لماذا يأتي الجوع أحيانًا على شكل موجات ثم يختفي رغم أنك لم تأكل؟
ربما مررت بهذا الموقف من قبل. يحين موعد الغداء المعتاد وتشعر فجأة بجوع قوي، لكنك تنشغل بالعمل أو القيادة أو أي شيء آخر ولا تأكل. وبعد نصف ساعة أو ساعة تكتشف أن الجوع أصبح أخف بكثير، رغم أنك لم تدخل أي طعام إلى جسمك.
قد يبدو الأمر غريبًا. إذا كان الجسم يحتاج إلى الطعام، أليس من المفترض أن يزداد الجوع باستمرار حتى نأكل؟
في الحقيقة، الشعور بالجوع لا يعمل مثل عداد يرتفع بلا توقف كلما مر الوقت منذ آخر وجبة. بل يتغير خلال اليوم على شكل موجات تتأثر بالمعدة والدماغ والهرمونات وعادات تناول الطعام والساعة الداخلية للجسم.
الجوع ليس مجرد معدة فارغة
كثيرون يعتقدون أن المعدة تصبح فارغة ثم ترسل رسالة مباشرة تقول للدماغ: حان وقت الطعام.
لكن الشعور بالجوع أكثر تعقيدًا.
الدماغ يستقبل في الوقت نفسه معلومات عن كمية الطاقة المتوفرة في الجسم، ومستوى بعض الهرمونات، وما يحدث في المعدة والأمعاء، ووقت اليوم، وحتى الوقت الذي اعتدت فيه تناول الطعام.
لهذا يمكن أن نشعر بالجوع أحيانًا رغم وجود طاقة كافية مخزنة في الجسم.
كما يمكن أن يخف الجوع لفترة رغم أننا لم نأكل.
هناك هرمون يرتفع عادة قبل موعد الطعام
أحد الهرمونات المهمة في هذه القصة يسمى الغريلين.
Ghrelin
ينتج جزء كبير منه في المعدة، ويرتبط بزيادة الشهية والرغبة في تناول الطعام.
أظهرت الدراسات البشرية أن مستوى الغريلين يميل إلى الارتفاع قبل الوجبات، ثم ينخفض بعد تناول الطعام.
ولهذا يطلق عليه أحيانًا بصورة مبسطة هرمون الجوع.
لكن هذه التسمية لا تعني أنه المفتاح الوحيد للشهية.
المفاجأة أن الغريلين قد يرتفع حتى عندما لا تأكل
درس الباحثون أشخاصًا صائمين لفترة طويلة وراقبوا مستوى الغريلين خلال اليوم.
وجدوا أن الهرمون لم يستمر في الصعود طوال فترة الصيام.
بل ظهرت ارتفاعات وانخفاضات متكررة.
والأكثر إثارة أن بعض الارتفاعات حدثت بالقرب من الأوقات التي اعتاد الأشخاص تناول وجباتهم فيها، رغم أنهم لم يحصلوا على تلك الوجبات.
أي أن الجسم يستطيع إنتاج ما يشبه إشارة وقت الطعام، ثم تخف الإشارة لاحقًا حتى إذا لم تأكل.
وهذا يساعد على تفسير سبب ظهور الجوع كموجة ثم تراجعه.
جسمك يمكن أن يتعلم موعد الغداء
إذا كنت تتناول الغداء كل يوم تقريبًا عند الساعة الثانية، فإن جسمك لا ينتظر دائمًا وصول الطعام حتى يبدأ الاستعداد له.
يمكن أن تبدأ بعض الإشارات المرتبطة بالشهية قبل الموعد المعتاد.
وقد وجدت دراسات أن الأشخاص الذين تختلف مواعيد وجباتهم المعتادة تختلف لديهم أيضًا أوقات ارتفاع الغريلين.
وهذا يعني أن توقيت الوجبات الذي نكرره يومًا بعد يوم يمكن أن يساعد في تشكيل توقيت بعض إشارات الجوع.
لذلك قد تشعر بالجوع في الساعة نفسها كل يوم تقريبًا حتى في يوم تناولت فيه إفطارًا أكبر من المعتاد.
ولهذا قد تجوع عند الظهر حتى في يوم العطلة
ربما تعمل طوال الأسبوع وتتناول الغداء عند وقت محدد.
ثم يأتي يوم العطلة، وتستيقظ متأخرًا وتتناول الإفطار متأخرًا، لكنك تفاجأ بأن الرغبة في تناول شيء ما تظهر حول موعد غدائك المعتاد.
ليس الأمر مجرد عادة نفسية بالضرورة.
الجسم نفسه يتكيف بدرجة معينة مع أوقات الطعام المتكررة.
وتشارك الإشارات الهرمونية والعصبية في هذا التوقع.
ماذا يحدث عندما تتجاهل موجة الجوع؟
قد يرتفع الشعور بالجوع لفترة، ثم يبدأ بالتراجع.
أحد الأسباب المحتملة أن بعض إشارات الشهية، ومنها الغريلين، لا تبقى مرتفعة بصورة ثابتة.
يمكن أن تصل إلى ذروة ثم تنخفض.
ولهذا فإن تفويت وجبة معتادة لا يعني أن الجوع سيصبح بعد ثلاث ساعات ثلاثة أضعاف ما كان عليه عند موعد الوجبة.
قد يأتي جوع جديد لاحقًا، لكنه ليس خطًا مستقيمًا يصعد بلا توقف.
هل هذا يعني أن الجسم لم يعد يحتاج إلى الطعام؟
لا.
انخفاض الشعور بالجوع لا يعني بالضرورة اختفاء حاجة الجسم إلى الطاقة.
هناك فرق بين حاجة الجسم الفعلية للطاقة وبين الإحساس اللحظي بالجوع.
يمكن للإنسان أن يمتلك مخزونًا كبيرًا من الطاقة في الجسم ومع ذلك يشعر بالجوع.
وبالعكس، قد يكون قد مر وقت طويل منذ آخر وجبة ثم يشعر بجوع قليل في لحظة معينة.
الشعور بالجوع مجرد جزء من منظومة تنظيم تناول الطعام وليس مقياسًا دقيقًا لكمية الطاقة المتبقية في الجسم.
لماذا يختفي الجوع عندما ننشغل أحيانًا؟
الانتباه يؤثر أيضًا في إدراك الأحاسيس القادمة من الجسم.
عندما تكون جالسًا دون عمل قد تصبح أكثر وعيًا بإحساس المعدة والرغبة في الطعام.
لكن أثناء اجتماع مهم أو لعبة أو رحلة أو مهمة تحتاج إلى تركيز شديد، قد يقل انتباهك لهذه الإشارات.
لا يعني هذا أن هرمونات الشهية توقفت تمامًا.
بل إن طريقة إدراك الدماغ للإشارة نفسها يمكن أن تتغير بحسب ما يشغل انتباهه.
ولهذا قد تقول فجأة بعد انتهاء مهمة طويلة: لم أنتبه أنني جائع منذ ساعات.
لماذا نشعر بالجوع بمجرد رؤية الطعام أحيانًا؟
الجسم لا ينتظر وصول الطعام إلى المعدة حتى يستجيب له.
الرؤية والرائحة والتفكير بالطعام والاعتقاد بأن وجبة ستأتي قريبًا يمكن أن تشغل مجموعة من الاستجابات الاستعدادية.
الدماغ يتعلم الربط بين إشارات معينة وبين الطعام.
رائحة الخبز.
وقت الغداء.
فتح تطبيق توصيل الطعام.
الدخول إلى المطبخ.
حتى الجلوس في المكان الذي تتناول فيه الطعام عادة.
كل هذه الأشياء يمكن أن تساعد في زيادة الرغبة في تناول الطعام حتى إذا لم تكن المعدة فارغة تمامًا.
لهذا يوجد فرق بين الجوع والرغبة في الأكل
يمكن أن تكون جائعًا ومستعدًا لتناول أي وجبة عادية.
لكن يمكن أيضًا أن تكون ممتلئًا نسبيًا ثم ترى قطعة حلوى وتشعر برغبة قوية في تناولها.
الحالتان ليستا متطابقتين.
الشهية تتأثر بمراكز المكافأة في الدماغ وبالطعم والرائحة والتجارب السابقة، وليس فقط بحاجة الجسم إلى السعرات الحرارية.
ولهذا يمكن أن يختفي الجوع تجاه الطعام العادي بعد وجبة كبيرة بينما تبقى لديك رغبة في الحلوى.
النوم السيئ يمكن أن يغير هذه الموجات أيضًا
قلة النوم لا تجعل الإنسان متعبًا فقط.
هناك أدلة على أنها تستطيع التأثير في تنظيم الشهية واختيار الطعام.
بعد النوم غير الكافي قد يشعر بعض الأشخاص برغبة أكبر في تناول الأطعمة الغنية بالطاقة.
كما يمكن أن تتغير الإشارات الهرمونية والعصبية التي تشارك في تنظيم الجوع والشبع.
ولهذا قد تلاحظ أن السيطرة على الشهية تكون أصعب بعد ليلة من السهر مقارنة بيوم حصلت فيه على نوم جيد.
الساعة البيولوجية لها دور أيضًا
الجوع لا يتأثر فقط بعدد الساعات منذ آخر وجبة.
للجسم ساعة داخلية تنظم عددًا هائلًا من الوظائف على مدار اليوم.
وتظهر هرمونات الجهاز الهضمي والشهية أنماطًا يومية مرتبطة بهذه الساعة وبمواعيد الطعام.
لذلك قد تختلف الشهية في الصباح عن المساء حتى عند ظروف متشابهة نسبيًا.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل الشخص نفسه قادرًا على تأخير الإفطار بسهولة لكنه يجد تأخير العشاء أصعب، أو العكس.
هل قرقرة المعدة تعني أننا بحاجة إلى الطعام فورًا؟
ليس دائمًا.
المعدة والأمعاء تتحرك حتى عندما لا تحتوي على وجبة.
وخلال الفترات بين الوجبات تحدث موجات من الانقباضات تساعد على تحريك بقايا الطعام والإفرازات عبر الجهاز الهضمي.
يمكن لهذه الحركات أن تنتج الأصوات التي نسميها قرقرة المعدة.
وقد تحدث عندما نكون جائعين، لكنها ليست إنذارًا بأن الجسم سيتعرض لمشكلة إذا لم نأكل فورًا.
أحيانًا تكون ببساطة أصوات الحركة الطبيعية للجهاز الهضمي.
لماذا يكون الجوع شديدًا أحيانًا بعد تناول الحلويات؟
نوع الوجبة يؤثر في الشبع.
لا تعطي جميع السعرات الحرارية الإحساس نفسه بالشبع.
تتفاعل البروتينات والدهون والكربوهيدرات والألياف مع المعدة والأمعاء والهرمونات بطرق مختلفة.
كما أن سرعة هضم الطعام وحجمه وتركيبه تؤثر في المدة التي يشعر خلالها الشخص بالامتلاء.
ولهذا قد تستطيع تناول كمية كبيرة من السعرات من بعض الأطعمة ثم تشعر بالرغبة في الأكل بعد فترة أقصر من وجبة أخرى تحتوي على كمية مشابهة من الطاقة لكنها أغنى بالبروتين أو الألياف.
هل شرب الماء يوقف موجة الجوع؟
قد يقلل شرب الماء الشعور بالجوع مؤقتًا لدى بعض الأشخاص، خصوصًا إذا ساهم امتلاء المعدة في الإحساس بالشبع.
لكن الماء لا يوفر الطاقة ولا يستطيع استبدال الطعام عندما يحتاج الجسم إلى التغذية.
كما أن فكرة أن كل إحساس بالجوع هو في الحقيقة عطش ليست صحيحة.
الجوع والعطش منظومتان مختلفتان، رغم إمكانية تداخل الإحساس بهما أحيانًا.
هل تجاهل الجوع دائمًا صحي؟
لا توجد قاعدة تقول إن تجاهل الجوع مفيد.
كما لا توجد ضرورة لتناول الطعام فور ظهور أول إحساس بسيط بالجوع عند الشخص السليم.
الأمر يعتمد على الحالة الصحية والعمر والنشاط والأدوية ونمط التغذية.
الأشخاص المصابون بالسكري، خصوصًا من يستخدمون الإنسولين أو أدوية يمكن أن تسبب انخفاض سكر الدم، لا ينبغي لهم تفسير أعراض انخفاض السكر على أنها مجرد موجة جوع عادية.
الرجفة والتعرق والدوخة والارتباك والخفقان والجوع الشديد المفاجئ يمكن أن تكون علامات انخفاض سكر الدم لدى الأشخاص المعرضين لذلك.
لماذا تفيد معرفة هذه الظاهرة؟
لأنها تساعد على فهم أن الشعور بالجوع ليس أمرًا ثابتًا يجب الاستجابة له بالطريقة نفسها في كل مرة.
في بعض الأحيان تكون أمام وجبة فعلية بعد صيام طويل.
وفي أحيان أخرى تكون أمام موجة قصيرة ظهرت لأن الساعة اقتربت من موعد الطعام الذي اعتدت عليه.
وفي أحيان أخرى تكون الرغبة مرتبطة برائحة الطعام أو الملل أو السهر أو رؤية شيء لذيذ.
لهذا قد تشعر في الساعة الواحدة أنك جائع جدًا، ثم تنشغل حتى الثانية وتكتشف أن الإحساس أصبح أضعف رغم أنك لم تتناول لقمة واحدة.
لم تختف حاجة الجسم إلى الطاقة بصورة سحرية، وإنما انخفضت إحدى الموجات التي يستخدمها الدماغ والجهاز الهضمي لتنظيم توقيت تناول الطعام.
المصادر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق