الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

لماذا نحتاج إلى التبول أكثر في الجو البارد؟

 

لماذا نحتاج إلى التبول أكثر في الجو البارد؟

قد تلاحظ في أيام الشتاء أنك تحتاج إلى دخول الحمام أكثر من المعتاد، رغم أنك لم تشرب كمية أكبر من الماء.

ويظهر الأمر بصورة أوضح عند البقاء فترة طويلة في مكان بارد، أو أثناء المشي في الشتاء، أو عند السباحة في ماء بارد.

هذه الظاهرة حقيقية ومعروفة طبيًا، وتسمى زيادة إدرار البول الناتجة عن البرد.

والسبب الأساسي يتعلق بالطريقة التي يحاول بها الجسم الحفاظ على حرارته.

ماذا يفعل الجسم عندما نشعر بالبرد؟

عندما تنخفض درجة الحرارة، يحاول الجسم منع فقدان الحرارة من الجلد.

ويقوم بذلك جزئيًا من خلال تضييق الأوعية الدموية الموجودة بالقرب من سطح الجلد، خصوصًا في اليدين والقدمين والذراعين والساقين.

لهذا السبب تصبح أطرافنا باردة بسرعة في الشتاء.

هذه العملية مفيدة لأنها تقلل كمية الدم الدافئ المتجه نحو الجلد، وبالتالي تساعد على الاحتفاظ بالحرارة داخل الجسم.

لكنها تؤدي إلى نتيجة أخرى غير متوقعة.

الدم يتحرك أكثر نحو داخل الجسم

عندما تضيق الأوعية الموجودة في الأطراف، ينتقل جزء أكبر من الدم نحو المناطق الداخلية من الجسم.

بالنسبة إلى الجسم، يبدو الأمر كما لو أن كمية السوائل الموجودة في الدورة الدموية المركزية أصبحت أكبر.

القلب والكلى والأوعية تستشعر هذا التغير.

وبدل الاحتفاظ بكل هذا الماء، يبدأ الجسم بمحاولة التخلص من جزء منه.

وهنا تبدأ الكليتان بإنتاج كمية أكبر من البول.

الكلى لا تعرف أنك لم تشرب ماءً إضافيًا

الكلى لا تقرر كمية البول فقط بناءً على عدد أكواب الماء التي شربتها.

إنها تراقب باستمرار حجم الدم وضغطه وتركيز الأملاح وعددًا من الهرمونات.

عندما يدفع البرد الدم من الأطراف إلى مركز الجسم، تتغير هذه الإشارات.

وقد تستجيب الكلى بإخراج المزيد من الماء والصوديوم.

لذلك يمكن أن تحتاج إلى الحمام رغم أنك لم تشرب شيئًا منذ فترة.

لماذا يحدث ذلك في الشتاء أكثر من الصيف؟

في الجو الحار يحدث العكس تقريبًا.

تتوسع الأوعية الموجودة بالقرب من الجلد حتى يستطيع الجسم التخلص من الحرارة.

كما نتعرق ونفقد الماء عن طريق الجلد.

ولهذا يحاول الجسم عادةً المحافظة على الماء بصورة أكبر.

أما في البرد، فيكون التعرق أقل، وتضيق أوعية الجلد، ويتجه المزيد من الدم إلى مركز الجسم.

وهذا يجعل الظروف أكثر ملاءمة لزيادة التبول لدى بعض الأشخاص.

لهذا قد لا تشعر بالعطش رغم أنك تفقد الماء

هذه إحدى المشكلات التي قد تحدث في الطقس البارد.

في الصيف يرتبط فقدان الماء عادة بالشعور بالحر والعطش والتعرق، لذلك نتذكر بسهولة أن نشرب.

أما في الشتاء فقد لا نشعر بالعطش بالقوة نفسها، ومع ذلك يستمر الجسم في فقد الماء عن طريق التنفس والبول.

لهذا يمكن أن يحدث نقص السوائل في الجو البارد أيضًا، وليس في الصيف فقط.

وهو أمر مهم خصوصًا لمن يقضون ساعات طويلة في الخارج أو يمارسون الرياضة في الشتاء.

لماذا تزداد الحاجة إلى التبول عند السباحة في ماء بارد؟

السباحة في الماء البارد تجمع أكثر من عامل.

أولًا، يسبب البرد تضيق الأوعية الدموية في الجلد.

وثانيًا، يضغط الماء نفسه على الجسم ويساعد على دفع الدم من الأطراف نحو الصدر.

لهذا يمكن أن تصبح زيادة البول أكثر وضوحًا أثناء الغطس أو السباحة مقارنة بمجرد الوقوف في هواء بارد.

وقد أظهرت الدراسات منذ سنوات أن التعرض للماء البارد يمكن أن يزيد إدرار البول بشكل واضح.

هل الجسم يفعل ذلك للتخلص من الماء الزائد؟

إلى حد ما، نعم.

لكن كلمة الماء الزائد قد تكون مضللة.

فأنت لم تضف بالضرورة ماءً جديدًا إلى جسمك.

المشكلة هي أن توزيع الدم تغير.

تضيق أوعية الأطراف يجعل الجسم يشعر بزيادة كمية الدم الموجودة في مركز الدورة الدموية.

فيحاول إعادة التوازن بإخراج بعض الماء والأملاح عن طريق الكلى.

وعندما تعود إلى مكان دافئ وتتوسع أوعية الأطراف مرة أخرى، يتغير توزيع الدم من جديد.

هل الهرمونات تشارك في ذلك؟

نعم.

الجسم يمتلك عدة هرمونات تنظم كمية الماء والصوديوم التي تحتفظ بها الكلى.

ومن بينها الهرمون المضاد لإدرار البول، الذي يساعد الكلى عادةً على المحافظة على الماء.

كما توجد أنظمة هرمونية أخرى تتغير بحسب ضغط الدم وحجم السوائل.

أظهرت الدراسات أن الاستجابة للبرد معقدة ولا يمكن تفسيرها بهرمون واحد فقط.

فالأوعية الدموية والأعصاب والكلى والقلب والهرمونات كلها تشارك بدرجات مختلفة.

لكن القارئ لا يحتاج إلى حفظ أسماء هذه الهرمونات لفهم الفكرة الأساسية.

البرد يغير توزيع الدم، والجسم يستجيب بإخراج جزء من السوائل.

هل التبول في البرد يعني أن الكلى تعمل بصورة أفضل؟

لا.

زيادة البول لا تعني أن الكلى أصبحت أقوى أو أنها تقوم بعملية تنظيف إضافية للجسم.

إنها مجرد استجابة فسيولوجية لتغير الدورة الدموية والحرارة.

ولا توجد فائدة صحية من تعمد التعرض للبرد بهدف زيادة التبول.

هل شرب القهوة في الشتاء يزيد الأمر؟

يمكن أن يحدث ذلك.

الكافيين قد يزيد إنتاج البول قليلًا لدى بعض الأشخاص، خصوصًا إذا تناولوا كمية كبيرة أو لم يكونوا معتادين عليه.

كما أن المشروبات الساخنة نفسها تجعل بعض الناس يشربون كميات أكبر خلال الشتاء.

لذلك إذا اجتمع البرد مع القهوة أو الشاي والكثير من السوائل، فقد تصبح زيارات الحمام أكثر تكرارًا.

لكن البرد نفسه يستطيع المساهمة في الظاهرة حتى دون تناول الكافيين.

لماذا نشعر بالحاجة إلى التبول فور دخول مكان بارد أحيانًا؟

يمكن للاستجابة الوعائية للبرد أن تبدأ سريعًا.

لا يحتاج الجسم دائمًا إلى الوصول إلى انخفاض خطير في درجة الحرارة حتى تظهر بعض تأثيرات البرد في الدورة الدموية.

بمجرد أن يبدأ الجلد بالتعرض للبرد، يمكن للأوعية الطرفية أن تضيق وتبدأ التغيرات التي تؤثر في توزيع الدم.

لذلك قد يشعر بعض الأشخاص بالحاجة إلى التبول بعد فترة قصيرة نسبيًا من التعرض للبرد.

هل الجميع يتأثرون بالطريقة نفسها؟

لا.

الاستجابة تختلف من شخص إلى آخر.

وتتأثر بدرجة البرودة ومدة التعرض والملابس والنشاط البدني وكمية السوائل التي شربها الشخص والأدوية التي يستخدمها وحالته الصحية.

وقد يلاحظ أحد الأشخاص فرقًا كبيرًا بين الصيف والشتاء بينما بالكاد يلاحظه شخص آخر.

هل كثرة التبول في الشتاء طبيعية دائمًا؟

لا ينبغي تفسير كل زيادة في التبول بأنها بسبب البرد.

إذا كانت الحاجة إلى التبول مستمرة طوال الوقت، أو كان الشخص يستيقظ مرات كثيرة جدًا ليلًا، أو يشعر بعطش شديد غير معتاد، أو يخرج كميات كبيرة جدًا من البول، فقد يكون هناك سبب آخر.

من الأسباب المحتملة ارتفاع سكر الدم وبعض أمراض المسالك البولية واستخدام مدرات البول ومشكلات البروستاتا وبعض اضطرابات الكلى.

كما أن الحرقة أثناء التبول أو الألم أو وجود دم في البول لا تفسرها ظاهرة إدرار البول بسبب البرد ويجب تقييمها طبيًا.

هل يجب تقليل شرب الماء في الشتاء حتى لا نذهب إلى الحمام كثيرًا؟

لا.

عدم الشعور بالعطش لا يعني أن الجسم لا يحتاج إلى السوائل.

ولا يُنصح عادة بتقليل الماء عمدًا فقط لتجنب دخول الحمام.

الأفضل هو الشرب بصورة طبيعية وفق النشاط والطقس والحالة الصحية.

ويحتاج الأشخاص الذين لديهم أمراض في القلب أو الكلى أو من لديهم تعليمات طبية محددة بشأن كمية السوائل إلى الالتزام بتوصيات الطبيب الخاصة بهم.

لماذا تعد هذه الظاهرة مثالًا جميلًا على طريقة عمل الجسم؟

لأنها تكشف أن الكلى لا تعمل بمعزل عن بقية الجسم.

الجو يصبح باردًا.

فتضيق أوعية الجلد للمحافظة على الحرارة.

فينتقل المزيد من الدم نحو الداخل.

فتستشعر الدورة الدموية هذا التغير.

ثم تستجيب الكلى بإخراج المزيد من الماء والأملاح.

ولهذا قد تكون الرحلة المتكررة إلى الحمام في يوم شتوي بارد نتيجة سلسلة كاملة من الاستجابات التي بدأها الجسم أساسًا من أجل مهمة مختلفة تمامًا: الحفاظ على حرارته.

المصادر

مراجعة علمية حديثة منشورة عام 2025 حول تأثير التعرض للبرد في أعضاء الجسم، وتصف زيادة إدرار البول بأنها من أكثر التأثيرات الكلوية المعروفة للتعرض للبرد عند الإنسان. (PubMed Central (PMC))

مرجع صادر عن الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم يناقش آليات زيادة إدرار البول في البرد، ومنها تضيق الأوعية الطرفية وانتقال الدم باتجاه مركز الجسم وتنظيم الماء بواسطة الكلى. (NCBI)

دراسة بشرية عن التعرض للبرد في القارة القطبية وجدت زيادة في حجم البول وطرح الصوديوم بعد التعرض للبرد، وأشارت إلى أن الآلية لا يمكن تفسيرها بهرمون واحد فقط. (J-STAGE)

مراجعة عن فسيولوجيا الإنسان أثناء التعرض للبرد تناقش زيادة البول وفقد الماء والأملاح ضمن استجابات الجسم للبرد. (PubMed)




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق