اليوروليثين أ: مكمل غذائي يستهدف الميتوكوندريا التالفة داخل الخلايا
Urolithin A
ظهر اليوروليثين أ خلال السنوات الأخيرة ضمن المكملات الغذائية التي جذبت اهتمام الباحثين في مجال صحة العضلات والشيخوخة الخلوية. والسبب لا يتعلق بكونه مضاد أكسدة عاديًا، بل بقدرته المحتملة على التأثير في واحدة من أنظمة الصيانة المهمة داخل الخلية، وهي عملية التخلص الانتقائي من الميتوكوندريا التالفة.
الميتوكوندريا هي الأجزاء المسؤولة عن جزء كبير من إنتاج الطاقة في الخلية. ومع مرور الوقت قد تتراكم ميتوكوندريا ضعيفة أو متضررة، ولذلك تمتلك الخلايا آليات للتعرف عليها والتخلص منها وإعادة تدوير مكوناتها.
تسمى هذه العملية:
Mitophagy
وقد أظهرت الدراسات قبل السريرية والدراسات البشرية المبكرة أن اليوروليثين أ يستطيع التأثير في المسارات المرتبطة بهذه العملية وفي مؤشرات صحة الميتوكوندريا.
دراسة Nature Metabolism عن اليوروليثين أ وصحة الميتوكوندريا
من أين يأتي اليوروليثين أ؟
من الأمور المثيرة للاهتمام أن اليوروليثين أ لا يوجد عادة بكميات مهمة جاهزة في الطعام نفسه.
عند تناول أغذية تحتوي على مركبات تسمى الإيلاجيتانينات وحمض الإيلاجيك، تصل بعض هذه المركبات إلى الأمعاء حيث تقوم أنواع معينة من البكتيريا بتحويلها تدريجيًا إلى مجموعة من المركبات تسمى اليوروليثينات.
ومن بينها اليوروليثين أ.
توجد المركبات الأصلية التي يمكن أن تؤدي إلى تكوين اليوروليثينات في أغذية مثل الرمان وبعض أنواع التوت والجوز والمكسرات.
وهنا تظهر نقطة غير معروفة لدى كثير من الناس: تناول الرمان لا يعني بالضرورة أن جسم الشخص سينتج كمية كبيرة من اليوروليثين أ.
لماذا لا ينتج جميع الأشخاص اليوروليثين أ بالطريقة نفسها؟
تعتمد عملية إنتاجه بدرجة كبيرة على تركيب الميكروبيوم المعوي.
الأشخاص لا يمتلكون الأنواع والنسب نفسها من البكتيريا داخل الأمعاء، ولذلك تختلف قدرتهم على تحويل مركبات الرمان والأغذية الأخرى إلى اليوروليثينات.
وقد صنف الباحثون الأشخاص إلى أنماط أيضية مختلفة تبعًا لنوع اليوروليثينات التي تستطيع بكتيريا أمعائهم إنتاجها.
وهذا الاختلاف بين الأشخاص هو أحد الأسباب التي دفعت إلى دراسة إعطاء اليوروليثين أ نفسه مباشرة على شكل مكمل غذائي بدلاً من الاعتماد فقط على تكوينه داخل الأمعاء. وتشير المراجعات الحديثة إلى أن الاختلاف في الميكروبيوم يمثل عاملًا مهمًا في التباين الكبير بين الأشخاص في إنتاج هذه المادة طبيعيًا.
مراجعة حديثة في PubMed عن اليوروليثين أ والميكروبيوم والميتوكوندريا
ما علاقة اليوروليثين أ بتنظيف الميتوكوندريا؟
الميتوكوندريا ليست تراكيب ثابتة تبقى داخل الخلية طوال الحياة، وإنما تتعرض باستمرار للانقسام والاندماج والتلف والإزالة والتجديد.
عندما تصبح إحدى الميتوكوندريا تالفة بصورة كبيرة، تستطيع الخلية التعرف عليها وعزلها ثم التخلص منها عن طريق عملية الالتهام الذاتي الانتقائي للميتوكوندريا.
إذا اختلت هذه العملية، يمكن أن تتراكم الميتوكوندريا منخفضة الكفاءة، وهو أمر تمت دراسته في سياق الشيخوخة وبعض الاضطرابات المرتبطة بتقدم العمر.
تشير الأبحاث إلى أن اليوروليثين أ يستطيع تحفيز إشارات مرتبطة بالتخلص من الميتوكوندريا التالفة وتحسين مراقبة جودة الميتوكوندريا. إلا أن إثبات هذه الآليات كان أقوى في الدراسات الخلوية والحيوانية من الدراسات السريرية البشرية حتى الآن.
ماذا أظهرت أول دراسة بشرية؟
نشرت مجلة Nature Metabolism عام 2019 إحدى الدراسات المهمة الأولى على البشر.
أُعطي اليوروليثين أ لأشخاص كبار في السن قليلي النشاط، وشملت الدراسة جرعات مختلفة، بما في ذلك تناول 500 و1000 ملغ يوميًا لمدة أربعة أسابيع.
وجد الباحثون أن المادة كانت متاحة حيويًا بعد تناولها وأنها كانت جيدة التحمل خلال مدة الدراسة. كما ظهرت تغيرات في بعض المركبات الموجودة في الدم وفي التعبير عن جينات مرتبطة بالميتوكوندريا في العضلات.
لم تكن الدراسة إثباتًا لأن المكمل يعيد الشباب أو يمنع الشيخوخة، لكنها قدمت دليلًا بشريًا على وصول المادة إلى الجسم وتأثيرها في بعض المؤشرات الجزيئية المرتبطة بصحة الميتوكوندريا.
الاطلاع على الدراسة الأصلية في Nature Metabolism
هل يمكن أن يساعد العضلات؟
هذا هو المجال الذي تتوافر فيه حاليًا أهم البيانات البشرية عن اليوروليثين أ.
في دراسة على بالغين في منتصف العمر تراوحت أعمارهم بين 40 و64 عامًا، وكان المشاركون يعانون زيادة في الوزن وانخفاض القدرة على التحمل البدني، تمت مقارنة تناول 500 أو 1000 ملغ يوميًا من اليوروليثين أ مع العلاج الوهمي لمدة أربعة أشهر.
ظهرت تحسينات في بعض مقاييس قوة العضلات والقدرة على ممارسة التمارين، إلى جانب تغيرات في مؤشرات مرتبطة باستقلاب الميتوكوندريا والالتهاب. كما كان المكمل جيد التحمل خلال فترة الدراسة.
تقرير Nature Aging عن الدراسة السريرية
لكن الصورة العلمية ليست بسيطة إلى درجة القول إن تناول اليوروليثين أ يؤدي حتمًا إلى زيادة القدرة البدنية.
ففي مراجعة منهجية منشورة عام 2024 شملت خمس دراسات وقرابة 250 شخصًا، ظهرت إشارات إلى تحسن بعض جوانب قوة العضلات والتحمل وبعض المؤشرات المرتبطة بالميتوكوندريا والالتهاب، بينما لم تظهر تأثيرات واضحة ومتسقة في جميع مقاييس الوظيفة البدنية أو المؤشرات الصحية الأخرى.
المراجعة المنهجية المنشورة في Ageing Research Reviews
ماذا تقول أحدث الأدلة المجمعة؟
أصبحت الصورة أكثر تحفظًا مع تراكم الدراسات.
أشارت مراجعة وتحليل للدراسات العشوائية المنشورة في 2026 إلى أن التجارب البشرية المتاحة ما تزال قليلة وصغيرة وقصيرة المدة نسبيًا.
شملت المراجعة خمس تجارب عشوائية تضم 236 مشاركًا. وعند تجميع النتائج المتاحة لاختبار المشي لمدة ست دقائق، لم يصل التحسن إلى دلالة إحصائية واضحة، كما صُنفت درجة اليقين في هذا الدليل بأنها منخفضة.
أما النتائج المتعلقة بقوة العضلات والتحمل والمؤشرات الميتوكوندرية فكانت متفاوتة بين الدراسات، ولذلك لا يزال من المبكر اعتبار فوائد اليوروليثين أ على الأداء البدني مؤكدة لجميع الأشخاص.
أحدث مراجعة للتجارب العشوائية على صحة العضلات
هل يؤثر في جهاز المناعة أيضًا؟
بدأت الأبحاث تتوسع إلى ما هو أبعد من العضلات.
في تجربة عشوائية مزدوجة التعمية نُشرت في Nature Aging، تناول 50 شخصًا سليمًا في منتصف العمر 1000 ملغ يوميًا من اليوروليثين أ أو دواءً وهميًا لمدة أربعة أسابيع.
لاحظ الباحثون تغيرات في بعض مجموعات الخلايا المناعية وفي قدرتها على استخدام الأحماض الدهنية، إضافة إلى تغيرات في مؤشرات ميتوكوندرية ومناعية أخرى.
هذه النتائج مثيرة للاهتمام من الناحية البحثية، لكنها لا تعني أن اليوروليثين أ أصبح علاجًا لضعف المناعة المرتبط بالعمر، إذ كانت الدراسة صغيرة وقصيرة المدة وركزت بدرجة كبيرة على المؤشرات الخلوية والمخبرية.
الدراسة السريرية في Nature Aging
هل اليوروليثين أ مكمل مضاد للشيخوخة؟
يستخدم هذا الوصف كثيرًا في التسويق، لكنه أقوى مما تسمح به الأدلة العلمية الحالية.
هناك أدلة جيدة على أن اليوروليثين أ يتفاعل مع عمليات مرتبطة بصحة الميتوكوندريا، كما توجد تجارب بشرية تشير إلى تأثيرات في بعض المؤشرات الجزيئية والعضلية.
لكن لا توجد حاليًا أدلة سريرية كافية لإثبات أنه يطيل عمر الإنسان أو يمنع الشيخوخة أو يعالج الأمراض المرتبطة بها.
المراجعة المنهجية البشرية المنشورة عام 2024 أكدت الحاجة إلى تجارب أكبر وأطول مدة قبل تقييمه كمادة يمكن أن تؤثر فعليًا في الشيخوخة البشرية.
كما تؤكد مراجعات أحدث أن كثيرًا من الادعاءات المتعلقة بالأمراض العصبية والقلب والسرطان ما تزال قائمة أساسًا على الدراسات الخلوية والحيوانية، وليس على تجارب علاجية بشرية كافية.
هل تناول الرمان يعادل تناول مكمل اليوروليثين أ؟
لا.
الرمان يزوّد الجسم بالمركبات التي يمكن أن تستخدمها بكتيريا الأمعاء لصنع اليوروليثينات، أما المكمل فيوفر اليوروليثين أ مباشرة.
لذلك يمكن لشخصين تناول الكمية نفسها من الرمان ثم ينتج أحدهما كمية ملحوظة من اليوروليثين أ بينما ينتج الآخر كمية أقل بكثير بسبب اختلاف الميكروبيوم المعوي.
وهذا يجعل اليوروليثين أ مثالًا مثيرًا للاهتمام على العلاقة بين الغذاء والميكروبيوم والمكملات الغذائية.
ما الجرعات التي درست على البشر؟
استخدمت الدراسات البشرية جرعات متعددة تراوحت بصورة عامة من عشرات الملليغرامات وصولًا إلى 1000 ملغ يوميًا، وكانت جرعتا 500 و1000 ملغ من أكثر الجرعات التي دُرست في تجارب صحة العضلات والميتوكوندريا.
لكن الجرعة المستخدمة في دراسة سريرية لا تعني أنها الجرعة المناسبة لكل شخص، ولا ينبغي التعامل معها على أنها توصية علاجية عامة.
ماذا نعرف عن الأمان؟
كانت الآثار الجانبية في الدراسات البشرية القصيرة والمتوسطة المدة عمومًا محدودة، ووصفت الدراسات اليوروليثين أ بأنه جيد التحمل ضمن الجرعات والفترات التي اختُبرت.
لكن معظم الدراسات البشرية المتاحة استمرت أسابيع أو عدة أشهر فقط، ولذلك تبقى المعلومات المتعلقة بالاستخدام طويل المدى أكثر محدودية.
كما أن الأدلة ليست كافية لتحديد سلامته بصورة مؤكدة أثناء الحمل والرضاعة أو لدى جميع المصابين بأمراض مزمنة أو الأشخاص الذين يتناولون مجموعات متعددة من الأدوية.
لماذا يعد اليوروليثين أ مختلفًا عن كثير من المكملات؟
الفكرة العلمية وراءه لا تعتمد أساسًا على تعويض نقص فيتامين أو معدن.
إنه مثال على ما يسمى المستقلبات المشتقة من الميكروبيوم، أي أن فائدته البحثية المحتملة بدأت من ملاحظة أن البكتيريا الموجودة داخل الأمعاء تستطيع تحويل مكونات غذائية إلى جزيئات جديدة تؤثر في وظائف الجسم.
ولهذا يجمع اليوروليثين أ بين ثلاثة مجالات بحثية حديثة هي التغذية والميكروبيوم وصيانة الميتوكوندريا.
وتُظهر الأبحاث الحالية أيضًا سبب ضرورة الفصل بين الآلية البيولوجية الواعدة والفائدة السريرية المثبتة؛ فتحفيز مسار خلوي مفيد لا يعني تلقائيًا أن المكمل سيمنع المرض أو يطيل العمر.
المصادر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق