الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026

اكتشاف آلية جديدة قد تساهم في تطور مرض ألزهايمر

 

اكتشاف آلية جديدة قد تساهم في تطور مرض ألزهايمر

نشرت مجلة Nature في 26 أغسطس 2026 دراسة كشفت عن مسار خلوي لم يكن معروفًا بهذا الدور من قبل في مرض ألزهايمر. فقد وجد الباحثون أن ظهورًا غير طبيعي لمستقبل خلوي يسمى ERBB4 داخل نوع معين من الخلايا العصبية قد يساهم في سلسلة من التغيرات التي تشمل فرط نشاط الخلايا العصبية وفقدان الوصلات بينها وتنشيط الخلايا الداعمة في الدماغ وزيادة ترسب الأميلويد، وصولًا إلى تراجع الوظائف المعرفية.

لماذا يعد هذا الاكتشاف مهمًا؟

تركز الكثير من أبحاث ألزهايمر منذ سنوات على تراكم بروتين بيتا أميلويد خارج الخلايا العصبية وتراكم بروتين تاو غير الطبيعي داخلها.

لكن وجود هذه البروتينات لا يفسر وحده جميع التغيرات المعقدة التي تحدث في الدماغ. أحد الأسئلة المهمة هو: ماذا يحدث للخلايا العصبية نفسها في المراحل المبكرة من المرض، وكيف تبدأ الدوائر العصبية بفقدان توازنها؟

فقدان المشابك العصبية، وهي نقاط الاتصال التي تتبادل عبرها الخلايا العصبية المعلومات، يرتبط بقوة بالتدهور المعرفي في ألزهايمر. وتشير الدراسات البشرية أيضًا إلى أن انخفاض كثافة هذه المشابك يرتبط بتراجع الأداء في اختبارات الذاكرة والتفكير.

الدراسة الجديدة تقترح وجود حلقة إضافية في هذه السلسلة، تبدأ داخل الخلايا العصبية الاستثارية نفسها.

ما هو مستقبل ERBB4؟

ERBB4 هو بروتين يوجد على غشاء بعض الخلايا ويعمل كمستقبل للإشارات.

عندما ترتبط به جزيئات معينة، يستطيع إرسال إشارات إلى داخل الخلية وتغيير نشاط مجموعة من المسارات الخلوية. وهو ينتمي إلى عائلة من المستقبلات التي تشارك في تنظيم نمو الخلايا وتمايزها وبقائها واتصالها.

وجود ERBB4 في الدماغ ليس جديدًا بحد ذاته، لكن اللافت في الدراسة هو المكان الذي ظهر فيه.

كان هذا المستقبل معروفًا في الجهاز العصبي بدوره البارز في بعض الخلايا العصبية المثبطة، بينما وجد الباحثون أنه يبدأ بالظهور بصورة غير طبيعية في مجموعة من الخلايا العصبية الاستثارية في نماذج ألزهايمر.

الخلايا العصبية الاستثارية والمثبطة

يمكن تبسيط عمل الشبكات العصبية على أنه توازن مستمر بين إشارات تزيد نشاط الخلايا وإشارات تحد منه.

الخلايا العصبية الاستثارية تساعد على تنشيط الخلايا الأخرى، بينما تعمل الخلايا العصبية المثبطة على كبح النشاط الزائد والمحافظة على استقرار الشبكة.

إذا اختل هذا التوازن وأصبحت بعض الخلايا الاستثارية مفرطة النشاط، قد تبدأ الدوائر العصبية بالعمل بطريقة غير طبيعية.

وهذا ما لفت انتباه الباحثين في الدراسة الجديدة.

ظهور مجموعة غير طبيعية من الخلايا العصبية

استخدم الباحثون تقنية تسمح بدراسة نشاط الجينات داخل أنوية الخلايا بصورة منفردة.

وعند تحليل الحُصين في نماذج فئران ألزهايمر، وجدوا مجموعة من الخلايا العصبية الاستثارية ظهرت في مرحلة مبكرة من المرض وأظهرت نمطًا مختلفًا من التعبير الجيني.

أطلق الباحثون عليها اسم الخلايا العصبية الاستثارية المبكرة الاستجابة.

وكان أحد أكثر التغيرات إثارة للاهتمام فيها ظهور جين ERBB4 بصورة غير معتادة.

ما علاقة بيتا أميلويد بهذا المستقبل؟

قام الباحثون بإدخال تجمعات صغيرة من بيتا أميلويد إلى منطقة الحُصين في أدمغة الفئران.

وخلال يومين ارتفع ظهور ERBB4 داخل الخلايا العصبية الاستثارية.

تشير هذه النتيجة إلى احتمال أن يكون الأميلويد أحد العوامل التي تدفع الخلايا العصبية إلى تشغيل هذا المسار غير الطبيعي.

لكن الدراسة لا تثبت أن الأميلويد هو العامل الوحيد المسؤول عن ظهور ERBB4، وما تزال الآليات الدقيقة التي تتحكم في تشغيل الجين غير معروفة.

ماذا يحدث عندما يرتفع ERBB4؟

وجد الباحثون أن ارتفاع ERBB4 لم يكن مجرد علامة ترافق المرض.

فعندما جعلوا خلايا عصبية استثارية في فئران سليمة تنتج ERBB4 بصورة غير طبيعية، ظهرت مجموعة من التغيرات التي تشبه ما يحدث في ألزهايمر.

أصبحت الخلايا العصبية أكثر قابلية للاستثارة.

تغير التوازن بين الإشارات العصبية الاستثارية والمثبطة.

ازدادت استجابة الخلايا الدبقية.

تغيرت عملية التخلص من المشابك العصبية.

وانخفض عدد بعض المشابك الاستثارية.

واللافت أن بعض هذه التغيرات ظهرت حتى دون وجود لويحات أميلويد في الفئران السليمة التي زيد فيها ERBB4 تجريبيًا.

كيف يمكن أن يؤدي ذلك إلى فقدان المشابك العصبية؟

الدماغ لا يحتوي على الخلايا العصبية فقط.

هناك خلايا داعمة مهمة، منها الخلايا النجمية والخلايا الدبقية الصغيرة. وتشارك هذه الخلايا في مراقبة البيئة المحيطة بالخلايا العصبية والتخلص من بعض المكونات والمشابك عند الحاجة.

وجدت الدراسة أن فرط نشاط الخلايا العصبية المرتبط بـERBB4 كان مصحوبًا بزيادة غير طبيعية في إزالة بعض المشابك الاستثارية بواسطة الخلايا النجمية والخلايا الدبقية الصغيرة.

وهذا يقدم تصورًا مختلفًا قليلًا عن الفكرة التي تضع الالتهاب العصبي دائمًا في بداية العملية.

وفق النموذج المقترح في الدراسة، قد يبدأ جزء من المشكلة داخل الخلايا العصبية الاستثارية نفسها، ثم يؤدي اضطراب نشاطها إلى دفع الخلايا الدبقية نحو استجابات غير طبيعية، فتزداد خسارة المشابك العصبية.

ماذا حدث عندما أوقف الباحثون ERBB4؟

كانت هذه واحدة من أهم مراحل الدراسة.

استخدم الباحثون تعديلًا جينيًا موجّهًا لخفض ERBB4 في الخلايا العصبية الاستثارية في منطقة الحُصين لدى فئران تحمل تغيرات شبيهة بألزهايمر.

بعد خفض ERBB4 حدثت عدة تغيرات إيجابية تجريبية.

انخفض فرط نشاط الخلايا العصبية الاستثارية.

تحسن التوازن في التخلص من المشابك العصبية.

تراجعت علامات نشاط الخلايا الدبقية غير الطبيعي.

انخفضت كمية لويحات بيتا أميلويد.

وتحسن أداء الفئران في مجموعة من الاختبارات المرتبطة بالذاكرة والتعلم.

كما كرر الباحثون جانبًا من التجربة في نموذج آخر لألزهايمر، ووجدوا تحسنًا في الاختبارات السلوكية بعد خفض ERBB4.

هذه النتائج لا تعني أن تعطيل ERBB4 أصبح علاجًا لألزهايمر، لأنها جاءت أساسًا من تجارب حيوانية وليست تجربة علاجية على المرضى.

المسار الثاني المهم: mTOR

بحث العلماء بعد ذلك عن الطريقة التي يحول بها ERBB4 الإشارة إلى تغيرات واسعة داخل الخلية.

ووجدوا أن جزءًا مهمًا من التأثير يمر عبر مسار خلوي يعرف باسم mTOR.

هذا المسار يساعد الخلية عادة في التحكم بالنمو والاستقلاب وصنع البروتينات والاستجابة للظروف المحيطة.

لكن النشاط غير المتوازن لهذا المسار يمكن أن يغير سلوك الخلايا العصبية.

عندما خفض الباحثون نشاط أحد المكونات الضرورية لمسار mTOR داخل الخلايا العصبية، تقلصت عدة آثار مرتبطة بـERBB4، بما في ذلك فرط النشاط العصبي واضطراب المشابك وتنشيط الخلايا الدبقية وتراكم الأميلويد.

كما أن تعطيل هذا المسار منع ERBB4 الزائد من إحداث عدد من التغيرات المرضية في الفئران السليمة.

وهكذا تقترح الدراسة وجود محور مرضي يمكن تبسيطه كالتالي:

ارتفاع غير طبيعي في ERBB4 داخل الخلية العصبية الاستثارية يؤدي إلى تنشيط مفرط لمسار mTOR، ثم تتغير قابلية الخلية للاستثارة وتضطرب الشبكة العصبية، ويحدث تغير في تفاعل الخلايا الدبقية والمشابك.

هل وجد الباحثون الظاهرة نفسها لدى البشر؟

هذه النقطة مهمة لأن النتائج التي تظهر في الفئران لا تنتقل تلقائيًا إلى الإنسان.

لذلك فحص الباحثون أنسجة دماغ بشرية، ووجدوا ارتفاعًا في إشارات ERBB4 داخل الخلايا العصبية الاستثارية لدى مرضى ألزهايمر مقارنة بأشخاص لم يكونوا مصابين بالخرف.

ثم استخدموا بيانات من دراسة بشرية كبيرة تضمنت 446 مشاركًا، وحللوا الخلايا العصبية الاستثارية في القشرة الجبهية.

وجدوا مجموعات من الخلايا ذات مستويات مرتفعة من ERBB4، وكانت وفرة هذه الخلايا مرتبطة بزيادة شدة لويحات الأميلويد وبأداء معرفي أسوأ.

كما استخدم الباحثون نماذج إحصائية لدراسة العلاقة المحتملة بين ERBB4 والأميلويد وتاو والتراجع المعرفي.

دعمت النتائج وجود علاقة محتملة يصبح فيها ERBB4 جزءًا من سلسلة تربط اضطراب الخلايا العصبية بتراكم الأميلويد وانتشار تغيرات تاو والتراجع المعرفي.

لكن هذه التحليلات البشرية تكشف العلاقات والارتباطات ولا تستطيع وحدها إثبات أن ERBB4 يسبب مرض ألزهايمر لدى الإنسان.

حلقة مرضية قد تغذي نفسها

أحد أكثر الجوانب إثارة في الدراسة هو اقتراح وجود حلقة متبادلة بين الأميلويد وERBB4.

فالأميلويد قد يحفز ظهور ERBB4 بصورة غير طبيعية في الخلايا العصبية.

وفي الاتجاه الآخر، يؤدي ERBB4 إلى تغيرات داخل الخلايا يمكن أن تساعد على زيادة العمليات المرتبطة بتراكم الأميلويد.

بهذا يمكن أن تتحول العملية إلى حلقة تغذي نفسها مع تقدم المرض.

وهذا قد يساعد على تفسير سبب صعوبة إيقاف بعض التغيرات العصبية بعد أن يصبح المرض متقدمًا، حتى عندما تنخفض كمية الأميلويد. إلا أن هذه الفرضية ما تزال بحاجة إلى اختبار أوسع لدى البشر.

هل أصبح ERBB4 هدفًا علاجيًا جديدًا؟

يمكن وصفه حاليًا بأنه هدف بحثي محتمل، وليس علاجًا مثبتًا.

فالنتائج التجريبية قوية بما يكفي لجعل الباحثين ينظرون إلى ERBB4 ومساره اللاحق بوصفهما اتجاهًا يستحق مزيدًا من الدراسة.

لكن تحويل ذلك إلى علاج للبشر أكثر تعقيدًا.

ERBB4 ليس بروتينًا ضارًا في جميع الظروف. فهو يؤدي وظائف طبيعية مهمة في الجهاز العصبي وأعضاء أخرى، ولذلك فإن إيقافه بصورة عامة قد تكون له آثار غير مرغوبة.

التحدي سيكون معرفة ما إذا كان من الممكن استهداف النشاط غير الطبيعي للمستقبل داخل مجموعة محددة من الخلايا العصبية وفي مرحلة مناسبة من المرض دون تعطيل وظائفه الطبيعية.

ما حدود الدراسة؟

معظم التجارب التي أثبتت العلاقة السببية أُجريت في نماذج فئران تحمل تغيرات مرتبطة بالأميلويد.

أما البيانات البشرية فقد دعمت وجود ERBB4 غير الطبيعي وعلاقته بالمؤشرات المرضية، لكنها لم تكن تجربة علاجية.

كما لم يحدد الباحثون حتى الآن جميع الإشارات التي تؤدي إلى ظهور ERBB4 داخل الخلايا الاستثارية.

ولا يزال من غير المعروف ما إذا كانت الآلية نفسها تلعب الدور ذاته في جميع أشكال ألزهايمر أو في جميع مراحل المرض.

وأشار الباحثون أيضًا إلى ضرورة اختبار هذه الخلايا في أمراض تنكسية عصبية أخرى، خاصة أن تحليلات أولية لديهم وجدت أنماطًا مشابهة مرتبطة بارتفاع ERBB4 في بعض الأمراض العصبية الأخرى.

ما الذي تغيره هذه الدراسة في فهم ألزهايمر؟

الأهمية الأساسية للدراسة ليست أنها وجدت علاجًا جديدًا، بل أنها تحول جزءًا من الاهتمام نحو حالة الخلية العصبية نفسها في بداية المرض.

فقد لا تكون الخلية العصبية مجرد ضحية لتراكم الأميلويد والالتهاب المحيط بها.

قد تدخل بعض الخلايا مبكرًا في حالة غير طبيعية يصبح فيها ERBB4 نشطًا في المكان الخطأ، فيتغير نشاطها الكهربائي وتؤثر في المشابك والخلايا الدبقية والأميلويد، ثم تتوسع سلسلة الاضطرابات داخل الشبكة العصبية.

إذا أكدت الدراسات البشرية المستقبلية هذه الآلية، فقد يضيف ذلك هدفًا جديدًا لفهم المراحل المبكرة من ألزهايمر ومحاولة التدخل قبل حدوث فقدان واسع وغير قابل للعكس للمشابك العصبية.

المصادر

Nature
Aberrant excitatory neuronal ERBB4 promotes Alzheimer’s disease pathology
26 أغسطس 2026

National Institute on Aging
Imaging technique shows Alzheimer’s impact on brain connections

National Institute on Aging
Taking a deep dive into the Alzheimer’s brain in search of understanding and new targets

PubMed Central
ErbB4 in the brain: Focus on high grade glioma



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق