لماذا نرى أشخاصًا ماتوا في أحلامنا وكأنهم أحياء تمامًا؟
قد يمر على وفاة شخص تحبه سنوات.
تعتاد غيابه.
تعرف أنه مات.
تتحدث عنه بصيغة الماضي.
ثم يأتي حلم واحد ويقلب كل شيء.
تراه أمامك.
وجهه كما كان.
صوته نفسه.
ابتسامته.
طريقته في الكلام.
وقد تشعر للحظات أنك نسيت تمامًا أنه مات.
تجلس معه.
تتحدثان.
ربما يعانقك.
وربما يخبرك بأنه بخير.
ثم تستيقظ.
وفي الثواني الأولى قد تشعر أن اللقاء حدث فعلًا.
ثم تعود الحقيقة دفعة واحدة.
هو غير موجود.
فلماذا يستطيع الدماغ إعادة شخص مات منذ سنوات بهذه الواقعية؟
ولماذا تكون أحلام الموتى أحيانًا أقوى عاطفيًا من ذكرياتنا العادية عنهم؟
الأبحاث الحديثة تشير إلى أن أحلام الأشخاص المتوفين ظاهرة شائعة فعلًا بين المفجوعين، وأنها غالبًا ترتبط بالذاكرة العاطفية والحزن واستمرار الرابط النفسي مع الشخص الذي مات. أحدث مراجعة منهجية واسعة، نُشرت عام 2026، وجدت أن هذه الأحلام تظهر عبر ثقافات مختلفة وأن موضوعات الراحة والتواصل والشعور باستمرار الصلة بالمتوفى تتكرر فيها كثيرًا.
الموت يوقف الشخص لكنه لا يمحو النموذج الذي صنعه دماغك عنه
عندما تعرف شخصًا لسنوات، لا يحتفظ دماغك بصورة واحدة له.
هناك آلاف الذكريات.
كيف يبدو عندما يبتسم.
كيف ينطق اسمك.
كيف يمشي.
نبرة صوته عندما يغضب.
طريقة جلوسه.
ملابسه المعتادة.
وجهه من زوايا مختلفة.
المواقف التي عشتماها معًا.
والمشاعر المرتبطة به.
كل ذلك موزع داخل شبكات واسعة من الذاكرة.
عندما يموت الإنسان، لا تختفي هذه الشبكات.
ما ينتهي هو وصول معلومات جديدة من الشخص الحقيقي.
أما تمثيله داخل ذاكرتك فيظل موجودًا.
ولهذا يستطيع الدماغ لاحقًا إعادة استخدامه أثناء الحلم.
أنت لا ترى صورة للميت فقط، بل نموذجًا كاملًا له
هذا يفسر لماذا يكون الشخص داخل الحلم قادرًا على الكلام والحركة.
الدماغ لا يحتاج إلى تسجيل فيديو جاهز.
هو يعرف الكثير عن الشخص بحيث يستطيع توقع:
كيف سيتحدث؟
كيف سيرد؟
كيف سينظر إليك؟
ما الكلمات التي قد يستخدمها؟
تمامًا كما يستطيع أن يبني في الحلم شارعًا كاملًا لم تره بهذه الصورة من قبل، يستطيع أن يبني نسخة حلمية شديدة الإقناع من شخص تعرفه جيدًا.
ولهذا قد يقول شخص بعد الاستيقاظ:
لم يكن يشبهه فقط.
كان هو تمامًا.
بالنسبة إلى الدماغ الحالم، النموذج الداخلي كان كافيًا لإنتاج هذا الإحساس.
لماذا لا نتذكر أثناء الحلم أن الشخص مات؟
هذه واحدة من أغرب النقاط.
أثناء الحلم قد ترى والدك أو والدتك أو صديقًا متوفى وتتحدث معه بصورة طبيعية، رغم أنك في حياتك الواعية تعرف جيدًا أنه توفي.
السبب المحتمل أن الوصول إلى المعلومات والذاكرة أثناء الحلم ليس مطابقًا لما يحدث أثناء اليقظة.
الحلم يبني سياقًا خاصًا به.
وفي ذلك السياق قد يستدعي الدماغ:
هذا هو أبي.
لكن لا يستدعي بالضرورة في اللحظة نفسها:
أبي توفي قبل خمس سنوات.
المعلومتان موجودتان في ذاكرتك، لكن الحلم لا يحتاج إلى استخدامهما معًا.
وهكذا يبدو وجود الشخص طبيعيًا تمامًا.
ثم أحيانًا نتذكر داخل الحلم أنه مات
وهنا يصبح الحلم أكثر غرابة.
قد تنظر إلى الشخص وتقول:
لكن أنت ميت.
وقد يجيبك.
أو يبتسم.
أو يقول إنه عاد.
أو يختفي.
هذا النوع من الأحلام يوضح كيف يستطيع الدماغ الجمع أحيانًا بين حقيقة الوفاة والرغبة أو الذاكرة التي تعيد الشخص إلى المشهد.
وقد تكون النتيجة شديدة التأثير لأنها تجعل الحالم يواجه الغياب والحضور في الوقت نفسه.
لماذا تبدو هذه الأحلام حقيقية بصورة استثنائية؟
الأحلام العاطفية يمكن أن تكون شديدة الحيوية.
لكن حلم شخص متوفى يحمل عنصرًا إضافيًا:
أنت تعرف هذا الشخص بدقة شديدة.
لذلك يستطيع الدماغ ملء تفاصيل كثيرة جدًا.
الصوت مألوف.
الوجه مألوف.
طريقة الكلام مألوفة.
والعاطفة قوية.
وعندما تجتمع الواقعية الحسية مع قوة العاطفة، تصبح التجربة أقرب إلى لقاء من مجرد حلم.
في دراسة على مرضى في الرعاية التلطيفية، وصف معظم من مروا بأحلام أو رؤى قرب نهاية الحياة هذه التجارب بأنها تبدو حقيقية، وكانت اللقاءات مع الأقارب والأصدقاء المتوفين من أكثر الموضوعات شيوعًا وراحة.
هل أحلام الموتى شائعة فعلًا؟
نعم.
في دراسة شملت 278 شخصًا فقدوا شخصًا عزيزًا، قال 58 بالمئة منهم إنهم حلموا بالشخص المتوفى.
وكان من أكثر الموضوعات شيوعًا:
ذكريات سعيدة من الماضي.
ظهور الشخص المتوفى بصحة جيدة.
ظهوره مرتاحًا أو مسالمًا.
أو شعور الحالم بأنه تلقى منه رسالة.
كما قال 60 بالمئة من المشاركين إن هذه الأحلام أثرت بطريقة ما في عملية الحداد لديهم.
والأبحاث الأحدث تؤكد أن الظاهرة ليست محدودة بثقافة واحدة. مراجعة منهجية نُشرت عام 2026 حللت أكثر من مئة منشور علمي عن أحلام المتوفين، ووجدت أنها تظهر في سياقات ثقافية متعددة وغالبًا تحمل معنى عاطفيًا قويًا للمفجوعين.
لماذا يظهر الميت في كثير من الأحلام بصحة جيدة؟
هذه ملاحظة متكررة في الدراسات.
قد يكون الشخص توفي بعد مرض شديد.
وكانت آخر ذكريات الأسرة عنه مرتبطة بالألم أو الضعف.
لكن في الحلم يظهر شابًا أو قويًا أو مبتسمًا كما كان قبل المرض.
أحد التفسيرات هو أن ذاكرة الإنسان عن شخص قريب لا تتكون فقط من الأسابيع الأخيرة من حياته.
هناك سنوات طويلة من الصور والذكريات السابقة للمرض.
وقد يعيد الحلم الوصول إلى هذا التمثيل الأوسع.
لذلك يمكن أن يظهر الشخص كما كان في مرحلة يعتبرها الحالم أكثر تمثيلًا له.
في دراسة الأحلام المرتبطة بالفقد، كان ظهور المتوفى خاليًا من المرض واحدًا من الموضوعات المتكررة بوضوح.
ولهذا قد يكون الحلم مريحًا بدل أن يكون حزينًا
قد نتوقع أن رؤية شخص مات ستزيد الألم.
لكن الدراسات وجدت أن كثيرًا من هذه الأحلام تكون إيجابية أو مريحة.
قد يشعر الشخص بعد الحلم بأنه رأى المتوفى مرة أخرى.
أو حصل على فرصة للوداع.
أو شعر أن المتوفى بخير.
أو شعر باستمرار الرابط بينهما.
مراجعة عام 2026 وجدت أن التأثير العام لهذه الأحلام يميل إلى الإيجابية، وأن الراحة والإرشاد واستمرار الاتصال العاطفي كانت من الموضوعات المتكررة.
الحزن لا يعني أن الدماغ يجب أن يمحو الشخص
كانت بعض التصورات القديمة عن الحداد تميل إلى التركيز على ضرورة الانفصال النفسي عن المتوفى.
لكن علم الحزن الحديث يتعامل أيضًا مع مفهوم يسمى:
Continuing Bonds
أي استمرار الروابط.
الفكرة ليست أن الإنسان يرفض الموت.
بل يمكنه أن يعرف أن الشخص توفي، وفي الوقت نفسه يحتفظ بعلاقة نفسية داخلية معه.
قد يفكر:
ماذا كان سيقول لي؟
وقد يحتفظ بعاداته.
أو يتحدث عنه.
أو يرى أحلامًا متكررة به.
وهذا الاستمرار الداخلي للرابطة يمكن أن يكون جزءًا طبيعيًا من التكيف مع الفقد.
دراسة على أشخاص فقدوا أزواجهم وجدت أن أحلام المتوفى ارتبطت بعمليات مثل تنظيم العواطف ومعالجة الصدمة واستمرار الروابط النفسية مع الشخص الذي مات.
أحيانًا يقدم الحلم فرصة لمحادثة لم تحدث في الواقع
ربما توفي شخص بصورة مفاجئة.
لم تتمكن من توديعه.
لم تقل شيئًا كنت تريد قوله.
بعدها قد يظهر في حلم.
وتحدث محادثة كاملة.
قد تقول:
اشتقت إليك.
وقد يقول:
أنا بخير.
من منظور علم الأعصاب، لا نحتاج إلى افتراض أن المحادثة وصلت من الخارج لكي نفهم كيف يمكن للدماغ بناؤها.
الذاكرة تعرف الشخص.
والعاطفة تعرف ما ينقصك.
والحلم يستطيع جمع الاثنين داخل سيناريو جديد.
وهكذا قد يصبح الحلم مكانًا يعالج فيه العقل موضوعًا لم يُغلق عاطفيًا في الواقع.
لكن لماذا يقول الميت في الأحلام كثيرًا: أنا بخير؟
هذا الموضوع يظهر فعلًا في تقارير كثيرة.
قد يعكس حاجة الإنسان العاطفية إلى تصور الشخص بعيدًا عن الألم.
خصوصًا إذا كانت الوفاة بعد مرض طويل.
الدماغ يحمل ذكريات المعاناة، لكنه يحمل أيضًا الرغبة في زوالها.
داخل الحلم يمكن أن تتكون قصة تجمع هذه العناصر:
الشخص موجود.
يبدو سليمًا.
ويخبرني أنه بخير.
من الناحية النفسية قد يكون لذلك تأثير مهدئ قوي.
لكن العلم يستطيع وصف نمط الحلم وتأثيره، ولا يستطيع من الحلم وحده تحديد ما إذا كانت الرسالة جاءت من المتوفى نفسه.
لماذا نستيقظ أحيانًا ونحن نبكي؟
لأن الجهاز العاطفي كان مشاركًا في التجربة.
الحلم ليس فيلمًا تشاهده ببرود.
أنت تعيش داخله.
إذا عانقت شخصًا اشتقت إليه لسنوات، فالعاطفة داخل الحلم يمكن أن تكون شديدة جدًا.
وعند الاستيقاظ يحدث انتقال قاسٍ:
قبل لحظات كان الشخص أمامك.
والآن تدرك أنه مات.
هذا التناقض بين الحضور الحلمي والغياب الحقيقي قد يؤدي إلى بكاء أو حزن شديد حتى إذا كان الحلم نفسه جميلًا.
وقد يبقى أثر الحلم طوال اليوم
أحلام الأشخاص المتوفين كثيرًا ما تكون من الأحلام التي لا تُنسى بسهولة.
والسبب المحتمل هو قوة المحتوى العاطفي.
نعرف من أبحاث النوم أن الأحلام ترتبط بمعالجة الذكريات العاطفية، وأن محتوى الحلم يمكن أن يرتبط بالطريقة التي يعالج بها الدماغ الانفعالات في اليوم التالي. دراسة في Scientific Reports عام 2024 دعمت وجود علاقة بين الأحلام ومعالجة الذاكرة العاطفية أثناء النوم.
لذلك قد تستيقظ من حلم عادي وتنساه قبل الإفطار.
لكن حلمًا رأيت فيه شخصًا فقدته قد يبقى في ذاكرتك سنوات.
هل ظهور الشخص يعني أن الحزن لم ينته؟
ليس بالضرورة.
قد يظهر المتوفى بعد أيام من الوفاة.
أو بعد سنوات.
أو حتى بعد عقود.
الذاكرة لا تملك تاريخ انتهاء.
وجود شخص مهم في الحلم لا يعني أن الإنسان لم يتكيف مع خسارته.
بل يمكن أن يظهر في فترات مختلفة بسبب حدث جديد يعيد تنشيط الذكريات.
عيد ميلاد.
مكان قديم.
رائحة.
أغنية.
مشكلة كان الشخص يساعدك فيها.
أو حتى دون وجود سبب واضح يمكنك تحديده.
لماذا يظهر أحيانًا عندما نحتاج إليه تحديدًا؟
هذه واحدة من التجارب التي تجعل أحلام الموتى غامضة جدًا.
قد يمر الإنسان بأزمة أو قرار صعب، ثم يحلم بشخص متوفى كان يلجأ إليه سابقًا.
علميًا، هذا ممكن لأن المشكلة الحالية يمكن أن تنشط شبكة الذكريات المرتبطة بالدعم والأمان.
إذا كانت والدتك مثلًا هي الشخص الذي كنت تلجأ إليه عند الخوف، فقد يؤدي الخوف الحالي إلى تنشيط ذكريات مرتبطة بها.
ثم تدخل هذه المواد إلى الحلم.
فيبدو توقيت ظهورها مذهلًا.
لكن من منظور الذاكرة، وجود علاقة بين الحالة الحالية والشخص الذي كان يؤدي هذا الدور في حياتك يجعل ظهوره منطقيًا.
هل يمكن للميت أن يقول شيئًا لم نكن نعرفه؟
هنا يجب أن يكون التمييز صارمًا.
الدماغ يستطيع صنع حوار جديد باستخدام معلومات قديمة.
يمكن أن يجعل شخصية حلمية تقول جملة لم تسمعها منها حرفيًا في حياتك.
هذا لا يعني بالضرورة أن المعلومة جاءت من الخارج.
كما يستطيع الروائي أن يتوقع ما قد تقوله شخصية يعرفها جيدًا، يستطيع الدماغ بناء رد جديد يناسب النموذج الداخلي للمتوفى.
إذا احتوى الحلم على معلومة محددة لا يمكن للحالم معرفتها، ثم ثبتت لاحقًا بصورة مستقلة، فذلك يصبح سؤالًا مختلفًا يحتاج إلى توثيق واختبار صارمين.
لكن الأحلام وحدها لا توفر حاليًا دليلًا علميًا موثوقًا على انتقال المعلومات من الموتى إلى الأحياء.
هل هذه الأحلام نوع من الهلوسة؟
الأحلام العادية تحدث أثناء النوم، ولذلك لا توصف عادة بالطريقة نفسها التي توصف بها الهلوسات أثناء اليقظة.
لكن بعد الفقد قد تحدث أيضًا تجارب حسية أثناء اليقظة.
قد يشعر الشخص بوجود المتوفى.
وقد يسمع صوته.
أو يراه للحظة.
مراجعة منهجية وتحليل تجميعي لدراسات الفقد قدرت أن نحو 56.6 بالمئة من المفجوعين أبلغوا عن تجربة حسية واحدة على الأقل مرتبطة بالشخص المتوفى، مع اختلاف كبير بين الدراسات وأنواع التجارب.
وهذه التجارب لا تعني تلقائيًا مرضًا نفسيًا، خصوصًا في سياق الحزن.
هناك ظاهرة أكثر غرابة قرب نهاية الحياة
في الرعاية التلطيفية أبلغ عدد من المرضى المحتضرين عن أحلام أو رؤى لأقارب وأصدقاء ماتوا قبلهم.
في دراسة طولية شملت مرضى في رعاية نهاية الحياة، كانت رؤية أو حلم الأقارب والأصدقاء المتوفين من أكثر الموضوعات شيوعًا، وأصبح محتوى المتوفين أكثر شيوعًا واقترابًا من الوفاة، كما وصف المرضى هذه التجارب غالبًا بأنها مريحة وحقيقية بدرجة كبيرة.
مراجعة منهجية أخرى لأحلام ورؤى نهاية الحياة وجدت أنها ظاهرة متكررة في الأدبيات الطبية، وأنها تُبلغ عادة بوصفها مصدرًا للراحة.
لماذا يرى المحتضر أشخاصًا ماتوا قبله؟
هذا سؤال ما يزال مفتوحًا.
من المنظور النفسي والعصبي يمكن أن تكون الذاكرة والعاطفة والتغيرات في النوم والإدراك وحالة الدماغ قرب نهاية الحياة عوامل مهمة.
الشخص يواجه احتمال الموت.
وتصبح ذكريات الأشخاص الذين فقدهم والارتباط بهم ذات أهمية كبيرة.
لكن البيانات الحالية لا تسمح لنا بالقول إن هذه التجارب تثبت وجود اتصال فعلي بالموتى.
وفي الوقت نفسه لا ينبغي اختزالها ببساطة إلى أنها بلا معنى بالنسبة إلى المريض، لأن الدراسات تظهر أنها كثيرًا ما تكون عميقة ومريحة وتؤثر في تجربة نهاية الحياة.
والغريب أن المريض يستطيع التمييز أحيانًا بينها وبين الأحلام العادية
بعض المرضى في دراسات الرعاية التلطيفية وصفوا أحلام ورؤى المتوفين بأنها تختلف في إحساسها بالواقعية والأهمية عن أحلامهم المعتادة.
هذا لا يخبرنا تلقائيًا عن المصدر الخارجي للتجربة.
لكنه يوضح لماذا يصر بعض الأشخاص بعد سنوات على أن:
لم يكن مجرد حلم.
فالتجربة الذاتية نفسها قد تكون مختلفة في شدتها ووضوحها عن الأحلام اليومية.
هل العلم يعتبرها زيارات حقيقية؟
لا توجد أدلة علمية كافية تسمح بتأكيد أن المتوفى يزور الحالم فعلًا.
مصطلح:
Visitation Dream
يستخدم أحيانًا لوصف النوع الذي يشعر فيه الحالم بأن المتوفى جاء إليه فعلًا.
لكنه وصف للتجربة وتفسيرها، وليس إثباتًا علميًا بأن اتصالًا خارجيًا حدث.
العلم يستطيع دراسة:
كم مرة تحدث هذه الأحلام؟
ما محتواها؟
ما علاقتها بالحزن؟
كيف تؤثر في الإنسان؟
وما الذي يحدث للذاكرة والعاطفة أثناء النوم؟
أما إثبات أن وعي شخص متوفى دخل حلم شخص حي فهو ادعاء مختلف لا توجد حاليًا أدلة تجريبية موثوقة تثبته.
لكن لماذا يشعر كثيرون أنها أكثر من حلم؟
لأنها تجمع ثلاثة أشياء قوية جدًا.
ذاكرة شخص حقيقي.
عاطفة شديدة.
وواقع حلمي غامر.
في حلم عادي قد ترى شخصية مجهولة.
لكن عندما ترى شخصًا أحببته سنوات، يمتلك الدماغ مواد هائلة لبناءه.
الصوت موجود في الذاكرة.
الوجه موجود.
الحركات موجودة.
العلاقة موجودة.
والاشتياق موجود.
ثم يبني الحلم المشهد في غياب المعلومات القادمة من العالم الخارجي.
فتكون النتيجة تجربة يمكن أن تبدو للحالم أقرب إلى لقاء حقيقي من صورة ذهنية.
وهنا تظهر المفارقة المؤلمة
عندما يموت إنسان، نتوقف عن تكوين ذكريات جديدة معه.
لكن الذكريات القديمة تستمر في التغير والتفاعل مع حياتنا الجديدة.
قد يظهر الشخص في حلم جديد لم يحدث معه في الواقع.
قد يقول جملة جديدة.
يدخل مكانًا جديدًا.
يلتقي بنا ونحن أكبر بعشر سنوات مما كنا عليه عند وفاته.
أي أن العلاقة الحقيقية توقفت زمنيًا.
لكن تمثيل العلاقة داخل الدماغ يمكن أن يستمر في إنتاج تجارب جديدة.
وهذا ربما أحد أغرب جوانب الحزن.
الشخص مات في العالم الخارجي.
لكن النموذج الذي صنعته سنوات العلاقة معه ما يزال جزءًا حيًا من ذاكرتك.
ولهذا قد نرى شخصًا مات منذ ثلاثين عامًا وكأنه لم يتغير يومًا
الدماغ لا يحتاج إلى تخيل كيف كان سيبدو لو عاش.
قد يستدعي ببساطة أقوى صورة محفوظة لديه.
ولهذا يظهر بعض المتوفين في الأحلام في عمر معين مرارًا.
ليس بالضرورة العمر الذي ماتوا فيه.
بل ربما العمر الذي ارتبط بأقوى ذكريات الحالم عنهم.
في الحلم لا يوجد التزام بالزمن البيولوجي.
الجد يمكن أن يظهر شابًا.
والأم التي توفيت مريضة يمكن أن تظهر بصحة كاملة.
والطفل يمكن أن يظهر كما كان.
هل الأحلام تساعدنا فعلًا على التكيف مع الفقد؟
الأدلة الحالية تشير إلى أنها قد تفعل ذلك لدى بعض الناس.
مراجعة عام 2026 وجدت أن أحلام المتوفين ترتبط في كثير من الدراسات بوظائف عاطفية تتعلق بمعالجة الحزن، وأن الأثر يميل عمومًا إلى الراحة والشفاء العاطفي، مع ضرورة الانتباه إلى أن معظم الأدبيات ما تزال وصفية ونوعية وليست تجارب سببية قاطعة.
وفي دراسة على 278 مفجوعًا، أفاد كثيرون بأن أحلامهم ساعدتهم على تقبل الوفاة أو منحتهم راحة أو أثرت في علاقتهم بالحزن.
وفي دراسة على أشخاص فقدوا شركاء حياتهم، كانت الأحلام المريحة والمزعجة مرتبطة بعمليات الحزن والصدمات وتنظيم الانفعالات واستمرار الرابط مع المتوفى.
لكن ليست كل الأحلام مريحة
قد يعود الشخص في الحلم وهو مريض.
أو يعيد الحالم مشهد وفاته.
أو يبحث عنه ولا يجده.
أو يحاول إنقاذه مرة أخرى.
خصوصًا بعد الوفيات الصادمة، يمكن أن تحمل الأحلام عناصر مرتبطة بالصدمة والخوف والذنب.
لذلك لا توجد قاعدة تقول إن حلم المتوفى إيجابي دائمًا.
طريقة الوفاة ونوعية العلاقة وشدة الحزن والصدمة كلها يمكن أن تؤثر في محتوى الحلم.
وهنا نصل إلى أكثر الأسئلة إثارة
عندما ترى شخصًا متوفى في حلمك، من الذي تقابله؟
من المنظور العصبي، أنت تتعامل مع نموذج بالغ الغنى صنعه دماغك خلال سنوات من العلاقة.
ليس مجرد صورة.
بل شبكة من الصوت والوجه والشخصية والذكريات والعاطفة والتوقعات.
ولهذا يستطيع ذلك النموذج أن يتكلم ويتحرك ويعانقك ويبدو حيًا.
لكن من الناحية الشخصية، قد تشعر أن كلمة نموذج باردة جدًا لوصف ما حدث.
لأنك لم تشعر أنك استعدت ملفًا من الذاكرة.
شعرت أنك قابلت الشخص.
وهذه المسافة بين التفسير العصبي والتجربة الإنسانية هي ما يجعل أحلام الموتى غامضة إلى هذا الحد.
العلم يستطيع أن يفسر كثيرًا عن كيفية قدرة الدماغ على إعادة بناء الشخص.
ويستطيع أن يوضح علاقتها بالحزن والذاكرة والعاطفة.
لكنه لا يستطيع بمجرد دراسة حلم أن يثبت أن المتوفى زار الحالم.
ولا يستطيع كذلك أن يلغي المعنى الذي تمنحه التجربة لصاحبها.
كل ما يستطيع قوله بثقة أكبر حتى الآن هو أن الشخص الذي يموت قد يختفي من العالم الخارجي، لكنه لا يختفي بالسرعة نفسها من العالم الذي بناه داخل أدمغة من أحبوه.
وأحيانًا، أثناء النوم، يستطيع ذلك العالم الداخلي أن يمنحه جسدًا وصوتًا وحضورًا مرة أخرى.
لبضع دقائق فقط.
ثم نستيقظ.
المصادر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق