شلل النوم: لماذا يستيقظ العقل بينما يبقى الجسد نائمًا؟
قد يستيقظ الإنسان ليلًا ويفتح عينيه، ويكون واعيًا تمامًا لما حوله، لكنه يكتشف أنه لا يستطيع تحريك يده أو قدمه، ولا يستطيع الكلام أو الصراخ.
ثم قد يحدث الأمر الأكثر رعبًا.
يشعر بأن شخصًا يقف في الغرفة.
أو يرى ظلًا قرب السرير.
أو يسمع أصواتًا وهمسات.
أو يشعر بضغط قوي فوق صدره وكأن شيئًا يمنعه من التنفس.
وبعد ثوانٍ أو دقائق قليلة يختفي كل شيء فجأة ويستعيد الإنسان القدرة على الحركة.
هذه التجربة التي فسرتها ثقافات كثيرة قديمًا بالأرواح أو الكائنات الخارقة لها اسم علمي معروف:
Sleep Paralysis
شلل النوم.
والأغرب أن ما يحدث خلال هذه اللحظات يمثل حالة غير معتادة يكون فيها جزء من الدماغ مستيقظًا بينما لا تزال بعض أنظمة الجسم تعمل كما لو أن الإنسان داخل الحلم.
ماذا يحدث لنا عندما نحلم؟
يمر النوم بعدة مراحل، ومن أهمها مرحلة ترتبط بالأحلام الحية وتعرف بمرحلة حركة العين السريعة.
REM Sleep
خلال هذه المرحلة يكون الدماغ نشطًا بصورة ملحوظة.
قد تتحرك العينان بسرعة.
وقد تظهر أحلام شديدة الوضوح.
لكن الجسم يفعل شيئًا مهمًا للغاية.
يخفض الدماغ نشاط معظم العضلات الإرادية بصورة شديدة.
وتعرف هذه الحالة باسم ارتخاء العضلات أثناء النوم.
REM Atonia
ويمكن اعتبارها آلية حماية.
فإذا حلم الإنسان بأنه يركض أو يقاتل أو يقفز، لا ينفذ الجسم عادة تلك الحركات بالفعل.
يبقى معظم الجسم ساكنًا بينما تحدث الحركة داخل الحلم فقط.
المشكلة تبدأ عندما يستيقظ الوعي قبل العضلات
في شلل النوم لا تنتقل جميع أنظمة الدماغ من النوم إلى اليقظة في اللحظة نفسها.
يعود الوعي أولًا.
يفهم الشخص أنه موجود في غرفته.
قد يرى السرير والجدار والباب.
لكنه يظل للحظات تحت تأثير الشلل العضلي المرتبط بمرحلة الأحلام.
أي أن العقل وصل جزئيًا إلى حالة اليقظة، بينما الجسم لم يغادر بعد الآلية التي تمنعه من الحركة خلال الحلم.
وهذا يفسر السؤال الذي يحير من يمر بالتجربة:
أنا مستيقظ، فلماذا لا أستطيع الحركة؟
لأن الاستيقاظ ليس مفتاحًا واحدًا يعمل في كل الدماغ دفعة واحدة. (pubmed.ncbi.nlm.nih.gov)
لكن لماذا يرى البعض شخصًا داخل الغرفة؟
هنا يصبح شلل النوم أكثر غرابة.
يمكن أن تبقى بعض خصائص الحلم مستمرة أثناء عودة الوعي.
فتظهر صور أو أصوات أو إحساسات لا تأتي من البيئة الحقيقية، رغم أن الشخص يشعر بأنه مستيقظ.
هذه الظواهر تسمى هلوسات مرتبطة بالنوم.
Sleep-Related Hallucinations
وقد تكون بصرية أو سمعية أو جسدية.
لذلك قد يرى الشخص هيئة بشرية لم تكن موجودة.
أو يسمع خطوات.
أو يشعر بأن شخصًا لمس جسده.
والمشكلة أن المشهد الحقيقي للغرفة قد يختلط بعناصر الحلم.
فيصبح الشخص بالفعل يرى غرفته، لكنه يرى معها شيئًا أنتجه الدماغ.
ولهذا تبدو التجربة حقيقية بدرجة استثنائية. (pubmed.ncbi.nlm.nih.gov)
لماذا يكون الكائن الذي يراه الناس مخيفًا غالبًا؟
وصف كثير من المصابين شعورًا بوجود شخص أو كائن قريب منهم.
ويعرف هذا النمط أحيانًا باسم:
Intruder Hallucination
أي هلوسة الدخيل.
لا يرى الجميع شيئًا، لكن عند حدوثها قد يشعر الشخص أن هناك وجودًا غريبًا في الغرفة، حتى قبل أن يرى هيئة واضحة.
أحد التفسيرات المقترحة أن الدماغ يكون خلال شلل النوم في حالة غير طبيعية تجمع بين الخوف واليقظة الجزئية ومحتوى الأحلام.
والإنسان في الوقت نفسه عاجز عن الحركة.
عدم القدرة على الحركة في موقف يبدو خطرًا قد يرفع الإحساس بالخوف والمراقبة.
ثم يحاول الدماغ تفسير هذا الخوف.
فتظهر فكرة أن هناك شخصًا أو تهديدًا قريبًا.
وقد بيّنت المراجعات العلمية أن الشعور بوجود شخص غريب من الظواهر المعروفة المرتبطة بشلل النوم، وليس تجربة نادرة خاصة بثقافة واحدة. (pmc.ncbi.nlm.nih.gov)
ولماذا يشعر البعض بأن شيئًا يجلس فوق صدرهم؟
هذا أيضًا من أشهر أوصاف شلل النوم.
يعرف أحيانًا باسم:
Incubus Phenomenon
يشعر الإنسان بثقل على الصدر، أو صعوبة في التنفس، أو وجود شيء يضغط عليه.
أحد أسباب هذا الإحساس أن التنفس خلال مرحلة حركة العين السريعة يختلف عن حالة اليقظة، بينما تكون بعض العضلات في حالة ارتخاء.
وعندما يصبح الشخص واعيًا ولا يستطيع الحركة، قد يبدأ بمراقبة تنفسه بصورة شديدة.
القلق والخوف يزيدان الإحساس بضيق التنفس.
ثم يفسر الدماغ هذا الشعور بطريقة تتناسب مع الحلم أو الخوف الموجود في اللحظة.
فينشأ الإحساس بأن شيئًا خارجيًا يضغط على الصدر.
ورغم أن التجربة قد تكون مرعبة، فإن شلل النوم المعزول في معظم الحالات لا يعني أن التنفس توقف فعليًا.
هل يمكن أن يشعر الإنسان بأنه خرج من جسده؟
نعم.
هناك نمط ثالث مثير للاهتمام من تجارب شلل النوم يتضمن إحساسات غريبة بالحركة.
قد يشعر الشخص بأنه يطفو فوق السرير.
أو يسقط.
أو يتحرك في الغرفة رغم أن جسده لم يتحرك.
وقد يشعر بأنه ينظر إلى نفسه من مكان آخر.
ترتبط هذه التجارب على الأرجح باضطراب مؤقت في الطريقة التي يدمج بها الدماغ المعلومات المتعلقة بموقع الجسم والحركة والتوازن.
فالدماغ في تلك اللحظة يتلقى معلومات متناقضة.
الوعي يقول إن الشخص مستيقظ.
الجسم لا يتحرك.
وبعض أنظمة الحلم ما تزال نشطة.
وقد ينتج عن هذا الخليط إحساس شديد الغرابة بمكان الجسد.
لماذا كان الناس قديمًا يعتقدون أن كائنًا يهاجمهم؟
قبل معرفة مراحل النوم لم يكن من السهل تفسير تجربة من هذا النوع.
تخيل إنسانًا قبل مئات السنين.
يستيقظ ليلًا.
لا يستطيع الحركة.
يشعر بضغط فوق صدره.
يرى هيئة قرب فراشه.
ثم تختفي فجأة.
من الطبيعي أن يبحث عن تفسير يتناسب مع ثقافته.
ولهذا ظهرت في مناطق مختلفة من العالم روايات عن أرواح أو شياطين أو مخلوقات ليلية تجلس على صدر النائم.
واللافت أن تفاصيل القصة تختلف من ثقافة إلى أخرى، لكن جوهر التجربة متشابه بصورة كبيرة.
العجز عن الحركة.
الخوف.
وجود شخص أو كائن.
وأحيانًا الضغط على الصدر.
وقد أشار الباحثون منذ سنوات إلى أن شلل النوم يظهر بصورة واضحة في التراث الشعبي لثقافات متعددة. (pubmed.ncbi.nlm.nih.gov)
كم شخصًا يمر بهذه التجربة؟
ربما أكثر مما نتوقع.
تحليل منهجي واسع نُشر عام 2024 جمع نتائج 76 دراسة من 25 دولة وضم أكثر من 167 ألف مشارك.
وجد الباحثون أن نحو 30 بالمئة من المشاركين أبلغوا عن تجربة شلل النوم، مع وجود اختلافات كبيرة جدًا بين الدراسات والمجتمعات.
وهذا الرقم لا يعني بالضرورة أن 30 بالمئة من جميع البشر سيصابون باضطراب متكرر؛ فالدراسات اختلفت كثيرًا في طريقة اختيار المشاركين وتعريف الحالة.
لكنها تؤكد أن التجربة ليست نادرة.
كما وجد التحليل أن معظم الحالات لم تتضمن هلوسات، بينما أبلغ جزء من المشاركين عن هلوسات بصرية وسمعية معًا. (pubmed.ncbi.nlm.nih.gov)
لماذا يحدث شلل النوم لبعض الأشخاص أكثر من غيرهم؟
لا يوجد سبب واحد.
لكن هناك عوامل ارتبطت بزيادة حدوثه في الدراسات.
من أهمها اضطراب مواعيد النوم.
وقلة النوم.
والحرمان من النوم.
والتوتر.
وقد يظهر كذلك لدى المصابين ببعض اضطرابات النوم.
ومن أشهرها مرض النوم القهري.
Narcolepsy
لكن الإنسان يمكن أن يعاني شلل النوم دون أن يكون مصابًا بأي اضطراب آخر.
وعندما يحدث بصورة مستقلة يسمى أحيانًا شلل النوم المعزول.
هل النوم على الظهر يزيده؟
توجد دراسات وتقارير تشير إلى أن النوم على الظهر قد يرتبط بزيادة احتمال حدوث شلل النوم عند بعض الأشخاص.
لكن الأمر ليس قاعدة مطلقة.
فيمكن أن تحدث التجربة في أوضاع أخرى أيضًا.
والأهم عادة هو انتظام النوم والحصول على قدر كافٍ منه، خصوصًا لدى الأشخاص الذين يلاحظون تكرار الحالة بعد السهر أو اضطراب جدول النوم.
لماذا يبدو الوقت طويلًا جدًا؟
قد تستمر التجربة فترة قصيرة، لكن الشخص قد يشعر بأنها أطول بكثير.
الخوف يغير إدراك الزمن.
وعندما يكون الإنسان عاجزًا عن الحركة ويراقب كل ثانية منتظرًا استعادة السيطرة على جسمه، تبدو اللحظات أطول.
أضف إلى ذلك أن الشخص يكون في حالة انتقالية بين الحلم واليقظة، حيث قد يكون إدراك الزمن مختلفًا أصلًا.
لذلك قد يتذكر الإنسان تجربة قصيرة وكأنها استمرت فترة طويلة.
هل يمكن الموت أثناء شلل النوم؟
شلل النوم المعزول في حد ذاته يعد عادة حالة حميدة، رغم أنه قد يكون مخيفًا للغاية.
لا يعني عدم القدرة على تحريك الجسم أن القلب توقف أو أن الإنسان يحتضر.
كما أن العضلات الأساسية التي يحتاج إليها الجسم للاستمرار في التنفس لا تتوقف بالطريقة التي يتخيلها الشخص أثناء الخوف.
لكن إذا كانت التجربة تتكرر بكثرة، أو يصاحبها نعاس شديد جدًا خلال النهار، أو نوبات نوم مفاجئة، أو أعراض أخرى غير معتادة، فقد يكون من المفيد تقييم الأمر طبيًا لاستبعاد اضطرابات نوم أخرى. (pmc.ncbi.nlm.nih.gov)
لماذا لا نستطيع الصراخ؟
الكلام يعتمد على تنسيق دقيق لمجموعة من العضلات.
وفي شلل النوم لا تكون السيطرة الإرادية على العضلات قد عادت بالكامل.
قد يحاول الشخص الصراخ، لكنه لا يستطيع إنتاج الصوت الذي يتوقعه.
أحيانًا يستطيع إصدار صوت ضعيف أو تحريك جزء صغير من الجسم قبل عودة الحركة الطبيعية.
ثم تنتهي حالة الشلل عندما ينتقل الدماغ بصورة كاملة إلى اليقظة.
هل يمكن إنهاء النوبة بنفسك؟
لا توجد طريقة مضمونة لإنهائها في اللحظة نفسها، لكنها تنتهي عادة تلقائيًا.
ويذكر بعض الأشخاص أن التركيز على تحريك جزء صغير من الجسم، مثل إصبع أو أصابع القدم، يساعدهم.
والأهم لمن يعرف أنه يعاني هذه الظاهرة هو إدراك ما يحدث.
فإذا استيقظ الشخص وهو عاجز عن الحركة وكان يعرف مسبقًا أن هذه حالة نوم مؤقتة، قد ينخفض مستوى الخوف.
أما من يمر بها للمرة الأولى ولا يعرف تفسيرها فقد يظن أنه يختنق أو أن شخصًا موجود فعلًا في الغرفة.
وهنا تلعب المعرفة العلمية دورًا كبيرًا في تغيير التجربة.
لماذا نتذكر شلل النوم بوضوح أكثر من الأحلام؟
الأحلام العادية تحدث غالبًا أثناء النوم ثم تتلاشى ذكرياتها سريعًا.
أما في شلل النوم فالشخص يكون قريبًا جدًا من اليقظة أو مستيقظًا جزئيًا.
الغرفة حقيقية.
السرير حقيقي.
الأصوات الخارجية قد تكون حقيقية.
ثم يضيف الدماغ إلى هذه البيئة عنصرًا هلوسيًا.
لهذا لا يشعر الإنسان بأنه يتذكر حلمًا.
بل يتذكر حدثًا يعتقد أنه وقع أمام عينيه وهو مستيقظ.
وهذا أحد أسباب قوة القصص المرتبطة بشلل النوم عبر التاريخ.
أغرب ما في شلل النوم ليس العجز عن الحركة
الأكثر إثارة هو أنه يكشف أن النوم واليقظة ليسا حالتين منفصلتين تمامًا.
يمكن لبعض خصائص النوم أن تبقى بينما عاد جزء من الوعي.
ويمكن للحلم أن يتداخل مع غرفة حقيقية.
ويمكن للدماغ أن يخلق شخصًا يبدو موجودًا أمامك بينما لا يوجد أحد.
ويمكن أن تشعر أن جسدك لا ينتمي إليك لبضع لحظات.
ثم، بمجرد أن تكتمل عملية الاستيقاظ، يختفي كل ذلك.
شلل النوم يبين لنا أن إحساسنا اليومي بالواقع يعتمد على عملية دماغية دقيقة جدًا.
فحين تختلط مرحلة واحدة من النوم مع بضع ثوانٍ من اليقظة، يستطيع الدماغ أن يصنع واحدة من أكثر التجارب واقعية ورعبًا التي قد يمر بها الإنسان دون أن يكون أي شيء مخيف موجودًا فعلًا في الغرفة.
المصادر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق