الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026

الشوكولاتة الداكنة وشبكية العين: هل يستطيع الكاكاو تحسين استجابة الأوعية الدقيقة داخل العين؟

 

الشوكولاتة الداكنة وشبكية العين: هل يستطيع الكاكاو تحسين استجابة الأوعية الدقيقة داخل العين؟

عندما نتحدث عن فوائد الشوكولاتة الداكنة، تتكرر عادة موضوعات القلب وضغط الدم والمزاج.

لكن دراسة بشرية حديثة نُشرت عام 2024 بحثت سؤالًا مختلفًا جدًا:

ماذا يحدث للأوعية الدموية الدقيقة الموجودة داخل شبكية العين بعد تناول كمية صغيرة من الشوكولاتة الداكنة الغنية بالكاكاو؟

النتيجة كانت مثيرة للاهتمام.

بعد تناول الشوكولاتة الداكنة أصبحت شرايين الشبكية أكثر قدرة على التوسع استجابة لحاجة الشبكية المفاجئة إلى مزيد من الدم، بينما لم يظهر التأثير نفسه بعد تناول شوكولاتة الحليب. ومع ذلك لم تزد كمية الدم المقاسة داخل الشعيرات الشبكية بصورة واضحة، ولم تثبت الدراسة أن الشوكولاتة تحسن النظر أو تمنع أمراض العين.

وهذا يجعل الموضوع أكثر دقة من العبارة المعتادة "الشوكولاتة مفيدة للعين".

السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت مركبات الكاكاو تساعد الأوعية الدقيقة في الشبكية على الاستجابة بصورة أفضل عندما يزداد نشاطها.

ما هي شبكية العين؟

شبكية العين طبقة رقيقة جدًا توجد في الجزء الخلفي من العين.

يمكن تشبيهها بحساس الكاميرا.

فالضوء الذي يدخل العين يصل إليها، ثم تحوله خلايا متخصصة إلى إشارات عصبية تنتقل إلى الدماغ حتى نتمكن من رؤية الصورة.

هذه العملية تحتاج إلى كمية مستمرة من الطاقة والأكسجين.

ولهذا تعتمد الشبكية على شبكة دقيقة جدًا من الأوعية الدموية التي توصل إليها الدم.

وأي اضطراب طويل الأمد في هذه الأوعية يمكن أن يكون مهمًا في أمراض مثل اعتلال الشبكية الناتج عن السكري وارتفاع ضغط الدم. كما تعتبر أوعية الشبكية نافذة فريدة تسمح للباحثين برؤية الدورة الدموية الدقيقة مباشرة دون جراحة.

ما الذي يجعل أوعية الشبكية مختلفة ومهمة؟

معظم الأوعية الدقيقة الموجودة داخل أعضاء الجسم لا يمكن رؤيتها مباشرة.

لا يستطيع الطبيب مثلًا النظر بسهولة إلى الشعيرات الدقيقة داخل عضلة القلب أو الدماغ.

أما في العين، فيمكن تصوير الأوعية الصغيرة وهي تعمل داخل الجسم.

ولهذا أصبحت شبكية العين نموذجًا مهمًا لدراسة صحة الأوعية الدقيقة.

وقد وجدت دراسات أن اضطرابات الأوعية الشبكية ترتبط بالسكري وارتفاع ضغط الدم والسمنة وبعض أمراض القلب والأوعية الدموية.

وهذا أحد الأسباب التي جعلت الباحثين يسألون:

إذا كانت مركبات الكاكاو تستطيع تحسين وظيفة الأوعية في أجزاء أخرى من الجسم، فهل يمكن رؤية تأثير مشابه داخل الشبكية؟

لماذا اختار الباحثون الشوكولاتة الداكنة؟

السبب ليس السكر أو الدهون الموجودة في الشوكولاتة.

الاهتمام الأساسي يتركز على مجموعة من المركبات النباتية الموجودة في الكاكاو تسمى الفلافانولات.

تستطيع هذه المركبات التأثير في بطانة الأوعية الدموية، وهناك أدلة سابقة على قدرتها على زيادة إنتاج أكسيد النيتريك، وهو جزيء يساعد العضلات الموجودة في جدار بعض الأوعية على الاسترخاء، فتتوسع الأوعية بصورة أفضل.

وكلما ارتفعت نسبة الكاكاو في المنتج، يمكن أن تكون كمية هذه المركبات أكبر، رغم أن الكمية الفعلية تختلف كثيرًا بين المنتجات وطريقة معالجة حبوب الكاكاو.

ماذا فعل الباحثون في دراسة 2024؟

أجريت الدراسة على 20 شخصًا أصحاء.

كان متوسط أعمارهم حوالي:

24 سنة.

وشاركت فيها 12 امرأة.

لم يكن المشاركون مصابين بأمراض في الشبكية أو بارتفاع ضغط الدم.

وأُجريت الدراسة بطريقة تبادلية.

أي أن الشخص نفسه جرب النوعين في مناسبتين مختلفتين.

في إحدى الزيارتين تناول:

20 غرامًا من الشوكولاتة الداكنة.

وكانت تحتوي على أكثر من 90 بالمئة من الكاكاو ونحو:

400 ملغ من الفلافانولات.

وفي زيارة أخرى بعد أسبوع تناول:

7.5 غرام من شوكولاتة الحليب

التي كانت تحتوي على حوالي 30 بالمئة من الكاكاو.

وبهذه الطريقة يستطيع الباحثون مقارنة استجابة العين للشوكولاتة الداكنة واستجابتها لشوكولاتة الحليب داخل الأشخاص أنفسهم.

لماذا كانت الكميات مختلفة؟

اعتمد الباحثون الكميات المستخدمة على دراسة سابقة في المجال.

وكان الهدف توفير جرعة غنية بالفلافانولات من الشوكولاتة الداكنة ومقارنتها بمنتج أقل بكثير في محتواه من الكاكاو.

لذلك لا ينبغي تفسير الدراسة على أنها تقول إن 20 غرامًا هي "الجرعة اليومية المثالية للعين".

هي ببساطة الكمية التي اختبرها الباحثون في هذه التجربة.

متى فُحصت العين؟

أُجريت الفحوصات قبل تناول الشوكولاتة.

ثم أعيدت بعد:

ساعتين فقط.

كما طلب الباحثون من المشاركين تجنب الكافيين والكحول والتدخين ومنتجات الحليب لمدة 24 ساعة قبل الاختبار لتقليل تأثير العوامل الأخرى على الأوعية.

إذن الدراسة بحثت تأثيرًا قصير المدى جدًا.

لم تكن دراسة استمرت أشهرًا أو سنوات.

كيف يمكن معرفة إن كانت أوعية الشبكية تعمل بصورة أفضل؟

استخدم الباحثون اختبارًا مثيرًا للاهتمام.

عُرض ضوء وامض أمام العين.

عندما ترى الشبكية الضوء المتغير بسرعة، يزداد نشاط خلاياها العصبية.

وهذه الخلايا تحتاج حينها إلى مزيد من الأكسجين والطاقة.

لذلك من المفترض أن تتوسع بعض الأوعية الدموية لإيصال مزيد من الدم إلى المنطقة النشطة.

ويستطيع جهاز خاص قياس مقدار اتساع الشريان لحظة بلحظة.

يمكن تشبيه الأمر باختبار مجهود للأوعية

تخيل أن لديك طريقًا صغيرًا يصل إلى مصنع.

عندما يزيد إنتاج المصنع فجأة، يجب أن تصل إليه شاحنات أكثر.

في الحالة الطبيعية يتسع الطريق بصورة مؤقتة ليسمح بمرور المزيد.

الشيء نفسه تقريبًا يحدث في الشبكية.

عندما يزداد نشاط خلاياها بسبب الضوء، يجب أن تستجيب الأوعية بزيادة تدفق الدم.

ولذلك فإن قدرة الشريان على التوسع عند الحاجة تعطي الباحثين معلومة عن مرونة واستجابة الأوعية الدقيقة.

ماذا حدث بعد الشوكولاتة الداكنة؟

قبل تناول الشوكولاتة الداكنة بلغ متوسط توسع الشريان استجابة للضوء الومضي نحو:

2.75 بالمئة.

بعد ساعتين من تناول الشوكولاتة الداكنة ارتفع المتوسط إلى نحو:

4.15 بالمئة.

وكان الفرق ذا دلالة إحصائية.

أي أن شرايين الشبكية أصبحت تستجيب بصورة أكبر عندما احتاجت الشبكية إلى زيادة مؤقتة في إمدادها بالدم.

وماذا حدث بعد شوكولاتة الحليب؟

لم يظهر التحسن نفسه.

لم يكن التغير في قدرة الشريان على التوسع بعد تناول شوكولاتة الحليب ذا دلالة إحصائية.

وهذا يدعم احتمال أن يكون الاختلاف مرتبطًا بارتفاع كمية مركبات الكاكاو في الشوكولاتة الداكنة، وليس بمجرد تناول الشوكولاتة أو السكر أو السعرات الحرارية.

لكن الدراسة لا تستطيع إثبات أن الفلافانولات وحدها هي المسؤولة.

هل اتسعت الأوردة أيضًا؟

ظهر اتجاه نحو زيادة توسع الأوردة بعد الشوكولاتة الداكنة.

ارتفع المتوسط من حوالي:

3.27 بالمئة

إلى:

4.47 بالمئة.

لكن الفرق لم يصل إلى مستوى يسمح للباحثين باعتباره نتيجة مؤكدة إحصائيًا.

وكان التأثير الأكثر وضوحًا إذن في الشرايين.

لماذا قد تستجيب الشرايين أكثر من الأوردة؟

تحتوي جدران الشرايين على عضلات ملساء تساعدها على تغيير قطرها بصورة أكثر وضوحًا.

واقترح الباحثون أن زيادة إنتاج أكسيد النيتريك بعد تناول مركبات الكاكاو قد تسمح لهذه العضلات بالاسترخاء، فيصبح الشريان أكثر قدرة على التوسع عند زيادة نشاط الشبكية.

أما الأوردة والشعيرات الدقيقة فلها تركيب مختلف، ولذلك قد لا تكون الاستجابة بالقوة نفسها.

ما هو أكسيد النيتريك؟

هو جزيء صغير يصنعه الجسم بصورة طبيعية داخل بطانة الأوعية.

إحدى وظائفه المهمة هي إرسال إشارة إلى العضلات المحيطة بالشريان لكي تسترخي.

عندما تسترخي العضلات:

يتسع الوعاء.

وتقل مقاومة مرور الدم.

ويصبح بإمكان كمية أكبر من الدم الوصول إلى النسيج عند الحاجة.

وتشير دراسات الكاكاو إلى أن الفلافانولات قد تساعد على زيادة هذا المسار داخل الأوعية.

لكن الباحثين أجروا اختبارًا ثانيًا وكانت النتيجة مختلفة

لم يعتمد العلماء على قياس توسع الشريان فقط.

استخدموا أيضًا تصويرًا دقيقًا جدًا يسمح بتقدير كثافة الدم الموجود داخل شبكات الأوعية الدقيقة في الشبكية والمشيمية.

وهنا لم يجدوا زيادة واضحة بعد تناول الشوكولاتة الداكنة.

لم تختلف كثافة التروية بصورة ذات دلالة في الشبكات التي تم فحصها.

وهذا يبدو للوهلة الأولى متناقضًا مع نتيجة توسع الشرايين.

لكنه في الحقيقة يقيس شيئًا مختلفًا.

ما الفرق بين استجابة الوعاء وكمية الدم الظاهرة في الصورة؟

اختبار الضوء الومضي يسأل:

هل يستطيع الشريان أن يتوسع بصورة مناسبة عندما تزداد حاجة الشبكية؟

أما تصوير الأوعية فيسأل بصورة أكبر:

هل حدث تغير قابل للقياس في كثافة الدم داخل الشبكة الوعائية خلال الفحص؟

يمكن أن تتحسن مرونة الشريان واستجابته المؤقتة دون أن يحدث تغير كبير بما يكفي في الكثافة العامة للأوعية ليظهر في الصورة.

ولهذا وجد الباحثون تحسنًا وظيفيًا، لكن لم يجدوا تغيرًا واضحًا في البنية أو التروية المقاسة بالتصوير.

وهذه ليست أول دراسة على الشوكولاتة وشبكية العين

هنا تصبح القصة أكثر أهمية.

النتائج السابقة لم تكن متفقة تمامًا.

دراسة عشوائية منشورة عام 2019 أعطت المشاركين 20 غرامًا من الشوكولاتة الداكنة التي تحتوي على نحو 400 ملغ من الفلافانولات، ثم قارنتها بشوكولاتة الحليب.

لم تجد الدراسة تحسنًا واضحًا في كثافة تدفق الدم في الشبكية.

ولم تجد أيضًا فرقًا واضحًا في حدة النظر أو حساسية التباين.

ودراسة أخرى عام 2020 لم تجد زيادة في تدفق الدم أيضًا

شارك فيها 18 شخصًا أصحاء.

تناول المشاركون في إحدى الجلسات 100 غرام من الشوكولاتة الداكنة وفي جلسة أخرى 100 غرام من الشوكولاتة البيضاء.

قاس الباحثون تدفق الدم في الشبكية والمشيمية بعد ساعة وساعتين وثلاث ساعات.

ولم تظهر فروق واضحة بين النوعين في تدفق الدم أو حدة النظر.

إذن الدراسات السابقة التي ركزت على كمية الدم الظاهرة في الأوعية كانت سلبية إلى حد كبير.

فما الجديد في دراسة 2024؟

الباحثون لم يكتفوا بصورة ثابتة للأوعية.

اختبروا كيفية استجابة الشريان أثناء العمل.

وهذه نقطة مختلفة.

لم يكن السؤال فقط:

هل يوجد دم أكثر في الشبكية؟

بل:

عندما تحتاج الشبكية فجأة إلى مزيد من الدم، هل يستطيع الشريان أن يتجاوب بسرعة وبقوة أكبر؟

وجد الباحثون أن الإجابة بعد الشوكولاتة الداكنة كانت نعم، على الأقل لدى هؤلاء الشباب الأصحاء وخلال الساعتين التاليتين لتناولها.

وهذه هي الزاوية الجديدة في الدراسة.

لماذا استخدم الباحثون الضوء الومضي؟

العلاقة بين الخلايا العصبية والأوعية مهمة جدًا في الشبكية.

عندما تعمل الخلايا العصبية بصورة أكبر، ترسل إشارات تجعل الأوعية تزيد إمداد الدم.

تعرف هذه العملية باسم الاقتران العصبي الوعائي.

وهي ببساطة قدرة الجهاز العصبي والدورة الدموية على التنسيق معًا:

الخلايا تقول "نحتاج طاقة أكثر".

والأوعية تستجيب بإرسال المزيد من الدم.

وقد ارتبط ضعف هذه الاستجابة في الدراسات بأمراض مثل السكري وارتفاع ضغط الدم والسمنة واضطرابات الأوعية.

هل يعني ذلك أن الشوكولاتة الداكنة تمنع اعتلال الشبكية السكري؟

لا.

هذه أهم نقطة في المقال.

الدراسة لم تشمل أشخاصًا مصابين بالسكري.

ولم تشمل مرضى اعتلال الشبكية.

ولم تستمر سنوات لقياس حدوث المرض.

كانت الدراسة على 20 شابًا سليمًا، وقاست استجابة الأوعية بعد ساعتين فقط.

لذلك لا يوجد دليل من هذه الدراسة يسمح بالقول إن تناول الشوكولاتة يمنع اعتلال الشبكية السكري.

حتى الباحثون أنفسهم أوضحوا أن النتيجة غير كافية للقول إن التحسن القصير في توسع الأوعية يؤدي إلى الوقاية من أمراض الشبكية.

وهل تمنع التنكس البقعي المرتبط بالعمر؟

أيضًا لا.

اقترح الباحثون أن الدراسات المستقبلية يمكن أن تبحث فيما إذا كان الاستهلاك الطويل للكاكاو الغني بالفلافانولات يؤثر في أمراض مثل التنكس البقعي أو اعتلال الشبكية السكري.

لكن هذا سؤال للمستقبل، وليس نتيجة ثبتت في الدراسة الحالية.

هل تحسن الشوكولاتة النظر بعد ساعتين؟

الدراسة الحديثة لعام 2024 لم تختبر الوظيفة البصرية بعد تناول الشوكولاتة، ولذلك لا يمكن استخدامها للقول إن المشاركين أصبحوا يرون بصورة أفضل.

دراسة أقدم عام 2018 كانت قد وجدت تحسنًا قصير المدى في بعض اختبارات حساسية التباين بعد الشوكولاتة الداكنة.

لكن دراسة أخرى عام 2019 لم تستطع تكرار هذه النتيجة.

إذن الأدلة على تحسين الرؤية نفسها غير متسقة.

هل ارتفاع توسع الشريان من 2.75 إلى 4.15 بالمئة فرق كبير؟

إنه فرق قابل للقياس وذو دلالة إحصائية في الدراسة.

لكنه لا يعني أن تدفق الدم إلى العين ازداد بنسبة 50 بالمئة أو أن الرؤية تحسنت بالنسبة نفسها.

النسبة تصف مقدار تغير قطر الشريان أثناء اختبار معين.

ولهذا يجب تفسيرها باعتبارها علامة على تغير الاستجابة الوعائية، وليس نسبة تحسن في صحة العين.

لماذا تعتبر مرونة الأوعية مهمة؟

الوعاء الدموي الصحي ليس أنبوبًا جامدًا.

يجب أن يكون قادرًا على تغيير قطره حسب حاجة الأنسجة.

عندما يزداد نشاط عضو معين، تحتاج خلاياه إلى كمية أكبر من الأكسجين والمواد الغذائية.

إذا كانت بطانة الأوعية غير سليمة، قد تصبح الاستجابة أبطأ أو أقل.

وتشير المراجعات إلى أن استجابة أوعية الشبكية للضوء تكون أضعف لدى بعض الأشخاص المصابين بالسكري وارتفاع الضغط وارتفاع الدهون والسمنة.

ولهذا يهتم الباحثون بأي تدخل غذائي يستطيع تحسين هذه الاستجابة.

هل يمكن أن تكون العين نافذة على صحة الأوعية في الجسم كله؟

إلى حد ما، نعم.

الشبكية من الأماكن القليلة التي يستطيع الطبيب فيها رؤية الأوعية الدقيقة مباشرة.

وقد ارتبطت تغيرات قطر وشكل أوعية الشبكية في الدراسات بالسكري وارتفاع الضغط وأمراض القلب وحتى بعض الاضطرابات العصبية.

لكن لا يمكن استخدام اختبار الشوكولاتة كفحص للقلب أو الدماغ.

العلاقة هنا بحثية أكثر من كونها اختبارًا طبيًا يستخدم في الممارسة اليومية.

لماذا قد يكون الكاكاو هو المسؤول عن النتيجة؟

أحد التفسيرات الأكثر احتمالًا هو الفلافانولات.

الشوكولاتة المستخدمة في الدراسة كانت تحتوي على:

أكثر من 90 بالمئة كاكاو.

ونحو 400 ملغ من الفلافانولات.

أما شوكولاتة الحليب فكانت تحتوي على نسبة كاكاو أقل بكثير.

ومن المعروف أن مركبات الكاكاو يمكن أن تؤثر في بطانة الأوعية وفي إنتاج أكسيد النيتريك، مما يوفر تفسيرًا منطقيًا لتحسن توسع الشرايين.

لكن الشوكولاتة منتج معقد يحتوي على مواد عديدة، لذلك لا تستطيع الدراسة إثبات أن مركبًا واحدًا هو المسؤول وحده.

هل كل شوكولاتة داكنة تعطي 400 ملغ من الفلافانولات؟

لا.

وهذه نقطة مهمة جدًا.

عبارة:

"90 بالمئة كاكاو"

لا تخبرك بدقة بكمية الفلافانولات الموجودة.

تتأثر كمية هذه المركبات بنوع حبوب الكاكاو والتخمير والتحميص والمعالجة الصناعية والتخزين.

قد يحتوي منتجان بالنسبة نفسها من الكاكاو على كميات مختلفة من الفلافانولات.

لذلك لا يمكن شراء أي لوح شوكولاتة 90 بالمئة وافتراض أنه يكرر الدراسة بدقة.

هل الأفضل إذن تناول الشوكولاتة شديدة السواد؟

ليس بالضرورة.

كلما ارتفعت نسبة الكاكاو تقل كمية السكر عادة، وقد ترتفع كمية بعض مركبات الكاكاو.

لكن الشوكولاتة تبقى غذاءً غنيًا بالطاقة والدهون.

الدراسة استخدمت:

20 غرامًا فقط.

ولم تطلب من المشاركين تناول لوح كامل يوميًا.

لذلك لا ينبغي تحويل نتيجة على كمية صغيرة إلى مبرر لتناول كميات كبيرة من الشوكولاتة.

هل المزيد من الشوكولاتة يعطي تأثيرًا أكبر؟

لا نعرف.

لم تقارن الدراسة 20 غرامًا مع 40 أو 100 غرام.

ومن الخطأ افتراض أن مضاعفة الكمية ستضاعف توسع أوعية الشبكية.

قد تصل الاستجابة إلى حد أقصى، بينما تزداد السعرات الحرارية والدهون والسكر مع زيادة الكمية.

إذن الجرعة الأعلى ليست بالضرورة أفضل.

هل الكاكاو الخام أفضل من الشوكولاتة؟

من الناحية النظرية، قد تسمح منتجات الكاكاو الغنية بالفلافانولات بالحصول على المركبات النباتية مع كمية أقل من السكر.

لكن كمية الفلافانولات تختلف أيضًا بشدة بين مساحيق الكاكاو حسب طريقة تصنيعها.

لذلك لا يمكن التوصية بمنتج معين اعتمادًا على الاسم وحده.

الدراسة التي نتحدث عنها اختبرت شوكولاتة محددة وليست جميع أشكال الكاكاو.

هل يمكن الحصول على الفلافانولات من أغذية أخرى؟

نعم.

هذه العائلة من المركبات ليست موجودة في الكاكاو فقط.

توجد مركبات قريبة منها في الشاي والعنب والتفاح وبعض أنواع التوت والفاكهة والخضروات.

لكن كل غذاء يحتوي على خليط مختلف.

ولهذا فإن النتيجة على الكاكاو لا يمكن نقلها تلقائيًا إلى كل غذاء يحتوي على مركبات نباتية مشابهة.

هل يمكن للأطفال تناول الشوكولاتة لهذا الغرض؟

لا توجد دراسة هنا على الأطفال.

كما لا توجد حاجة إلى إعطاء الطفل شوكولاتة داكنة بهدف تحسين أوعية الشبكية.

الدراسة بحثية وليست توصية علاجية.

ويجب أن تأتي العناية بصحة عين الأطفال من التغذية المتوازنة والفحص عند الحاجة ومعالجة أمراض النظر أو الأمراض العامة، وليس من محاولة تقليد تجربة صغيرة على بالغين.

وماذا عن مرضى السكري؟

هذه الفئة هي الأكثر إثارة للاهتمام من الناحية البحثية لأن السكري يؤثر في أوعية الشبكية.

لكنها أيضًا الفئة التي لا ينبغي أن تستنتج فائدة علاجية من الدراسة.

فالمشاركون كانوا أصحاء، والمنتج يحتوي على سعرات حرارية ودهون وقد يحتوي على السكر.

ولا توجد حاليًا أدلة تسمح باستخدام الشوكولاتة لعلاج أو منع اعتلال الشبكية السكري.

بالنسبة لمريض السكري، السيطرة على سكر الدم وضغط الدم والمتابعة الدورية للعين لها أدلة أقوى بكثير.

هل الدراسة كبيرة بما يكفي لتغيير النصائح الغذائية؟

لا.

عدد المشاركين كان:

20 شخصًا فقط.

وكانوا جميعًا تقريبًا من الشباب الأصحاء.

كما أن تأثير الشوكولاتة قيس بعد ساعتين فقط.

هذه بداية جيدة لفكرة بحثية، لكنها ليست دراسة تكفي لإصدار توصيات صحية عامة.

هناك مشكلة أخرى: طعم الشوكولاتة يكشف نوعها

حاول الباحثون جعل الدراسة عمياء بحيث لا يعرف الفاحص أي نوع من الشوكولاتة تناوله الشخص.

لكن من الصعب جدًا إخفاء الفرق بين شوكولاتة تحتوي على أكثر من 90 بالمئة من الكاكاو وشوكولاتة الحليب.

واعترف الباحثون بأن المشاركين قد يستطيعون التعرف على النوع من الطعم.

هذه ليست مشكلة كبيرة مثل الدراسات التي تعتمد بالكامل على رأي المشارك، لأن النتائج هنا قيس معظمها بالأجهزة، لكنها تبقى أحد حدود الدراسة.

المشكلة الأكبر أن الدراسة قصيرة جدًا

إذا تحسنت استجابة الشريان لساعتين، فلدينا عدة احتمالات:

قد يستمر التأثير مع تناول الكاكاو بانتظام.

وقد يصبح أضعف مع الوقت.

وقد لا يؤدي أصلًا إلى أي فرق في خطر الإصابة بأمراض الشبكية.

لا يمكن معرفة ذلك إلا بدراسات تستمر أشهرًا أو سنوات.

وهذا بالضبط ما طالب به الباحثون.

إذن ما الفائدة الحقيقية التي أثبتتها الدراسة؟

النتيجة الدقيقة هي:

تناول 20 غرامًا من شوكولاتة داكنة تحتوي على أكثر من 90 بالمئة من الكاكاو ونحو 400 ملغ من الفلافانولات أدى بعد ساعتين إلى زيادة استجابة شرايين الشبكية للتمدد عند تحفيزها بالضوء لدى 20 شخصًا شابًا سليمًا.

وفي المقابل:

لم يثبت حدوث زيادة واضحة في كثافة التروية داخل الشعيرات.

ولم تُقَس فائدة على الرؤية في الدراسة.

ولم تُدرس الوقاية من أمراض العين.

ولم يُعرف تأثير الاستخدام الطويل.

وهذه الصياغة أقل إثارة من القول إن "الشوكولاتة الداكنة تحمي العين"، لكنها أكثر دقة علميًا.

لماذا تستحق هذه النتيجة الاهتمام رغم صغر الدراسة؟

لأنها تطرح فكرة مختلفة حول الغذاء والعين.

عند التفكير في تغذية العين نهتم غالبًا بمواد تدخل في تركيب الشبكية نفسها، مثل بعض الفيتامينات والأصباغ النباتية.

أما هذه الدراسة فتنظر إلى الموضوع من زاوية أخرى:

هل يستطيع الغذاء تغيير طريقة استجابة الأوعية الدقيقة داخل العين خلال ساعات؟

والنتيجة الأولية تشير إلى أن مركبات الكاكاو قد تؤثر بالفعل في مرونة شرايين الشبكية واستجابتها لحاجة الخلايا إلى الدم.

لكن الدراسات السابقة التي لم تجد زيادة في تدفق الدم تذكرنا بأن الموضوع أعقد من مجرد:

"تناول الشوكولاتة = وصول دم أكثر إلى العين."

قد يكون التأثير الحقيقي أكثر دقة، ويتعلق بقدرة الأوعية على الاستجابة عند الحاجة بدل زيادة تدفق الدم بصورة مستمرة.

وهذا هو الجانب الجديد والأقل تداولًا في العلاقة بين الكاكاو وشبكية العين.

المصادر

الدراسة العشوائية التبادلية المنشورة عام 2024 حول الشوكولاتة الداكنة ووظيفة أوعية شبكية العين، وشملت 20 مشاركًا سليمًا.

قراءة الدراسة كاملة في Scientific Reports

الدراسة عبر PubMed

الدراسة العشوائية المنشورة عام 2019 التي لم تجد تغيرًا واضحًا في تدفق الدم الشبكي أو الوظيفة البصرية بعد الشوكولاتة الداكنة.

دراسة JAMA Ophthalmology

دراسة عام 2020 حول الشوكولاتة الداكنة وتدفق الدم في الشبكية والمشيمية، ولم تجد تغيرًا قصير المدى واضحًا.

قراءة دراسة Nutrients

مراجعة حديثة حول تحليل استجابة أوعية الشبكية للضوء وأهمية هذه الاستجابة في دراسة صحة الدورة الدموية الدقيقة.

قراءة المراجعة عبر PubMed Central




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق