لماذا يقشعر جلدنا عند البرد أو الخوف أو سماع شيء مؤثر؟
قد تقف في مكان بارد فتلاحظ فجأة أن جلد ذراعيك امتلأ بنتوءات صغيرة وأن الشعيرات أصبحت منتصبة.
والأمر نفسه قد يحدث دون أي برد.
قد تسمع مقطعًا موسيقيًا مؤثرًا، أو تشاهد مشهدًا قويًا في فيلم، أو تشعر بالخوف فجأة، فتظهر القشعريرة على الجلد خلال ثوانٍ.
هذه الظاهرة التي نسميها عادة قشعريرة الجلد أو جلد الإوز ليست تغيرًا يحدث في سطح الجلد وحده.
تحت كل شعرة تقريبًا توجد عضلة صغيرة جدًا يستطيع الجهاز العصبي تشغيلها دون أن نقرر ذلك.
وعندما تنقبض هذه العضلات ترتفع الشعيرات ويتجعد الجلد حولها، فتظهر النتوءات الصغيرة المعروفة.
هناك عضلة صغيرة مرتبطة بكل شعرة
ترتبط بصيلات كثير من شعر الجسم بعضلة دقيقة تسمى العضلة الناصبة للشعرة.
Arrector Pili Muscle
هذه العضلة صغيرة جدًا لدرجة أننا لا نشعر بانقباضها بالطريقة التي نشعر بها بانقباض عضلات الذراع أو الساق.
عندما تنقبض، تسحب بصيلة الشعرة وتجعل الشعرة تميل إلى الوقوف بصورة أكثر عمودية على سطح الجلد.
وفي الوقت نفسه يسحب الانقباض جزءًا من الجلد حول البصيلة.
وهكذا تتكون النتوءة الصغيرة التي نراها.
وجود آلاف هذه العضلات الصغيرة وهي تنقبض في الوقت نفسه هو ما يصنع شكل جلد الإوز.
أنت لا تستطيع عادة تشغيل هذه العضلات بإرادتك
العضلات التي تحرك الذراعين والساقين تخضع بدرجة كبيرة للإرادة.
يمكنك أن تقرر رفع يدك أو المشي.
أما العضلات الناصبة للشعر فتخضع أساسًا للجهاز العصبي اللاإرادي.
وهو الجزء من الجهاز العصبي الذي ينظم عددًا كبيرًا من الوظائف من دون أن تحتاج إلى التفكير فيها.
لذلك لا تستطيع عادة أن تقول لنفسك سأجعل جلد ذراعي يقشعر الآن ثم تنفذ الأمر.
الاستجابة تحدث تلقائيًا عندما تصل الإشارة العصبية المناسبة.
وقد وُصفت حالات نادرة يستطيع فيها بعض الأشخاص إحداث القشعريرة بإرادتهم، لكنها ليست القدرة المعتادة لدى الإنسان.
لماذا يفعل الجسم ذلك عندما نشعر بالبرد؟
لفهم السبب علينا أن نتخيل حيوانًا يمتلك طبقة كثيفة من الشعر أو الفراء.
عندما تنتصب الشعيرات تصبح بينها طبقة أكبر من الهواء.
والهواء المحبوس بين الشعيرات يعمل كعازل يساعد على تقليل فقدان حرارة الجسم.
لهذا نرى بعض الحيوانات تبدو أكثر انتفاخًا في الجو البارد.
إنها لا تكبر فعلًا.
الشعر أو الريش ينتصب، فتتكون طبقة عازلة أكثر سماكة.
الإنسان يحتفظ بالآلية العصبية والعضلات نفسها تقريبًا، لكن شعر الجسم لدينا أقل كثافة بكثير من فراء العديد من الحيوانات.
لذلك فإن الفائدة الحرارية الناتجة عن انتصاب شعر الإنسان محدودة جدًا.
إذن لماذا ما زالت القشعريرة موجودة لدينا؟
لأن التطور لا يزيل بالضرورة كل آلية قديمة بمجرد أن تصبح فائدتها أقل أهمية.
نحن ما زلنا نمتلك بصيلات شعر وعضلات صغيرة متصلة بها وأعصابًا تتحكم فيها.
وعندما ينشط الجهاز العصبي استجابة للبرد، تنقبض هذه العضلات كما كانت تفعل لدى أسلاف يمتلكون شعرًا أكثر كثافة.
لذلك ينظر إلى جزء من هذه الاستجابة لدى الإنسان على أنه بقايا لآلية كانت أكثر فائدة عندما كان غطاء الشعر أكثر كثافة.
لكن أبحاثًا أحدث تشير إلى أن القصة قد لا تكون مجرد بقايا عديمة الفائدة تمامًا، وأن استجابة انتصاب الشعر لدى الإنسان ما زالت مرتبطة بتغيرات حقيقية في تنظيم حرارة الجلد.
لماذا تظهر القشعريرة قبل الارتجاف أحيانًا؟
عندما يبدأ الجسم بالشعور بالبرد لا يستخدم وسيلة واحدة فقط للمحافظة على حرارته.
يمكن أن تضيق الأوعية الموجودة في الجلد لتقليل فقد الحرارة.
وقد تنتصب الشعيرات.
وإذا أصبح البرد أقوى، يبدأ الارتجاف.
الارتجاف يعتمد على انقباض العضلات الكبيرة بسرعة لتوليد الحرارة.
أما انتصاب الشعر فيحتاج إلى طاقة أقل بكثير.
لذلك يمكن اعتباره جزءًا من مجموعة الاستجابات التي يبدأ بها الجسم عندما يحاول التعامل مع البرودة.
لكن لماذا يحدث الشيء نفسه عند الخوف؟
الجهاز العصبي المسؤول عن استجابة البرد يشارك أيضًا في التعامل مع حالات الانفعال الشديد.
عندما نشعر بالخوف أو التهديد، ينشط الجهاز العصبي الودي.
Sympathetic Nervous System
وهو أحد الأنظمة التي تجهز الجسم للتعامل مع المواقف المهمة والمفاجئة.
قد يرتفع نبض القلب.
ويتغير التنفس.
ويتغير تدفق الدم إلى الجلد.
وقد تنقبض العضلات الناصبة للشعر أيضًا.
فتظهر القشعريرة.
أي أن جسمك يستخدم المسار العصبي نفسه تقريبًا في أكثر من موقف.
ولدى الحيوانات قد يجعلها ذلك تبدو أكبر
ربما شاهدت قطة خائفة يرتفع شعر ظهرها وذيلها.
عندما ينتصب الفراء، يبدو الحيوان أكبر حجمًا.
وقد يكون ذلك مفيدًا عند مواجهة حيوان آخر لأنه يجعل الجسم يبدو أكثر تهديدًا.
الإنسان لا يمتلك فراءً كثيفًا يكفي لإحداث التأثير نفسه بصورة واضحة.
لكن الآلية العصبية ما زالت موجودة.
ولهذا يمكن للخوف المفاجئ أن يجعل شعر الجسم ينتصب رغم أن ذلك لن يجعل الإنسان يبدو أكبر بصورة ملحوظة.
لماذا تجعلنا الموسيقى نقشر أحيانًا؟
هذه من أكثر جوانب الظاهرة إثارة للاهتمام.
لا يحتاج الجسم إلى البرد أو الخطر حتى تظهر القشعريرة.
يمكن للموسيقى أو الأصوات أو المشاهد السينمائية أو اللحظات العاطفية القوية أن تسببها.
وقد درست الأبحاث هذه الظاهرة باستخدام قياسات مباشرة للجلد بدل الاعتماد فقط على سؤال الأشخاص عما إذا كانوا شعروا بالقشعريرة.
وتبين أن القشعريرة العاطفية ترتبط فعلًا بتغيرات في نشاط الجهاز العصبي اللاإرادي.
أي أنها استجابة جسدية حقيقية يمكن قياسها.
هل القشعريرة تعني أن الموسيقى حزينة؟
ليس بالضرورة.
قد تحدث مع الحزن.
وقد تحدث مع الفرح.
وقد تظهر عند الشعور بالرهبة أو التأثر أو الحماس أو المفاجأة.
وأظهرت مراجعة منهجية للأبحاث أن القشعريرة العاطفية ليست مرتبطة بعاطفة واحدة بسيطة.
الأهم يبدو أنه وجود حالة انفعالية قوية مصحوبة بتغير في نشاط الجهاز العصبي.
ولهذا قد يشعر شخص بالقشعريرة عند سماع أغنية حزينة، بينما يشعر بها آخر عند ذروة موسيقية مبهجة.
لماذا لا تقشعر جلود جميع الناس عند الأغنية نفسها؟
لأن الاستجابة للموسيقى والتجارب العاطفية فردية جدًا.
الذكريات المرتبطة بالمقطع مهمة.
وكذلك توقع الشخص لما سيأتي في الموسيقى.
والانتباه.
وشدة التأثر بالمشهد.
والاختلافات الفردية في استجابة الجهاز العصبي.
لذلك قد يسمع عشرة أشخاص المقطع نفسه في الوقت نفسه، فتظهر القشعريرة لدى اثنين فقط.
ولا يعني ذلك أن البقية لم يستمتعوا بالموسيقى.
هل يمكن أن تحدث القشعريرة بسبب اللمس؟
نعم.
الدراسات الحديثة أظهرت أن البرودة والمحفزات العاطفية ليستا السببين الوحيدين.
بعض أنواع اللمس يمكن أن تسبب انتصاب الشعر أيضًا.
قد يحدث ذلك عندما يمر شيء بخفة على الجلد أو عند تلقي لمسة معينة.
وفي دراسة حديثة راقب الباحثون أكثر من ألف حالة من انتصاب الشعر ووجدوا أن المحفزات الحرارية واللمسية والسمعية البصرية جميعها استطاعت إحداث الظاهرة.
وهذا يدل على أن استجابة جلد الإوز أكثر تنوعًا مما كان يُعتقد.
هل الشعور بالقشعريرة هو نفسه ظهورها فعلًا؟
ليس دائمًا.
قد يقول الشخص إنه شعر بقشعريرة تسري في جسمه دون أن يكون هناك انتصاب واضح للشعر يمكن قياسه.
وفي المقابل قد تحدث تغيرات بسيطة في الجلد دون أن ينتبه إليها الشخص.
لهذا تميز الدراسات الحديثة بين الإحساس الذاتي بالقشعريرة وبين انتصاب الشعر الذي يمكن تصويره أو قياسه مباشرة.
وهذا مهم خصوصًا عند دراسة القشعريرة الناتجة عن الموسيقى والعواطف.
لماذا تبدأ القشعريرة أحيانًا من الرأس أو الرقبة ثم تنتشر؟
يصف بعض الأشخاص إحساسًا يبدأ من فروة الرأس أو مؤخرة الرقبة ثم يتحرك عبر الظهر والذراعين.
لكن هذا الإحساس ليس بالضرورة حركة فعلية تسافر داخل الجلد.
قد يكون نتيجة الطريقة التي تتنشط بها شبكات الأعصاب المختلفة وكيف يدرك الدماغ تغير الإحساس في مناطق متعددة من الجسم.
أما انتصاب الشعر نفسه فيمكن أن يظهر في مناطق مختلفة بدرجات مختلفة.
ولهذا قد تكون القشعريرة واضحة على الذراعين بينما تكاد لا ترى على الساقين.
لماذا لا يظهر جلد الإوز في راحة اليد؟
راحة اليد لا تحتوي على بصيلات شعر.
وبالتالي لا توجد فيها عضلات ناصبة للشعر مثل المناطق المشعرة من الجلد.
لذلك لن ترى النتوءات نفسها على راحة اليد حتى عندما تكون في غاية البرودة أو الخوف.
وينطبق الأمر نفسه على باطن القدم.
يمكن أن تشعر بالبرد أو التعرق أو تغير الإحساس هناك، لكن ليس بانتصاب الشعر لأنه لا يوجد شعر لينتصب أصلًا.
هل القشعريرة تساعد على تدفئتنا فعلًا؟
بالنسبة للحيوانات ذات الفراء الكثيف، نعم، يمكن لانتصاب الشعر أن يزيد طبقة الهواء العازلة.
أما لدى الإنسان فإن الفائدة أصغر بكثير بسبب قلة كثافة شعر الجسم.
ولهذا كان الاعتقاد لفترة طويلة أن انتصاب الشعر لدى الإنسان مجرد استجابة أثرية لا أهمية حرارية كبيرة لها.
لكن دراسة حديثة راقبت انتصاب الشعر ودرجة حرارة الجلد وجدت أن القشعريرة المحفزة بانخفاض حرارة الجلد ارتبطت بارتفاع لاحق في حرارة الجلد خلال النوبات.
وهذا جعل الباحثين يقترحون أن الظاهرة لدى الإنسان قد لا تكون عديمة الوظيفة تمامًا.
لكن لا ينبغي المبالغة في ذلك.
القشعريرة وحدها لا تستطيع تدفئة الإنسان في الجو شديد البرودة، ولا تستبدل الملابس أو الارتجاف أو بقية وسائل تنظيم الحرارة.
هناك علاقة غريبة بين هذه العضلة وبصيلة الشعر
العضلة الصغيرة التي تسبب القشعريرة ليست مجرد قطعة منفصلة من الجلد.
إنها متصلة ببصيلة الشعر في منطقة مهمة توجد بالقرب منها الخلايا الجذعية المسؤولة عن تجدد الشعر.
كما تمر الأعصاب الودية بالقرب من هذا النظام.
وأظهرت أبحاث في الحيوانات أن العلاقة بين العصب والعضلة وبصيلة الشعر أكثر تعقيدًا من مجرد جعل الشعرة تنتصب.
فالإشارات العصبية تستطيع أيضًا التأثير في نشاط الخلايا الجذعية الموجودة في بصيلة الشعر.
وهذا كشف للعلماء أن الوحدة التي تصنع القشعريرة تشارك في بيولوجيا الجلد والشعر بصورة أعمق مما كان يُعتقد.
لكن لا يعني ذلك أن جعل جلدك يقشعر سيؤدي إلى نمو الشعر عند الإنسان.
فهذه نتائج بيولوجية معقدة، والكثير منها جاء من دراسات مخبرية وحيوانية.
هل الخوف الشديد يجعل الشعر يقف فعلًا؟
نعم، العبارة الشائعة بأن الشعر وقف من الخوف لها أساس فسيولوجي حقيقي.
لكن الشعر الطويل الموجود على الرأس لن يقف كله عموديًا كما يحدث في الرسوم المتحركة.
العضلات الناصبة للشعر صغيرة، وتأثيرها أوضح على الشعيرات القصيرة الموجودة على الجلد.
لذلك ما نلاحظه فعليًا هو ظهور النتوءات وانتصاب شعر الذراعين أو الساقين بدرجة صغيرة.
هل يمكن أن تأتي القشعريرة من دون سبب واضح؟
نعم.
قد تحدث استجابة قصيرة بسبب تغير بسيط في درجة الحرارة أو تيار هواء لم تنتبه إليه.
وقد تكون مرتبطة بإحساس أو صوت أو فكرة عابرة.
لذلك حدوث القشعريرة بين حين وآخر دون سبب واضح لا يعني عادة وجود مشكلة صحية.
لكن القشعريرة المستمرة أو المتكررة جدًا المصحوبة بأعراض أخرى ليست بالضرورة الظاهرة اليومية نفسها.
القشعريرة مع الحمى مختلفة قليلًا
عندما ترتفع حرارة الجسم بسبب عدوى، قد يشعر الشخص بالبرد ويرتجف رغم أن درجة حرارته مرتفعة.
السبب أن الدماغ قد يرفع مؤقتًا الدرجة التي يريد الجسم الوصول إليها.
فيصبح الجسم الحالي بالنسبة لهذا الهدف الجديد باردًا.
فيضيّق أوعية الجلد ويحدث الارتجاف وقد تظهر القشعريرة.
ولهذا يمكن للشخص المصاب بالحمى أن يشعر بأنه يتجمد ويحتاج إلى غطاء رغم أن ميزان الحرارة يشير إلى ارتفاع حرارته.
متى تستحق القشعريرة الانتباه؟
القشعريرة القصيرة الناتجة عن البرد أو الانفعال طبيعية.
لكن إذا كانت مصحوبة بحمى مرتفعة أو ارتجاف شديد مستمر أو ارتباك أو أعراض عدوى واضحة، فالمهم عندها هو البحث عن سبب المرض وليس القشعريرة نفسها.
كما أن ظهور انتصاب الشعر بصورة متكررة جدًا في منطقة واحدة فقط مع أعراض عصبية غير معتادة أمر مختلف عن القشعريرة الطبيعية، وهناك حالات عصبية نادرة جدًا يمكن أن يظهر فيها انتصاب الشعر كجزء من الأعراض.
هذه الحالات مختلفة تمامًا عن جلد الإوز الطبيعي الذي يظهر عند البرد أو الخوف أو التأثر.
في المرة القادمة التي تسمع فيها أغنية وتجد شعر ذراعك قد انتصب، فإن ما تراه هو انقباض آلاف العضلات المجهرية التي يتحكم بها جهاز عصبي يعمل من تلقاء نفسه.
وهي الاستجابة نفسها التي يستخدمها الجسم عندما يشعر بالبرد، وبقايا آلية كانت أكثر وضوحًا وفائدة عندما كان غطاء الشعر لدى أسلاف الإنسان أكثر كثافة.
المصادر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق