لماذا قد يكون المشي عشر دقائق بعد الطعام عادة مفيدة لسكر الدم؟
بعد تناول وجبة من الطعام، خصوصًا إذا كانت تحتوي على الخبز أو الأرز أو البطاطا أو الحلويات، يبدأ الجسم بهضم الكربوهيدرات وتحويل جزء كبير منها إلى غلوكوز ينتقل إلى الدم.
ولهذا يرتفع مستوى السكر في الدم بصورة طبيعية بعد الأكل.
عند الشخص السليم يتعامل الجسم مع هذا الارتفاع بإفراز الإنسولين، الذي يساعد على نقل الغلوكوز من الدم إلى الخلايا لاستخدامه في إنتاج الطاقة أو تخزينه.
لكن هناك عادة بسيطة يمكن أن تساعد الجسم في هذه المهمة، وهي المشي لفترة قصيرة بعد تناول الطعام.
ولا يشترط أن يكون المشي سريعًا أو أن يتحول إلى تمرين رياضي كامل.
تشير الدراسات إلى أن المشي الهادئ بعد الطعام يمكن أن يقلل مقدار ارتفاع السكر الذي يحدث بعد الوجبة.
ماذا يحدث لسكر الدم بعد تناول الطعام؟
لا يبقى مستوى السكر ثابتًا طوال اليوم.
بعد تناول الطعام تبدأ الكربوهيدرات بالتحول إلى سكريات أبسط، ثم ينتقل الغلوكوز من الأمعاء إلى الدم.
يرتفع مستوى السكر تدريجيًا، فيفرز البنكرياس الإنسولين.
يعمل الإنسولين مثل إشارة تخبر خلايا الجسم بأن الغلوكوز متوفر ويمكنها إدخاله واستخدامه.
تساهم العضلات بصورة كبيرة في استهلاك الغلوكوز الموجود في الدم.
وهنا تظهر أهمية الحركة بعد الطعام.
ماذا تفعل العضلات عندما نمشي؟
قد تبدو عشر دقائق من المشي نشاطًا بسيطًا جدًا، لكن العضلات تبدأ بالعمل فورًا.
عضلات الساقين تحتاج إلى الطاقة لكي تنقبض وتتحرك.
وللحصول على هذه الطاقة تستطيع استخدام الغلوكوز الموجود في الدم.
والأمر المثير للاهتمام أن انقباض العضلات أثناء النشاط البدني يستطيع زيادة دخول الغلوكوز إليها من خلال آليات لا تعتمد بالكامل على الإنسولين.
بعبارة أبسط، بعد تناول الطعام يكون الغلوكوز قد بدأ بالدخول إلى الدم، وعندما تبدأ بالمشي تحصل العضلات على فرصة لاستخدام جزء منه بدل بقائه في الدورة الدموية.
لهذا يمكن أن يصبح ارتفاع السكر بعد الوجبة أقل حدة.
لماذا المشي بعد الطعام وليس قبله فقط؟
النشاط البدني مفيد في مختلف أوقات اليوم.
لكن عندما يكون الهدف بالتحديد تخفيف ارتفاع السكر الناتج عن وجبة، يبدو توقيت الحركة مهمًا.
مراجعة علمية جمعت نتائج عدد من الدراسات وجدت أن ممارسة النشاط بعد تناول الطعام كانت أكثر فاعلية في تقليل ارتفاع السكر بعد الوجبة مقارنة بممارسة النشاط قبلها.
والسبب منطقي.
المشي يحدث في الوقت نفسه تقريبًا الذي يبدأ فيه الغلوكوز بالدخول إلى الدورة الدموية.
فتبدأ العضلات باستخدامه خلال فترة ارتفاعه.
هل يجب الانتظار ساعة بعد الطعام؟
ليس بالضرورة.
تشير الدراسات إلى أن بدء النشاط في وقت قريب من الوجبة قد يكون مفيدًا.
ولا يعني هذا أن على الشخص النهوض فور وضع آخر لقمة في فمه والمشي بسرعة.
لكن فكرة ضرورة الجلوس فترة طويلة بعد الطعام ليست قاعدة صحية عامة.
بالنسبة لكثير من الأشخاص الأصحاء، يمكن أن يكون المشي الهادئ بعد الانتهاء من الطعام أمرًا طبيعيًا ومفيدًا.
هل عشر دقائق فعلًا كافية لإحداث فرق؟
من المثير للاهتمام أن إحدى الدراسات المنشورة عام 2025 اختبرت هذه الفكرة بصورة مباشرة.
تناول المشاركون كمية محددة من الغلوكوز، ثم تمت مقارنة عدة حالات.
في إحدى الحالات بقوا دون مشي.
وفي حالة أخرى مشوا لمدة عشر دقائق بعد تناول الغلوكوز.
وفي حالة ثالثة قاموا بالمشي لفترة أطول في وقت لاحق.
وجد الباحثون أن المشي لمدة عشر دقائق بعد تناول الغلوكوز أدى إلى انخفاض ارتفاع السكر مقارنة بالبقاء دون حركة.
كما انخفضت أعلى قيمة وصل إليها السكر في المجموعة التي مشت عشر دقائق.
لكن من المهم فهم حدود هذه النتيجة.
الدراسة كانت صغيرة وأجريت على اثني عشر شخصًا شابًا سليمًا فقط، كما استخدمت مشروب غلوكوز وليس وجبة يومية عادية.
لذلك لا تعني الدراسة أن عشر دقائق هي رقم سحري يناسب كل شخص وكل وجبة.
لكنها تقدم مثالًا جيدًا على أن فترة قصيرة جدًا من الحركة يمكن أن يكون لها تأثير قابل للقياس.
الأدلة لا تعتمد على دراسة واحدة فقط
الفكرة العامة أصبحت مدعومة بعدد أكبر من الدراسات.
فقد وجدت مراجعات وتحليلات لعدد كبير من التجارب أن مقاطعة الجلوس بالحركة الخفيفة تقلل ارتفاع السكر والإنسولين بعد الطعام مقارنة بالجلوس المتواصل.
وفي مراجعة حديثة شملت عشرات الدراسات، كان المشي من أكثر أنواع فترات النشاط فاعلية في خفض استجابة السكر بعد الطعام.
لذلك لا تتعلق الفكرة بممارسة رياضة شاقة بعد كل وجبة، وإنما بعدم الانتقال من تناول الطعام مباشرة إلى ساعات طويلة من الجلوس دون حركة.
ماذا عن مرضى السكري من النوع الثاني؟
قد تكون الفكرة أكثر أهمية لدى الأشخاص المصابين بالسكري من النوع الثاني، لأن الجسم يواجه لديهم صعوبة أكبر في التحكم بسكر الدم.
في دراسة معروفة أجريت على أشخاص مصابين بالسكري من النوع الثاني، قارن الباحثون بين المشي لمدة ثلاثين دقيقة مرة واحدة يوميًا وبين المشي لمدة عشر دقائق بعد كل وجبة رئيسية.
كان التحكم بسكر الدم بعد الطعام أفضل عندما تم توزيع المشي على عشر دقائق بعد الوجبات.
وكان التأثير واضحًا بصورة خاصة بعد وجبة المساء.
ولا يعني ذلك أن جميع مرضى السكري يجب أن يغيروا برنامج نشاطهم إلى هذه الطريقة، لأن العلاج والأدوية والقدرة على ممارسة النشاط تختلف من شخص إلى آخر.
لكن الدراسة توضح أهمية توقيت الحركة بالإضافة إلى مقدارها.
لماذا قد تكون وجبة العشاء مهمة بصورة خاصة؟
كثير من الناس يتناولون العشاء ثم يجلسون أمام التلفاز أو الهاتف أو الكمبيوتر لساعات.
وقد تكون الوجبة نفسها كبيرة وتحتوي على كمية مرتفعة من الكربوهيدرات.
وهذا يجمع عاملين معًا.
دخول كمية من الغلوكوز إلى الدم.
وقلة استخدام العضلات له بسبب الجلوس.
لهذا قد تكون جولة مشي قصيرة بعد العشاء من أسهل الطرق لكسر فترة الجلوس الطويلة.
يمكن أن تكون عشر دقائق حول المنزل أو في الشارع أو حتى داخل المنزل إذا لم يكن الخروج ممكنًا.
هل يجب أن يكون المشي سريعًا؟
ليس من الضروري أن يكون المشي شديدًا حتى تكون هناك فائدة.
عدد من الدراسات استخدم المشي الخفيف أو المتوسط.
المقصود أن تبدأ العضلات بالعمل بدل البقاء جالسًا دون حركة.
وبالنسبة لشخص غير معتاد على النشاط، قد يكون المشي المريح أكثر قابلية للاستمرار من وضع برنامج رياضي صعب بعد كل وجبة.
والعادة التي يستطيع الشخص المحافظة عليها غالبًا أكثر فائدة من خطة مثالية يتوقف عنها بعد بضعة أيام.
هل الوقوف وحده يكفي؟
الوقوف أفضل من الاستمرار في الجلوس من ناحية تقليل وقت الخمول، لكن الدراسات تشير عادة إلى أن الحركة الفعلية، وخصوصًا المشي، تؤثر في سكر الدم بدرجة أوضح من الوقوف وحده.
فالعضلات أثناء المشي تحتاج إلى طاقة أكبر بكثير مما تحتاج إليه أثناء الوقوف.
ولهذا فإن التحرك لبضع دقائق هو الهدف الأفضل عندما يكون ذلك ممكنًا.
ماذا لو كنت تعمل في مكتب؟
يمكن تطبيق الفكرة دون تغيير كبير في نمط الحياة.
بعد الغداء مثلًا، بدل العودة مباشرة إلى الكرسي، يمكن المشي بضع دقائق.
يمكن الذهاب للحصول على الماء.
المشي داخل المبنى.
استخدام الدرج إذا كانت الحالة الصحية تسمح بذلك.
أو المشي حول مكان العمل قبل العودة إلى المكتب.
لا تحتاج الفائدة المحتملة إلى ملابس رياضية أو جهاز مشي أو صالة رياضية.
هذه إحدى نقاط قوة الفكرة.
المشي لا يلغي تأثير الطعام
من المهم ألا تتحول الفكرة إلى اعتقاد بأن المشي بعد الطعام يسمح بتناول أي كمية من الحلويات أو الأطعمة ثم إلغاء تأثيرها.
الأمر لا يعمل بهذه الطريقة.
نوع الطعام وكمية الكربوهيدرات والسعرات الحرارية وصحة الجسم ووزنه ونشاطه خلال اليوم كلها عوامل مهمة.
المشي بعد الطعام يساعد في التعامل مع ارتفاع السكر، لكنه لا يمحو محتوى الوجبة ولا يستبدل النظام الغذائي المتوازن.
هل يفيد الشخص غير المصاب بالسكري؟
نعم، لا يقتصر ارتفاع السكر بعد الطعام على مرضى السكري.
يحدث ارتفاع مؤقت للغلوكوز بعد الطعام عند الأشخاص الأصحاء أيضًا، وهو جزء طبيعي من عملية الهضم.
لكن تقليل الجلوس الطويل والمحافظة على نشاط العضلات أمر مفيد للصحة الأيضية بصورة عامة.
وقد أظهرت الدراسات تأثير الحركة القصيرة في سكر ما بعد الطعام حتى لدى أشخاص لا يعانون من السكري.
وهذا يجعل الفكرة عادة يومية محتملة وليست تدخلًا مخصصًا للمرضى فقط.
لماذا تبدو هذه العادة صغيرة لكنها مهمة؟
لأن كثيرًا من النصائح الصحية تُقدَّم بطريقة تجعل الشخص يعتقد أنه يحتاج دائمًا إلى ساعة من الرياضة حتى يستفيد.
لكن جسم الإنسان يستجيب للحركة بمجرد حدوثها.
الدقائق القصيرة من النشاط ليست عديمة القيمة.
عشر دقائق بعد الغداء وعشر دقائق بعد العشاء مثلًا تعني عشرين دقيقة من الحركة كانت ستُقضى في الجلوس.
وعند تكرار ذلك يومًا بعد يوم يتحول النشاط إلى جزء طبيعي من الحياة بدل أن يكون مهمة منفصلة تحتاج إلى وقت خاص.
من يحتاج إلى الحذر؟
المشي الهادئ بعد الطعام آمن لمعظم الأشخاص، لكن ليست هناك قاعدة واحدة تناسب الجميع.
من يستخدم الإنسولين أو أدوية قد تسبب انخفاض السكر يحتاج إلى الانتباه لأن النشاط البدني يمكن أن يخفض مستوى الغلوكوز بصورة إضافية.
كما أن الأشخاص الذين يعانون من أمراض قلبية غير مستقرة أو مشكلات شديدة في التوازن أو القدمين أو المفاصل قد يحتاجون إلى تحديد نوع النشاط المناسب مع الطبيب.
أما بالنسبة للشخص السليم القادر على المشي، فلا تحتاج الفكرة إلى التعقيد.
تناول الطعام.
وتجنب الجلوس مباشرة لساعات إذا كان بإمكانك الحركة.
وامشِ فترة قصيرة بوتيرة مريحة.
قد تكون واحدة من أبسط العادات التي تساعد عضلاتك على التعامل مع السكر الذي دخل إلى دمك للتو.
المصادر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق