الثوم قبل الطهي: لماذا قد يكون سحقه والانتظار عشر دقائق أهم من طريقة طبخه؟
الثوم من أكثر الأغذية استخدامًا في المطبخ، لكنه يتميز بخاصية غير مألوفة: أحد أشهر مركباته النشطة، وهو الأليسين، لا يكون موجودًا بكمية كبيرة داخل فص الثوم السليم، بل يتكون بعد تقطيع الثوم أو سحقه.
وهذا يعني أن الطريقة التي نتعامل بها مع فص الثوم قبل وضعه في القدر يمكن أن تغير كمية المركبات الكبريتية التي تتكون فيه.
ومن أكثر الطرق التي درست علميًا: سحق الثوم أو فرمه ثم تركه نحو عشر دقائق قبل تعريضه للحرارة.
ماذا يوجد داخل فص الثوم السليم؟
يحتوي الثوم على مركب كبريتي يسمى الأليين.
Alliin
كما يحتوي على إنزيم يسمى الألييناز.
Alliinase
داخل فص الثوم السليم يكون الاثنان منفصلين نسبيًا داخل أنسجة النبات، ولذلك لا تتكون كمية كبيرة من الأليسين.
لكن بمجرد قطع الفص أو سحقه تتكسر الخلايا ويختلط الإنزيم بالمادة الأولية.
عندها يبدأ التفاعل سريعًا ويتحول الأليين إلى مجموعة من المركبات الكبريتية، وأشهرها الأليسين.
لهذا تتغير رائحة الثوم بمجرد سحقه
الرائحة القوية التي تظهر بعد فرم الثوم ليست مجرد خروج للرائحة المخزنة داخله.
جزء مهم منها ينتج بالفعل من تفاعلات كيميائية تبدأ بعد تلف خلايا الثوم.
يتحول الأليين بفعل الألييناز إلى مركبات شديدة التفاعل، ثم يتحول الأليسين نفسه لاحقًا إلى مركبات كبريتية أخرى.
وهذا هو السبب في أن رائحة فص الثوم الكامل تختلف عن رائحة الثوم الذي سُحق قبل لحظات.
الحرارة قد توقف الإنزيم قبل أن ينهي عمله
المشكلة أن الألييناز عبارة عن إنزيم بروتيني حساس للحرارة.
إذا وضعنا فصوص الثوم السليمة أو المفرومة حديثًا مباشرة تحت حرارة قوية، يمكن للحرارة أن تعطل الإنزيم بسرعة.
عندما يحدث ذلك تقل قدرة الثوم على تحويل الأليين الموجود فيه إلى الأليسين ومركبات الثيوسلفينات الأخرى.
وقد أظهرت تجارب الطهي أن مدة التسخين وطريقته تؤثران بوضوح في هذه العملية.
لماذا الانتظار عشر دقائق؟
عندما نسحق الثوم ثم نتركه قبل الطهي، نعطي إنزيم الألييناز فرصة للعمل قبل وصول الحرارة إليه.
خلال هذه الفترة يبدأ تكوين الأليسين ومركبات كبريتية أخرى.
وبمجرد أن تتكون هذه المركبات تصبح النتيجة مختلفة عن تسخين فص كامل قبل إعطاء الإنزيم فرصة للعمل.
في تجربة شهيرة، أدى تسخين الثوم بالميكروويف إلى فقدان النشاط المدروس عندما تعرض الثوم للحرارة مباشرة، بينما ساعد سحق الثوم وتركه لمدة عشر دقائق قبل التسخين على منع الفقد الكامل لذلك النشاط. وربط الباحثون هذه النتيجة بمنح الألييناز وقتًا لتكوين المركبات الكبريتية قبل تعطله بالحرارة.
العشر دقائق ليست رقمًا سحريًا
لا يعني ذلك أن التفاعل يبدأ في الدقيقة العاشرة بالضبط.
تكوين الأليسين يبدأ سريعًا بعد سحق الثوم.
لكن فترة الانتظار توفر وقتًا كافيًا لحدوث جانب مهم من التفاعل قبل الطهي، ولذلك أصبحت عشر دقائق طريقة عملية شائعة مشتقة من التجارب المنشورة.
يمكن ببساطة فرم الثوم في بداية تحضير الوجبة، ثم تركه جانبًا أثناء تجهيز بقية المكونات قبل إضافته إلى الطعام.
السحق أفضل من ترك الفص كاملًا
كلما زاد تكسير خلايا الثوم ازداد اختلاط الأليين بالإنزيم.
لذلك يختلف:
فص الثوم الكامل
عن الثوم المقطع إلى نصفين
عن الثوم المفروم
عن الثوم المسحوق جيدًا.
السحق أو الفرم الدقيق يسمح بتلامس أكبر بين المكونات التي كانت منفصلة داخل الخلايا.
ولهذا فإن الثوم المهروس عادة يكوّن مركبات كبريتية أكثر بسرعة من الفص الذي ألقي كاملًا في الطعام.
ماذا يحدث إذا وضعنا فص الثوم كاملًا في الماء المغلي؟
وجدت دراسة قارنت الثوم الكامل بالثوم المسحوق أن التسخين المعتدل لمدة قصيرة لم يدمر النشاط المدروس بالكامل.
لكن عند زيادة مدة التسخين بدأت الفروق تظهر بوضوح.
بعد تسخين الثوم غير المسحوق لمدة ست دقائق اختفى النشاط المضاد لتجمع الصفائح الذي كان الباحثون يقيسونه في المختبر، بينما احتفظ الثوم الذي سُحق قبل التسخين بجزء من النشاط.
ومع زيادة مدة التسخين أكثر، انخفض النشاط حتى في الثوم المسحوق.
وهذا يوضح أن السحق يساعد، لكنه لا يجعل المركبات الموجودة في الثوم مقاومة للحرارة بلا حدود.
الطبخ القصير يختلف عن الطبخ الطويل
إذا أضيف الثوم في بداية طبق سيطهى نصف ساعة، فلن يتعرض للظروف نفسها التي يتعرض لها عندما يضاف خلال الدقائق الأخيرة.
يزداد تحلل عدد من مركبات الثوم مع الحرارة والوقت.
ولهذا توجد طريقة أخرى بسيطة إلى جانب الانتظار قبل الطهي، وهي إضافة جزء من الثوم في مرحلة متأخرة من الطبخ.
يمكن مثلًا استخدام جزء من الثوم لإعطاء النكهة منذ البداية، ثم إضافة كمية أخرى قرب نهاية الطهي.
وهكذا نحصل على نكهتين مختلفتين أيضًا: نكهة الثوم المطهو الهادئة ونكهة الثوم الأقل تعرضًا للحرارة.
الثوم المحمّص ليس عديم الفائدة
لا يعني فقدان جزء من الأليسين أن الثوم المطبوخ يصبح بلا قيمة غذائية.
الثوم يحتوي على مركبات متعددة، كما أن الأليسين نفسه غير ثابت ويتحول إلى مركبات كبريتية أخرى.
وفي دراسة بشرية قارنت أشكالًا مختلفة من الثوم، ظهرت نواتج أيضية مشتقة من مركبات الثوم حتى بعد تناول الثوم المسلوق أو المحمّص، رغم أن توفر المركبات المرتبطة بالأليسين كان أقل من الثوم الخام المهروس.
لذلك السؤال ليس: هل الثوم المطبوخ مفيد أم لا؟
بل: ما أنواع المركبات الكبريتية التي تبقى أو تتكون بحسب طريقة التحضير؟
الثوم النيئ المهروس يعطي أعلى تعرض للأليسين
في دراسة بشرية واسعة نسبيًا تناول المشاركون أشكالًا مختلفة من الثوم، واستخدم الباحثون أحد نواتج استقلاب مركبات الثوم في هواء الزفير لتقدير التوافر الحيوي المرتبط بالأليسين.
استخدم الثوم الخام المهروس بوصفه المرجع الأعلى.
أما الثوم المسلوق والمحمص فقدم كميات أقل من النواتج المرتبطة بالأليسين، رغم أن بعض النشاط بقي موجودًا.
وهذا يتوافق مع الفكرة الأساسية بأن سحق الثوم الخام يتيح للألييناز أفضل فرصة لتكوين الأليسين قبل تناوله.
الأليسين نفسه لا يبقى طويلًا داخل الجسم
الأليسين جزيء شديد التفاعل.
بعد تناوله لا يدور ببساطة في الدم لساعات بالشكل نفسه الموجود في الثوم المهروس.
بل يتحول بسرعة إلى مركبات كبريتية أخرى، ومن أهم نواتج استقلابه مركب يظهر في هواء الزفير يسمى:
Allyl Methyl Sulfide
وهو أحد أسباب استمرار رائحة الثوم في النفس بعد ساعات من تناول الوجبة.
وقد استخدم الباحثون هذا المركب كوسيلة غير مباشرة لدراسة مقدار مركبات الأليسين التي أصبحت متاحة للجسم.
لماذا تستمر رائحة الثوم رغم تنظيف الأسنان؟
لأن المشكلة ليست كلها داخل الفم.
بعض مركبات الثوم تمتص ثم تتحول داخل الجسم إلى مركبات متطايرة.
تصل هذه المركبات إلى الرئتين عبر الدم، ثم تخرج مع هواء الزفير.
ولهذا قد تبقى رائحة الثوم حتى بعد تنظيف الأسنان واللسان جيدًا.
فجزء من الرائحة يأتي من الرئتين وليس من بقايا الثوم بين الأسنان.
الثوم المفروم المحفوظ في الحمض حالة مختلفة
يُباع أحيانًا الثوم مفرومًا ومحفوظًا في وسط حمضي.
انخفاض الحموضة يمكن أن يعطل إنزيم الألييناز، لكن إذا جرى فرم الثوم جيدًا قبل أن يتعرض للوسط الحمضي، يكون الإنزيم قد حصل على بعض الوقت للعمل.
وهذا يفسر جزئيًا لماذا أظهرت بعض منتجات الثوم المفروم المحمضة توفرًا أعلى لمركبات مشتقة من الأليسين مما كان متوقعًا.
الثوم الأسود مختلف تمامًا
Black Garlic
الثوم الأسود ينتج من تعريض الثوم إلى ظروف من الحرارة والرطوبة لمدة طويلة.
وخلال هذه العملية تتغير تركيبته الكيميائية بدرجة كبيرة.
تنخفض أو تختفي كميات الأليسين الطازج تقريبًا، بينما تتكون أو ترتفع مركبات أخرى أكثر ثباتًا.
لذلك لا ينبغي مقارنة الثوم الأسود بالثوم النيئ فقط على أساس كمية الأليسين.
إنهما في الواقع منتجان بتركيب كيميائي مختلف نسبيًا. وقد وجدت دراسة التوافر الحيوي أن الثوم الأسود أعطى مقدارًا منخفضًا جدًا من المؤشر المستخدم لمركبات الأليسين مقارنة بالثوم الخام المهروس.
هل يجب أكل الثوم نيئًا للحصول على فائدته؟
ليس بالضرورة.
الثوم النيئ يحتوي على مركبات كبريتية نشطة، لكنه قد يكون قوي الطعم ويسبب حرقة أو اضطرابًا هضميًا لدى بعض الأشخاص.
كما أن الطعام لا يُقيّم اعتمادًا على مركب واحد فقط.
يمكن تناول الثوم مطبوخًا كجزء طبيعي من الطعام، وإذا كان الهدف المحافظة على تكوين كمية أكبر من مركبات الأليسين يمكن استخدام الطريقة البسيطة التالية:
اسحق أو افرم الثوم أولًا، واتركه قرابة عشر دقائق، ثم أضفه إلى الطعام.
وإذا كان الطبق يحتاج إلى طهي طويل يمكن إضافة جزء من الثوم قرب النهاية بدل تعريض كامل الكمية للحرارة منذ البداية.
هل سحق الثوم عشر دقائق يمنع السرطان أو أمراض القلب؟
لا يمكن قول ذلك.
التجربة التي اشتهرت منها قاعدة الانتظار عشر دقائق درست مؤشرات مرتبطة بالتأثير المضاد للسرطان في نماذج حيوانية، كما أن دراسة الطهي الأخرى قاست تأثير مستخلصات الثوم في تجمع الصفائح داخل المختبر.
هذه النتائج تفسر جيدًا كيف يؤثر السحق والحرارة في تكوين مركبات الثوم، لكنها لا تثبت أن الانتظار عشر دقائق قبل الطهي سيمنع مرضًا معينًا لدى الإنسان.
كما أن المراجعات الحديثة تشير إلى اهتمام كبير بالأليسين وتأثيراته المحتملة، لكن ثباته وتوافره الحيوي وتحوله السريع داخل الجسم تجعل ربط كمية معينة منه بنتيجة صحية محددة أمرًا أكثر تعقيدًا.
طريقة بسيطة في المطبخ
عند تحضير وجبة تحتوي على الثوم يمكن اتباع خطوات بسيطة.
قشّر فصوص الثوم.
اسحقها أو افرمها جيدًا.
اترك الثوم المفروم جانبًا نحو عشر دقائق أثناء تحضير بقية مكونات الطبق.
أضفه بعد ذلك إلى الطعام.
تجنب طهيه مدة أطول مما تتطلبه الوصفة إذا كان الحفاظ على مركباته الكبريتية أحد أهدافك.
ويمكن إضافة كمية صغيرة جديدة قرب نهاية الطهي إذا كانت النكهة مناسبة للطبق.
هذه الطريقة لا تضيف مادة جديدة إلى الثوم، بل تسمح للكيمياء الطبيعية الموجودة داخل الفص نفسه بأن تحدث قبل أن توقفها الحرارة.
المصادر
Deng Y, Ho CT, Lan Y, Xiao J, Lu M. Bioavailability, Health Benefits, and Delivery Systems of Allicin: A Review. Journal of Agricultural and Food Chemistry. 2023;71:19207–19220.
Cavagnaro PF, Camargo A, Galmarini CR, Simon PW. Effect of Cooking on Garlic Antiplatelet Activity and Thiosulfinates Content. Journal of Agricultural and Food Chemistry. 2007;55:1280–1288. درست بصورة مباشرة أثر سحق الثوم قبل التسخين ومدد الطهي المختلفة.
Song K, Milner JA. The Influence of Heating on the Anticancer Properties of Garlic. Journal of Nutrition. 2001;131:1054S–1057S. تضمنت التجربة المعروفة التي أظهرت أن سحق الثوم وتركه عشر دقائق قبل التسخين منع الفقد الكامل للنشاط الذي تمت دراسته.
Lawson LD, Hunsaker SM. Allicin Bioavailability and Bioequivalence from Garlic Supplements and Garlic Foods. Nutrients. 2018;10:812. دراسة بشرية قارنت الثوم الخام والمسلوق والمحمص ومنتجات أخرى.
Linus Pauling Institute, Oregon State University. Garlic. يتناول تكوين الأليسين وتأثير التسخين والطريقة العملية لسحق الثوم وتركه قبل الطبخ.
المصدر من Oregon State University
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق