الاثنين، 31 أغسطس 2026

الإرغوثيونين: المكمل الغذائي الذي يمتلك الجسم ناقلًا خاصًا لالتقاطه

 

الإرغوثيونين: المكمل الغذائي الذي يمتلك الجسم ناقلًا خاصًا لالتقاطه

Ergothioneine

الإرغوثيونين مركب طبيعي يحتوي على الكبريت ومشتق من الحمض الأميني الهيستيدين. وعلى الرغم من وجوده في أنسجة الإنسان، فإن الجسم البشري لا يستطيع تصنيعه بنفسه، ولذلك يحصل عليه أساسًا من الغذاء.

يتميز هذا المركب عن كثير من المواد الغذائية الأخرى بوجود نظام نقل متخصص يساعد الجسم على امتصاصه وإدخاله إلى الخلايا والاحتفاظ به في بعض الأنسجة. وقد أدى ذلك إلى زيادة الاهتمام به كمركب غذائي محتمل الأهمية للصحة وكعنصر يدخل حاليًا في بعض المكملات الغذائية.

مراجعة حديثة عن الإرغوثيونين في المجلة الأمريكية للتغذية السريرية

من أين يأتي الإرغوثيونين؟

المصدر الأصلي للإرغوثيونين ليس الإنسان ولا الحيوانات، وإنما بعض الكائنات الدقيقة، وخصوصًا أنواع من الفطريات والبكتيريا.

تستطيع هذه الكائنات تصنيع الإرغوثيونين، ثم يصل المركب إلى النباتات والحيوانات والإنسان عبر السلسلة الغذائية.

وتعتبر أنواع عديدة من الفطر الصالح للأكل من أغنى المصادر الغذائية المعروفة به، كما يوجد بدرجات أقل في بعض أنواع الفاصولياء والحبوب والأحشاء الحيوانية وغيرها من الأغذية.

وهذا يجعل الفطر مختلفًا عن كثير من الأغذية النباتية من ناحية محتواه من الإرغوثيونين.

لماذا أثار الإرغوثيونين اهتمام العلماء؟

السبب الأكثر إثارة للاهتمام ليس فقط خصائصه المضادة للأكسدة، وإنما الطريقة التي يتعامل بها الجسم معه.

يوجد في الجسم ناقل خلوي شديد الألفة للإرغوثيونين يعرف باسم:

OCTN1

ويرتبط هذا الناقل بالجين:

SLC22A4

يساعد هذا النظام على امتصاص الإرغوثيونين من الأمعاء، وإدخاله إلى بعض الخلايا، وإعادة امتصاصه في الكلى بدل التخلص منه سريعًا في البول.

مراجعة علمية عن ناقل الإرغوثيونين

وجود ناقل متخصص لهذه المادة جعل العلماء يتساءلون عن سبب استثمار الجسم في الاحتفاظ بمركب لا يستطيع تصنيعه بنفسه.

لكن وجود الناقل لا يثبت وحده أن الإرغوثيونين فيتامين أساسي أو أن تناوله كمكمل يمنع الأمراض.

هل يمكن اعتبار الإرغوثيونين فيتامينًا؟

ليس فيتامينًا معترفًا به حاليًا بالمعنى الغذائي التقليدي.

اقترح بعض الباحثين استخدام تعبير قريب من "فيتامين طول العمر" لوصفه، بسبب وجود ناقل متخصص له وارتباط انخفاض مستوياته ببعض الأمراض المرتبطة بالعمر.

لكن هذا الوصف يمثل فرضية علمية وليس تصنيفًا غذائيًا رسميًا.

وتؤكد مراجعة حديثة نُشرت في أغسطس 2026 أن الأدلة المتراكمة مثيرة للاهتمام، لكنها لا تزال تترك أسئلة أساسية دون إجابة بشأن وظائف الإرغوثيونين داخل الإنسان والكمية المثلى منه وتأثير المكملات على المدى الطويل.

ماذا يفعل الإرغوثيونين داخل الخلايا؟

يتميز الإرغوثيونين بخصائص كيميائية تسمح له بالتفاعل مع عدد من أنواع الجزيئات المؤكسدة وحماية بعض المكونات الخلوية في التجارب المخبرية.

كما تشير الدراسات إلى إمكانية مشاركته في الحد من الإجهاد التأكسدي والالتهاب وحماية الميتوكوندريا وبعض مكونات الخلية.

لكن من المهم التمييز بين إثبات قدرته الكيميائية على مقاومة الأكسدة في المختبر وبين إثبات أن تناول المكمل يحمي الإنسان من الأمراض.

فمراجعات علمية متخصصة تؤكد أن خصائصه المضادة للأكسدة معروفة جيدًا تجريبيًا، بينما لا يزال تحديد وظيفته الفسيولوجية الأساسية داخل جسم الإنسان أكثر تعقيدًا.

مراجعة عن الإرغوثيونين كمضاد أكسدة مشتق من الغذاء

لماذا يحتفظ الجسم بالإرغوثيونين فترة طويلة؟

أظهرت الدراسات البشرية أن الإرغوثيونين يمتص بعد تناوله عن طريق الفم ويرتفع تركيزه في الدم، كما أن الجسم لا يتخلص من معظمه سريعًا عن طريق البول.

في إحدى الدراسات التي تناول فيها أشخاص أصحاء الإرغوثيونين النقي، ارتفع مستواه بشكل واضح في البلازما والدم الكامل، بينما كانت نسبة ما خرج في البول منخفضة.

كما لاحظ الباحثون تغيرات باتجاه انخفاض بعض مؤشرات الإجهاد التأكسدي والالتهاب، لكن معظم هذه التغيرات لم تصل إلى مستوى الدلالة الإحصائية.

الدراسة البشرية عن امتصاص الإرغوثيونين واستقلابه

وهذه النتيجة مهمة لأنها تثبت أن الجسم يمتص المكمل ويحتفظ بالمادة، لكنها لا تثبت وحدها وجود فائدة علاجية.

الإرغوثيونين والدماغ

يعد الدماغ من أكثر المجالات التي تجذب الاهتمام بهذا المركب.

أظهرت دراسات رصدية أن الأشخاص الذين لديهم مستويات منخفضة من الإرغوثيونين في الدم قد يظهر لديهم أداء معرفي أسوأ أو تراجع أسرع في بعض الوظائف المعرفية.

وفي دراسة شملت 470 شخصًا من كبار السن كانوا يتابعون في عيادات الذاكرة، ارتبط انخفاض الإرغوثيونين في البلازما بأداء معرفي أقل وبمعدلات أسرع من التراجع في عدد من الوظائف المعرفية خلال المتابعة.

لكن هذه علاقة ارتباطية.

فانخفاض الإرغوثيونين قد يكون سببًا أو نتيجة لتغيرات أخرى مرتبطة بالغذاء أو الصحة أو التقدم في العمر، ولا تثبت الدراسة أن إعطاء المكمل يمنع الخرف.

هل جُرّب مكمل الإرغوثيونين على الذاكرة؟

نعم، لكن الأدلة البشرية ما تزال محدودة جدًا.

في دراسة تجريبية عشوائية مزدوجة التعمية شملت 19 شخصًا بعمر 60 عامًا أو أكثر ويعانون ضعفًا إدراكيًا بسيطًا، حصل المشاركون على كبسولة تحتوي على 25 ملغ من الإرغوثيونين ثلاث مرات أسبوعيًا أو على علاج وهمي لمدة سنة.

أظهرت مجموعة الإرغوثيونين تحسنًا في أحد اختبارات التعلم والذاكرة، كما ظهر اختلاف في أحد المؤشرات الدموية المرتبطة بتضرر الخلايا العصبية مقارنة بالمجموعة الأخرى. ولم تظهر تغيرات مقلقة في فحوص الدم أو الكبد أو الكلى.

الدراسة التجريبية عن الإرغوثيونين والتراجع المعرفي

لكن عدد المشاركين، 19 شخصًا فقط، صغير جدًا للوصول إلى نتيجة بأن الإرغوثيونين يمنع الخرف أو مرض ألزهايمر.

ويحتاج الأمر إلى تجارب أكبر تشمل مئات أو آلاف الأشخاص قبل إمكانية إثبات فائدة سريرية حقيقية.

هل انخفاض الإرغوثيونين يعني وجود نقص غذائي؟

ليس بالضرورة.

لا توجد حاليًا حالة نقص سريرية معترف بها للإرغوثيونين بالطريقة نفسها المعروفة لنقص الحديد أو فيتامين ب12 أو فيتامين د.

كما لا يوجد حتى الآن تركيز دم محدد متفق عليه يمكن من خلاله تشخيص شخص بأنه يعاني نقص الإرغوثيونين.

لكن ملاحظة انخفاض مستوياته في بعض حالات التقدم بالعمر والأمراض العصبية والقلبية وغيرها جعلت الباحثين يدرسون إمكانية استخدامه مستقبلًا كمؤشر حيوي أو كعامل غذائي قابل للتعديل.

هل يمكن الحصول عليه من الفطر بدل المكملات؟

نعم، والفطر يمثل أحد أهم المصادر الغذائية للإرغوثيونين.

لكن الكمية تختلف بدرجة كبيرة بين أنواع الفطر وبين ظروف الزراعة والمعالجة والتحضير.

وقد بدأت أيضًا تجارب بشرية تستخدم الفطر الغني بالإرغوثيونين بدل المادة النقية.

في تجربة عشوائية حديثة على 80 شخصًا أصحاء تراوحت أعمارهم بين 60 و80 عامًا، دُرس تناول فطر المحار عدة مرات أسبوعيًا لمدة 12 أسبوعًا وتأثيره في الوظائف المعرفية والمزاج وبعض المؤشرات الاستقلابية والالتهابية.

أظهرت الدراسة بعض الاختلافات في مقاييس محددة، لكن النتائج لا تسمح باعتبار الفطر أو الإرغوثيونين علاجًا مثبتًا للتراجع المعرفي.

هل توجد فوائد للبشرة؟

ظهرت أيضًا أبحاث أولية في هذا المجال.

في تجربة عشوائية مزدوجة التعمية شملت 80 امرأة سليمة، تم تناول أقراص من نوع من فطر المحار توفر نحو 25 ملغ يوميًا من الإرغوثيونين لمدة 12 أسبوعًا.

وجد الباحثون تحسنًا في بعض قياسات ترطيب الجلد مقارنة بالمجموعة الضابطة في أوقات محددة خلال الدراسة.

لكن الدراسة تناولت منتجًا مشتقًا من الفطر وليس الإرغوثيونين النقي وحده، ولذلك لا يمكن التأكد من أن جميع التأثيرات ترجع إلى الإرغوثيونين فقط.

هل يمكن أن يتحول الإرغوثيونين إلى مادة مرتبطة بأمراض القلب؟

ظهرت تساؤلات بحثية حول إمكانية مساهمة تحلل الإرغوثيونين بواسطة بعض بكتيريا الأمعاء في إنتاج مادة تسمى:

TMAO

وقد ارتبط ارتفاع هذه المادة في الدراسات الرصدية بمخاطر قلبية واستقلابية معينة.

لكن دراسة بشرية عشوائية نُشرت عام 2026 اختبرت تناول 25 ملغ يوميًا من الإرغوثيونين لمدة سبعة أيام، ووجدت ارتفاعًا واضحًا في الإرغوثيونين في البلازما دون ارتفاع في مستويات هذه المادة.

وهذا يقدم بعض الطمأنينة بشأن هذا المسار المحدد، لكنه لا يجيب عن جميع أسئلة الاستخدام الطويل المدى.

ما الجرعات المستخدمة في الدراسات؟

لا توجد جرعة علاجية معتمدة للإرغوثيونين.

استخدمت الدراسات البشرية جرعات مختلفة بحسب الهدف والتصميم، ومن الأمثلة 25 ملغ يوميًا في بعض الدراسات، و25 ملغ عدة مرات أسبوعيًا في الدراسة المتعلقة بالضعف الإدراكي.

أما تقييم هيئة سلامة الغذاء الأوروبية للمادة الاصطناعية فقد درس استخدامها ضمن الأغذية والمكملات بجرعة تصل إلى 30 ملغ يوميًا للبالغين في الطلب الذي خضع للتقييم.

ولا يعني ذلك أن 30 ملغ هي الجرعة المثالية للصحة أو الجرعة التي يحتاجها جميع الأشخاص، وإنما أنها كانت ضمن ظروف الاستخدام التي تم تقييم سلامتها.

ماذا نعرف عن الأمان؟

قامت هيئة سلامة الغذاء الأوروبية بتقييم الإرغوثيونين الاصطناعي كمكوّن غذائي جديد، وخلصت إلى أنه آمن ضمن ظروف الاستخدام والكميات المقترحة في الملف الذي جرى تقييمه.

تقييم هيئة سلامة الغذاء الأوروبية للإرغوثيونين

كما نشرت الهيئة لاحقًا تقييمًا إضافيًا شمل الرضع والأطفال الصغار والنساء الحوامل والمرضعات وخلص إلى سلامة المادة ضمن مستويات الاستخدام التي جرى تقييمها.

لكن تقييم سلامة مادة ضمن جرعات محددة لا يعني أن الجرعات الأعلى بلا حدود آمنة، ولا يعني أن استخدامها ضروري أو مفيد لجميع الأشخاص.

هل الإرغوثيونين مكمل لإطالة العمر؟

هذا الادعاء غير مثبت حتى الآن.

توجد أدلة مخبرية وحيوانية، ودراسات رصدية بشرية، وتجارب سريرية صغيرة تشير إلى إمكان وجود فوائد بيولوجية للإرغوثيونين.

لكن لا توجد حتى الآن تجربة بشرية تثبت أنه يطيل العمر أو يمنع الشيخوخة أو يمنع مرض ألزهايمر أو أمراض القلب.

وأحدث المراجعات المنشورة في 2026 تؤكد أن المركب واعد، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى الحاجة إلى فهم أفضل لجرعته واستقلابه وآثاره طويلة المدى وإجراء تجارب تدخلية بشرية أكبر.

ما الذي يجعل الإرغوثيونين غير مألوف علميًا؟

هناك آلاف المركبات الموجودة في الطعام، لكن الجسم لا يمتلك ناقلًا متخصصًا وعالي الألفة لكل واحد منها.

الإرغوثيونين مختلف لأنه يأتي من الغذاء، ولا يستطيع الإنسان تصنيعه، ومع ذلك يمتلك الجسم نظامًا متخصصًا لامتصاصه وتوزيعه وإعادة الاحتفاظ به.

لهذا أصبح السؤال العلمي الأساسي أكبر من سؤال ما إذا كان "مضاد أكسدة جيدًا".

السؤال الحقيقي هو: لماذا طور جسم الإنسان نظامًا شديد التخصص للحفاظ على هذا المركب الغذائي؟

وحتى عام 2026 لم تحصل العلوم على إجابة نهائية عن هذا السؤال.


المصادر

The American Journal of Clinical Nutrition
Ergothioneine as an Emerging Food-Derived Bioactive Compound Protecting against Age-related Diseases

Antioxidants & Redox Signaling
Administration of Pure Ergothioneine to Healthy Human Subjects

GeroScience
Investigating the efficacy of ergothioneine to delay cognitive decline in mild cognitively impaired subjects

FEBS Letters
The ergothioneine transporter: substrates and locations

Ageing Research Reviews
Ergothioneine as a potential geroprotector

European Food Safety Authority
Safety of synthetic L-ergothioneine as a novel food



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق