الخبز بعد التجميد والتحميص: لماذا قد يرفع سكر الدم أقل من الخبز الطازج نفسه؟
عادة نتعامل مع تجميد الخبز على أنه مجرد وسيلة لحفظه من التلف. نضع الأرغفة أو الشرائح في المجمد، ثم نخرجها عند الحاجة ونتركها تذوب أو نضعها مباشرة في المحمصة.
لكن تجربة بشرية لافتة وجدت أن هذه الخطوات المنزلية البسيطة قد تغير طريقة هضم نشا الخبز واستجابة سكر الدم بعد تناوله.
في التجربة، كان الخبز الأبيض نفسه يعطي استجابة مختلفة لسكر الدم بحسب ما إذا كان طازجًا، أو مجمدًا ثم مذابًا، أو محمصًا، أو مجمدًا ثم مذابًا ومحمصًا. (Nature)
ماذا يحدث للنشا عندما نخبز الخبز؟
يحتوي دقيق القمح أساسًا على النشا.
عند إضافة الماء ثم تعريض العجين للحرارة أثناء الخَبز، تمتص حبيبات النشا الماء وتتغير بنيتها.
تصبح أجزاء كبيرة من النشا أسهل على إنزيمات الجهاز الهضمي في الوصول إليها.
بعد تناول الخبز تبدأ إنزيمات مثل الأميلاز بتفكيك النشا إلى جزيئات أصغر، وصولًا إلى الغلوكوز الذي يمكن امتصاصه إلى الدم.
ولهذا يمكن للخبز الأبيض الطري أن يرفع سكر الدم بسرعة نسبيًا عند تناوله بمفرده.
لكن النشا لا يبقى بالشكل نفسه بعد أن يبرد
عندما يبرد الخبز تبدأ بعض سلاسل النشا التي تفككت أثناء الخَبز في الاقتراب من بعضها وإعادة ترتيب نفسها.
تسمى هذه العملية:
Starch Retrogradation
أي إعادة انتظام أو تراجع النشا إلى بنية أكثر ترتيبًا.
هذه العملية نفسها أحد الأسباب التي تجعل الخبز يفقد طراوته تدريجيًا ويصبح أكثر قساوة مع مرور الوقت.
لكنها مهمة أيضًا من ناحية الهضم، لأن النشا الأكثر ترتيبًا يمكن أن يصبح أقل سهولة لإنزيمات الهضم من النشا الموجود مباشرة بعد الخَبز. وتؤكد المراجعات العلمية أن التخزين وإعادة ترتيب النشا يمكن أن يخفضا قابلية بعض الأغذية النشوية للهضم. (PubMed)
التجميد لا يوقف كل التغيرات في النشا
عندما يدخل الخبز إلى المجمد يتجمد جزء كبير من الماء الموجود داخله.
وخلال التجميد ثم الذوبان تتحرك المياه وتتغير المسافات بين جزيئات النشا.
يمكن لهذه الظروف أن تشجع بعض جزيئات النشا على إعادة ترتيب نفسها في تراكيب أكثر انتظامًا.
وعند إذابة الخبز لا تعود بنيته بالضرورة مطابقة تمامًا لبنيته عندما كان طازجًا.
ولهذا اهتم الباحثون بالسؤال التالي:
هل يستطيع جسم الإنسان ملاحظة هذا الفرق فعلًا؟
التجربة البشرية قارنت أربع حالات للخبز نفسه
شارك في الدراسة عشرة أشخاص أصحاء تراوحت أعمارهم بين 22 و59 عامًا.
استخدم الباحثون نوعين من الخبز الأبيض:
خبزًا منزلي التحضير.
وخبزًا أبيض تجاريًا.
وتناول المشاركون كل نوع في أربع حالات مختلفة:
طازجًا.
مجمدًا ثم مذابًا.
محمصًا وهو طازج.
ومجمدًا ثم مذابًا ثم محمصًا.
بعد كل وجبة قاس الباحثون مستوى الغلوكوز في الدم لمدة ساعتين وحسبوا إجمالي الارتفاع الذي حدث بعد تناول الخبز. (Nature)
في الخبز المنزلي انخفضت استجابة سكر الدم بعد التجميد
عندما تناول المشاركون الخبز المنزلي الأبيض طازجًا، بلغت المساحة تحت منحنى ارتفاع الغلوكوز في الدم:
259 مليمول دقيقة لكل لتر.
بعد تجميد الخبز ثم إذابته انخفضت إلى:
وبعد تحميص الخبز الطازج أصبحت:
أما عند تجميد الخبز ثم إذابته وتحميصه فانخفضت إلى:
أي أن أقل استجابة للغلوكوز ظهرت عندما اجتمع التجميد والذوبان والتحميص في هذا النوع من الخبز. (Nature)
الفرق كان كبيرًا في ظروف التجربة
بالمقارنة مع الخبز المنزلي الطازج، كان انخفاض الاستجابة بعد:
التجميد ثم الذوبان نحو 31 في المئة.
التحميص نحو 25 في المئة.
التجميد ثم الذوبان ثم التحميص نحو 39 في المئة.
هذه النسب محسوبة من المتوسطات المنشورة في الدراسة، ولا تعني أن الشخص سيحصل بالضرورة على الانخفاض نفسه في منزله.
فالدراسة كانت صغيرة جدًا وشملت عشرة أشخاص فقط.
لكنها أثبتت أن طريقة حفظ الخبز وتحضيره يمكن أن تغير استجابة الجسم له حتى عندما يكون الخبز الأساسي نفسه. (Nature)
الخبز التجاري أعطى صورة مشابهة ولكن ليست مطابقة
في الخبز الأبيض التجاري بلغت استجابة الغلوكوز للخبز الطازج:
وعندما جرى تحميصه انخفضت إلى:
أما الخبز الذي جُمد ثم أذيب وحُمص فبلغت الاستجابة:
وكان كلا الانخفاضين ذا دلالة إحصائية مقارنة بالخبز التجاري الطازج. (Nature)
لكن مجرد تجميد الخبز التجاري وإذابته لم يعط في هذه التجربة انخفاضًا واضحًا كالذي ظهر مع الخبز المنزلي.
وهذا يكشف نقطة مهمة: ليس كل خبز يتصرف بالطريقة نفسها.
لماذا اختلف الخبز المنزلي عن التجاري؟
حتى إذا كان كلاهما يسمى خبزًا أبيض، يمكن أن يختلفا في:
نوع الدقيق.
كمية الماء.
الدهون.
المضافات.
طريقة العجن.
مدة التخمير.
بنية الرغيف.
حجم المسام.
وطريقة الخَبز.
كل هذه العوامل تستطيع التأثير في الطريقة التي يتغير بها النشا خلال التجميد والتحميص.
ولهذا لا يمكن أخذ رقم واحد من الدراسة وتطبيقه على جميع أنواع الخبز الموجودة في الأسواق.
هل السبب هو زيادة النشا المقاوم؟
قد يكون ذلك جزءًا من التفسير، لكن يجب عدم المبالغة.
النشا المقاوم هو جزء من النشا لا تستطيع إنزيمات الإنسان تفكيكه بالكامل في الأمعاء الدقيقة.
Resistant Starch
عندما يعاد ترتيب بعض سلاسل النشا بعد الطهي والتبريد يمكن أن تتكون تراكيب أكثر مقاومة للإنزيمات.
وتسمى إحدى صورها عادة بالنشا المقاوم الناتج عن إعادة ترتيب النشا المطبوخ.
وتوضح المراجعات الحديثة أن إعادة ترتيب النشا أثناء التخزين يمكن أن تقلل قابلية الأغذية النشوية للهضم، وأن زيادة انتظام سلاسل النشا تجعل وصول الإنزيمات إليها أكثر صعوبة. (PubMed)
لكن الدراسة البشرية الخاصة بالخبز لم تعتمد على قياس مباشر لكمية النشا المقاوم داخل كل شريحة، لذلك لا يصح القول إن كل الانخفاض في سكر الدم حدث بسبب النشا المقاوم وحده.
هناك عوامل أخرى داخل الخبز
قد تؤثر أيضًا التغيرات في:
رطوبة الخبز.
بنية الفتات.
تراص جزيئات النشا.
مقدار الماء المتاح للإنزيمات.
والتغيرات التي تحدث أثناء التحميص.
وتشير مراجعة للدراسات السريرية الخاصة بالخبز إلى أن طريقة التصنيع والتجميد الجزئي والتخزين والبنية الفيزيائية وإعادة ترتيب النشا يمكن جميعها أن تؤثر في الاستجابة للغلوكوز بعد تناول الخبز. (PubMed)
لماذا يستطيع التحميص وحده إحداث فرق؟
التحميص يزيل جزءًا من الماء من سطح الخبز ويعرضه للحرارة مرة أخرى.
تتغير بنية النشا والخبز أثناء هذه العملية، ويصبح الخبز أكثر جفافًا وصلابة.
في الدراسة البشرية انخفضت استجابة الغلوكوز بعد تحميص الخبز الطازج في كل من الخبز المنزلي والتجاري. (PubMed)
إذن التأثير لم يكن مقتصرًا على التجميد.
لكن لا يعني ذلك أن كلما زاد التحميص أصبحت النتيجة أفضل.
إحراق الخبز ليس مطلوبًا
الدراسة استخدمت خبزًا محمصًا بصورة طبيعية، ولم تدرس تحويله إلى اللون الأسود أو حرقه.
فالتحميص الشديد يسبب تفاعلات إضافية غير مرغوبة، ويمكن للأغذية النشوية عند تعرضها لدرجات حرارة مرتفعة حتى الاسمرار الشديد أن تكوّن مزيدًا من الأكريلاميد.
لذلك لا توجد فائدة من حرق الخبز بهدف محاولة خفض استجابة الغلوكوز.
يكفي التحميص المعتاد.
هل يمكن إخراج الخبز من المجمد ووضعه مباشرة في المحمصة؟
من الناحية المنزلية يمكن تحميص كثير من أنواع الخبز مباشرة من المجمد، لكن الدراسة العلمية المحددة استخدمت الخبز بعد التجميد ثم الذوبان ثم التحميص.
لذلك إذا أردنا الالتزام بما اختُبر فعلًا، فإن النتيجة المنشورة تتعلق بهذا الترتيب.
ولا يمكن الجزم بأن التحميص مباشرة من الحالة المجمدة سيعطي النسبة نفسها.
كم بقي الخبز مجمدًا في الدراسة؟
حُفظ الخبز في المجمد ثم أذيب قبل تناوله بحسب بروتوكول الدراسة.
النقطة المهمة ليست وجود فترة سحرية محددة من التجميد، بل حدوث دورة تشمل تجميد الخبز ثم ذوبانه وتغير بنيته.
لا توجد حتى الآن قاعدة منزلية تقول إن يومًا واحدًا أو أسبوعًا أو شهرًا سيعطي استجابة محددة لسكر الدم.
هل يعني ذلك أن الخبز المجمد أصبح منخفض الكربوهيدرات؟
لا.
تجميد الخبز لا يزيل الدقيق أو الكربوهيدرات منه.
الشريحة لا تفقد معظم النشا لمجرد وضعها في المجمد.
الذي يتغير هو بنية جزء من النشا وسرعة وصول الإنزيمات إليه.
لذلك يجب عدم الخلط بين:
كمية الكربوهيدرات الموجودة في الخبز.
وسرعة هضمها وارتفاع سكر الدم الناتج عنها.
ولا يتحول الخبز الأبيض إلى خبز غني بالألياف
تجميد وتحميص الخبز الأبيض لا يجعله مساويًا غذائيًا للخبز المصنوع من الحبوب الكاملة.
فالخبز الكامل يحتوي أصلًا على النخالة والألياف ومكونات الحبوب التي لا توجد بالكميات نفسها في الخبز الأبيض.
طريقة التخزين لا تعوض هذه الاختلافات.
إذا كان الاختيار بين خبز أبيض وخبز غني بالحبوب الكاملة، تبقى تركيبة الدقيق نفسها عاملًا أساسيًا.
هل يستطيع مريض السكري الاعتماد على هذه الطريقة؟
لا ينبغي اعتبارها علاجًا لارتفاع سكر الدم.
الدراسة الأصلية شملت أشخاصًا أصحاء فقط وعددهم عشرة، ولم تكن تجربة علاجية على مرضى السكري. (PubMed)
كما يمكن أن تختلف الاستجابة بدرجة كبيرة حسب:
نوع الخبز.
حجم الحصة.
الأطعمة المصاحبة.
الأدوية.
حساسية الإنسولين.
والاستجابة الفردية للشخص.
لذلك لا ينبغي للشخص المصاب بالسكري زيادة كمية الخبز لأنه جُمد أو حُمص، معتقدًا أن الكربوهيدرات لم تعد مهمة.
ما نأكله مع الخبز يغير النتيجة أيضًا
تناول الخبز وحده ليس مثل تناوله مع:
البيض.
اللبنة أو الجبن.
الخضروات.
زيت الزيتون.
البقوليات.
أو وجبة تحتوي على البروتين والدهون والألياف.
فهذه المكونات يمكن أن تغير سرعة إفراغ المعدة واستجابة الغلوكوز.
ولهذا فإن أرقام الدراسة تخص الخبز في الظروف التي اختُبر فيها، وليست رقمًا ثابتًا لكل سندويشة.
هل إعادة التسخين تلغي التغير الذي حدث أثناء التبريد؟
ليس بالضرورة.
توضح مراجعات الأغذية النشوية أن جزءًا من النشا الذي يصبح أكثر مقاومة بعد التبريد يمكن أن يحتفظ بدرجة من مقاومته بعد إعادة التسخين، بحسب درجة الحرارة وبنية الطعام. (Frontiers)
وهذا يفسر لماذا لم يؤد تحميص الخبز المجمد والمذاب في التجربة إلى إعادة استجابة الغلوكوز إلى مستوى الخبز الطازج.
بل كانت الاستجابة في بعض الحالات أقل.
تجميد الخبز له فائدة أخرى أبسط
بعيدًا عن سكر الدم، يساعد التجميد على تقليل هدر الخبز.
بدل ترك الرغيف عدة أيام حتى يجف أو يتعفن، يمكن تقسيمه إلى شرائح وتجميد الكمية التي لن تؤكل قريبًا.
وبذلك يمكن إخراج العدد المطلوب فقط من الشرائح عند الحاجة.
إذن الطريقة التي قد تغير استجابة النشا لها أيضًا فائدة منزلية واضحة في حفظ الطعام.
طريقة منزلية بسيطة
يمكن شراء الخبز أو تحضيره طازجًا.
إذا كانت هناك كمية لن تؤكل قريبًا، تقسم إلى حصص أو شرائح وتوضع في المجمد داخل عبوة مناسبة.
عند الحاجة يمكن إخراج الشريحة وتركها تذوب، ثم تحميصها تحميصًا عاديًا إذا كان ذلك مناسبًا للوجبة.
لكن لا داعي لتحويل هذه الخطوة إلى قاعدة صحية صارمة.
فالأهم يظل نوع الخبز وكمية ما نأكله وتركيب الوجبة ككل.
المعلومة الأكثر إثارة هنا
يمكن لشريحتين مصنوعتين من الرغيف نفسه أن تعطيا الجسم استجابة مختلفة لمستوى الغلوكوز إذا أكلت إحداهما طازجة، بينما مرت الأخرى بالتجميد والذوبان والتحميص.
فالخبز لا يبقى كيميائيًا وفيزيائيًا ثابتًا منذ لحظة خروجه من الفرن.
جزيئات النشا تستمر في إعادة ترتيب نفسها أثناء التبريد والتخزين، وتستطيع هذه التغيرات الصغيرة غير المرئية أن تؤثر في سرعة تعامل الجهاز الهضمي مع الطعام. (Nature)
المصادر
Burton P, Lightowler HJ. The impact of freezing and toasting on the glycaemic response of white bread. European Journal of Clinical Nutrition. 2008;62:594–599. وهي التجربة البشرية المباشرة التي قارنت الخبز الطازج والمجمد والمحمص والمجمد ثم المحمص لدى عشرة أشخاص أصحاء. (PubMed)
Scazzina F, et al. Bread making technology influences postprandial glucose response: a review of the clinical evidence. مراجعة للدراسات البشرية المتعلقة بتأثير تصنيع الخبز والتخمير والتجميد والبنية في استجابة الغلوكوز. (PubMed)
Geng DH, et al. Effect of starch chain structures on the order, strength, and digestibility of retrograded starch structures: A review. Carbohydrate Polymers. 2026. مراجعة حديثة تشرح كيف تؤدي إعادة ترتيب سلاسل النشا إلى تكوين بنى أكثر انتظامًا وأقل قابلية للهضم. (PubMed)
Wang S, et al. Factors influencing the starch digestibility of starchy foods: A review. Food Chemistry. 2023. توضح المراجعة أن التخزين وإعادة ترتيب النشا يستطيعان تقليل قابلية بعض الأغذية النشوية للهضم. (PubMed)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق