئة إلى نطاق يمكن للبشر سماعه عن طريق تسريع التسجيلات آلاف المرات.

عندها تتحول الترددات المنخفضة جدًا إلى أصوات مسموعة.

لكن الصوت الذي نسمعه في هذه التسجيلات ليس صوتًا كان ينتقل فعليًا في الهواء حولنا.

إنه تمثيل مسموع لحركة الأرض البطيئة بعد تسريعها.

الزلزال الذي أثبت أن الأرض تستطيع أن ترن

في 22 مايو 1960 وقع قرب تشيلي أقوى زلزال سُجل بالأجهزة الحديثة.

بلغت قوته نحو:

9.5 درجات.

كان زلزال فالديفيا العظيم.

أطلق الحدث كمية هائلة من الطاقة.

وسجلت أجهزة موزعة في مناطق مختلفة اهتزازات طويلة الفترة استمرت بعد الزلزال.

وعندما حلل العلماء التسجيلات، تمكنوا للمرة الأولى بصورة واضحة من تأكيد شيء كان الفيزيائيون قد توقعوه نظريًا:

الأرض تمتلك بالفعل مجموعة محددة من أنماط الاهتزاز الطبيعية.

كان ذلك حدثًا مهمًا جدًا في تاريخ علوم الأرض.

لم يعد اهتزاز الكوكب مجرد معادلات رياضية.

لقد أصبح شيئًا يمكن قياسه.

ظل أحد الاهتزازات قابلًا للرصد بعد شهر من زلزال تشيلي

في دراسة كلاسيكية نُشرت عام 1961، وجد العلماء أن نمط "التنفس" البالغ نحو 20.46 دقيقة كان ضعيف التخامد بدرجة كبيرة.

وكان من الممكن رصده حتى خلال فترات هادئة بعد نحو شهر من الزلزال.

ليس معنى ذلك أن الأرض كانت تهتز بعد شهر بالقوة نفسها التي كانت عليها يوم الزلزال.

بل كانت الطاقة تتناقص تدريجيًا، لكن بعض الأنماط تفقد طاقتها ببطء شديد.

مثل جرس جيد الصنع يستمر صوته في التلاشي بعد ضربه.

ثم جاء زلزال سومطرة عام 2004

في 26 ديسمبر 2004 وقع زلزال سومطرة–أندامان الهائل تحت المحيط الهندي.

بلغت قوته نحو:

9.1 درجات.

وأدى إلى التسونامي الكارثي الشهير.

كان الصدع الذي تمزق هائل الطول، واستمرت عملية الانكسار عدة دقائق.

لكن الزلزال فعل شيئًا آخر أقل شهرة.

لقد جعل الكوكب كله يهتز في أنماطه الطبيعية بقوة واضحة جدًا.

استطاعت الأجهزة متابعة بعض آثار الرنين لأشهر

كانت إثارة الأنماط الطبيعية بعد زلزال سومطرة قوية جدًا.

وتشير مواد علمية لشبكة الرصد الزلزالي العالمية إلى أن اهتزازات الحدث أمكن تتبعها بالأجهزة مدة تجاوزت خمسة أشهر في بعض التسجيلات والتحليلات طويلة الفترة.

مرة أخرى، هذا لا يعني أن الناس كانوا يشعرون بزلزال مستمر خمسة أشهر.

فالاهتزاز أصبح بالغ الضعف.

لكنه بقي موجودًا بدرجة تستطيع أجهزة شديدة الحساسية استخراجه من الضوضاء المحيطة.

كيف تستمر الاهتزازات كل هذه المدة؟

كل اهتزاز يفقد طاقته تدريجيًا.

جزء من الطاقة يتحول إلى حرارة داخل الصخور.

وجزء يتبدد نتيجة الخواص غير المرنة لمواد الأرض.

لكن بعض الأنماط تفقد طاقتها أسرع من غيرها.

ولهذا يدرس العلماء ما يسمى:

Quality Factor

وهو مقياس يصف مدى سرعة تلاشي اهتزاز معين.

النمط الذي يفقد طاقته ببطء يمكن أن يستمر وقتًا أطول بكثير من نمط آخر.

وهذه المعلومة نفسها تكشف شيئًا عن خصائص المواد داخل الأرض.

الرنين أصبح جهاز أشعة للكوكب

هنا تصبح القصة أكثر إثارة.

العلماء لا يدرسون رنين الأرض لمجرد أنه ظاهرة غريبة.

فالتردد الذي تهتز عنده الأرض يعتمد على:

كثافة طبقاتها.

وصلابة صخورها.

وسرعة الموجات داخلها.

وحجم اللب.

وخواص الوشاح.

ولهذا فإن قياس ترددات الاهتزاز بدقة يسمح للعلماء باختبار نماذج باطن الأرض.

إنها طريقة تشبه إلى حد ما دراسة جرس من صوته.

يمكن لصانع خبير أن يسمع نغمة الجرس ويستنتج شيئًا عن حجمه وسماكته ومادته.

وعلماء الأرض يفعلون شيئًا أكثر تعقيدًا بكثير مع الكوكب كله.

حتى اللب الموجود على بعد آلاف الكيلومترات يترك بصمته في النغمات

بعض أنماط الاهتزاز تخترق أو تتأثر بمناطق عميقة جدًا من الأرض.

لذلك يمكن استخدامها لدراسة:

الوشاح السفلي.

والحد بين اللب والوشاح.

واللب الداخلي.

واختلاف سرعة الموجات بحسب الاتجاه داخل بعض الطبقات.

وتشير هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إلى أن الرصد الحديث لهذه الأنماط يساعد على تحسين تقديرات الكثافة وسرعات الموجات وحتى الخواص الاتجاهية في أعماق الأرض.

نحن نعرف بعض أسرار اللب لأن الأرض رنّت

لم يستطع الإنسان الوصول حتى إلى الوشاح مباشرة، ناهيك عن اللب.

لكن ترددات الاهتزاز الطبيعية شديدة الحساسية لبنية الكوكب الداخلية.

وقد ساهم تحليلها تاريخيًا في تأكيد وتحسين معرفتنا بالبنية الطبقية للأرض، بما في ذلك خواص اللب الداخلي الصلب.

أي أن زلزالًا على سطح الأرض يستطيع بطريقة غير مباشرة أن يخبرنا بما يوجد على بعد آلاف الكيلومترات تحت أقدامنا.

لكن لماذا تظهر النغمة الواحدة أحيانًا كعدة نغمات قريبة؟

لو كانت الأرض:

كرة مثالية.

ولا تدور.

ومكونة من طبقات متجانسة تمامًا.

فستكون بعض تردداتها أكثر بساطة.

لكن الأرض ليست كذلك.

إنها تدور.

ومفلطحة قليلًا عند القطبين.

وباطنها غير متجانس بالكامل.

وتحتوي قارات ومحيطات ومناطق ساخنة وباردة في الوشاح.

لهذا يمكن أن ينقسم نمط اهتزاز واحد إلى مجموعة ترددات متقاربة.

يسمى ذلك:

Mode Splitting

انقسام أنماط الاهتزاز.

وقد لوحظ بالفعل بعد زلزال تشيلي، وربط العلماء جزءًا من هذا الانقسام بدوران الأرض.

إنها تشبه البصمة الطيفية للعناصر

في الفيزياء يستطيع العلماء معرفة العناصر الموجودة في نجم بعيد من خلال الخطوط الموجودة في طيف ضوئه.

لكل عنصر مجموعة مميزة من الخطوط.

وبطريقة مشابهة يمتلك كوكب الأرض مجموعة من الترددات الطبيعية.

ولهذا يطلق أحيانًا على دراسة هذه الأنماط مفهومًا قريبًا من:

مطيافية الأرض

فبدل تحليل الضوء، يحلل العلماء ترددات اهتزاز الكوكب.

ومن اختلاف هذه الترددات عن النماذج النظرية يستنتجون تفاصيل عن الداخل.

هل الموجات تدور حول الأرض أيضًا؟

نعم، لكن ذلك شيء مختلف قليلًا.

بعد زلزال كبير تنتشر موجات سطحية حول الكوكب.

يمكنها أن تسافر حول الأرض أكثر من مرة.

فتصل إلى محطة رصد.

ثم تكمل دورانها حول الكوكب.

ثم تصل مرة أخرى.

وقد سجلت هذه الظاهرة بوضوح في الزلازل الكبرى.

أما الاهتزازات الحرة فهي الصورة التي تظهر عندما نتعامل مع الأرض كلها باعتبارها جسمًا رنانًا له أنماط ثابتة.

الظاهرتان مرتبطتان بالفيزياء نفسها، لكن وصفهما مختلف.

هل يستطيع كل زلزال جعل الأرض ترن؟

كل زلزال يثير الاهتزازات بدرجة ما من الناحية الفيزيائية.

لكن معظم الزلازل أصغر من أن تنتج أنماطًا عالمية يمكن فصلها بوضوح عن الضوضاء.

كلما كان الزلزال:

أقوى.

وأطول تمزقًا.

وأكبر مساحةً للصدع.

أصبح رصد الاهتزازات العالمية أسهل.

وكان العلماء في الماضي يحتاجون عادة إلى الزلازل العملاقة لرؤية الأنماط جيدًا.

لكن أجهزة الرصد الحديثة أصبحت أكثر حساسية.

واليوم يمكن للأجهزة التقاطها بعد زلازل بقوة 8 تقريبًا

تضم الشبكة الزلزالية العالمية نحو 150 محطة عريضة النطاق شديدة الحساسية.

وأظهرت دراسة لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن تحسين الأجهزة جعل عدد المحطات القادرة على تمييز الأنماط الطبيعية بعد زلازل بقوة تقارب 8 درجات يكاد يتضاعف مقارنة بقدرات سابقة.

وهذا يعني أن العلماء لم يعودوا مضطرين إلى انتظار زلزال استثنائي بقوة 9.5 في كل مرة يريدون فيها دراسة رنين الكوكب.

والأغرب: ليس الزلزال وحده قادرًا على جعل الأرض ترن

في 15 يناير 2022 وقع الانفجار البركاني الهائل لبركان:

Hunga Tonga–Hunga Haʻapai

في جنوب المحيط الهادئ.

ولّد الانفجار موجات ضغط قوية للغاية في الغلاف الجوي.

انتقلت هذه الموجات حول العالم.

لكن بعض طاقتها اقترنت أيضًا بالأرض الصلبة.

وسجلت الشبكة الزلزالية العالمية أنماط اهتزاز طبيعية للأرض مرتبطة بالانفجار البركاني والغلاف الجوي.

وهذا يعني أن الغلاف الجوي والصخور ليسا نظامين منفصلين بالكامل.

يمكن لانفجار ضخم في الجو أن يجعل الأرض الصلبة تهتز في بعض تردداتها الطبيعية.

الأرض والجو والمحيط يستطيعون تبادل الطاقة

حدث هونغا تونغا أظهر بصورة رائعة أن الأنظمة المختلفة للكوكب مترابطة.

انفجار بركاني.

يولد موجة ضغط في الجو.

تسافر الموجة حول العالم.

تتفاعل مع المحيط.

وتقترن بالأرض الصلبة.

فتظهر إشارات في أجهزة الزلازل.

أي أن الكوكب يعمل كوحدة واحدة أكثر مما توحي به الرسوم المدرسية التي تفصل:

الغلاف الجوي.

والمحيطات.

والقشرة.

والوشاح.

هل رنين الأرض يصدر صوتًا حقيقيًا؟

ليس بالمعنى الذي نسمعه بأذننا.

لكي نسمع موجة صوتية يجب أن تصل اهتزازات الهواء إلى أذننا بتردد مناسب.

أما الاهتزازات الحرة للأرض فهي حركة في الكوكب الصلب بترددات منخفضة جدًا.

لذلك فإن عبارة "الأرض ترن" وصف فيزيائي صحيح من ناحية الرنين، لكنها لا تعني وجود صوت جهوري مستمر يمكن للإنسان سماعه في السماء.

هل يتغير شكل الأرض فعلًا؟

نعم، بمقادير صغيرة للغاية.

في بعض الأنماط تتغير هيئة الكوكب.

في أحدها يتمدد وينكمش.

وفي آخر يصبح أكثر استطالة في اتجاه ثم يتغير الاتجاه.

لكن الرسوم العلمية التي توضح هذه الحركات تضخم التشوه ملايين أو مليارات المرات حتى نستطيع رؤيته.

لو عُرضت الحركة بالحجم الحقيقي فلن يستطيع الإنسان ملاحظتها بصريًا.

هل يمكن لزلزال أن يغير دوران الأرض أيضًا؟

نعم، من الناحية الفيزيائية يستطيع الزلزال الكبير إعادة توزيع كتلة الأرض بدرجة صغيرة جدًا.

وهذا يمكن أن يغير معدل دورانها تغييرًا مجهريًا.

بعد زلزال سومطرة عام 2004، قدرت حسابات استخدمها علماء مختبر الدفع النفاث التابع لناسا أن طول اليوم تغير بنحو:

2.7 ميكروثانية تقريبًا أقصر.

الميكروثانية جزء من مليون من الثانية.

وكان التأثير أصغر من أن يقاس بوضوح مباشرة في ذلك الوقت.

إذن الزلزال الكبير لا يهز الأرض فقط.

يمكنه أن يعيد توزيع جزء من كتلتها بدرجة تؤثر نظريًا حتى في دوران الكوكب.

لماذا لا يستمر الرنين إلى الأبد؟

لو كانت الأرض جسمًا مرنًا مثاليًا بلا أي فقدان للطاقة، لاستمرت الاهتزازات إلى أجل طويل جدًا.

لكن الصخور الحقيقية ليست مثالية.

أثناء تشوهها تتحول كمية صغيرة من طاقة الحركة إلى حرارة.

وتحدث عمليات احتكاك وتشوه دقيقة داخل المعادن.

وبالتالي تفقد الأنماط طاقتها تدريجيًا.

تنخفض سعتها.

ثم تغرق في الضوضاء الطبيعية للأرض حتى لا تعود قابلة للرصد.

لكن معدل تلاشي كل نمط نفسه يصبح معلومة مهمة عن طبيعة الصخور التي مر بها الاهتزاز.

حتى هدوء الأرض ليس هدوءًا حقيقيًا

إذا لم تقع زلازل كبيرة، لا تصبح أجهزة القياس ساكنة تمامًا.

المحيطات.

والعواصف.

والأمواج.

والغلاف الجوي.

والنشاط البشري.

كلها تسبب اهتزازات صغيرة مستمرة في الأرض.

يسمى جزء منها الضوضاء الزلزالية.

ولهذا يحتاج العلماء إلى أجهزة بالغة الحساسية ومواقع هادئة وطرق رياضية متقدمة لاستخراج النغمات الضعيفة من وسط هذه الضوضاء.

الزلزال يتحول إلى تجربة لا يستطيع العلماء تنفيذها بأنفسهم

لو أراد العلماء دراسة رنين الأرض اصطناعيًا، فسيحتاجون إلى طاقة لا يمكن للبشر إنتاجها بطريقة عملية.

لكن الزلزال العملاق يقوم بالتجربة مجانًا.

إنه يضرب الكوكب.

ثم تبدأ الأرض بالاهتزاز.

وتلتقط المحطات الموجودة في أنحاء العالم الاستجابة.

ومن هذه الاستجابة يستطيع الباحثون دراسة ما لا يمكن الوصول إليه بالحفر.

ولهذا فإن الكوارث الزلزالية، رغم خطورتها الإنسانية الهائلة، توفر أيضًا بيانات علمية نادرة عن أعماق الكوكب.

كل زلزال عملاق يجعل الأرض تكشف جزءًا من داخلها

عندما وقع زلزال تشيلي عام 1960، لم تتحرك تشيلي وحدها.

اهتز الكوكب كله.

وعندما وقع زلزال سومطرة عام 2004، لم تتوقف القصة عند التسونامي.

دخلت الأرض في سلسلة من الاهتزازات التي استطاعت الأجهزة متابعتها زمنًا طويلًا.

والعلماء لا يسمعون هذه "النغمات" كالموسيقى.

بل يحولونها إلى أرقام وطيف وترددات.

ومن تلك النغمات يستطيعون معرفة خصائص مناطق تقع على أعماق لم يصل إليها إنسان قط.

ولهذا، بعد بعض أعظم الزلازل، لا تعود الأرض ساكنة فورًا كما تبدو لنا؛ بل تظل تهتز في صمت، كجرس كوكبي هائل يستغرق وقتًا طويلًا حتى يخفت رنينه.

المصادر

U.S. Geological Survey
Improved Resolution Across the Global Seismographic Network: A New Era in Low-Frequency Seismology

U.S. Geological Survey
Cool Earthquake Facts

Journal of Geophysical Research
Observations of the Free Oscillations of the Earth

Journal of Geophysical Research
Excitation of the Free Oscillations of the Earth by Earthquakes

Science
Earth's Free Oscillations Excited by the 26 December 2004 Sumatra-Andaman Earthquake

IRIS
Sumatra-Andaman Islands Earthquake – Earth's Vibrational Modes

Reviews of Geophysics
Geophysics from Terrestrial Time-Variable Gravity Measurements

U.S. Geological Survey
The Global Seismographic Network Reveals Atmospherically Coupled Normal Modes Excited by the 2022 Hunga Tonga Eruption

U.S. Geological Survey
2004 Northern Sumatra Earthquake




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق