لماذا تصبح آلام الجسم أقوى بعد ليلة نوم سيئة؟
قد يستيقظ شخص بعد ليلة من النوم المتقطع ليجد أن الصداع أصبح أكثر إزعاجًا، أو أن ألم الظهر والرقبة الذي كان خفيفًا بالأمس أصبح أوضح، أو أن عضلاته أصبحت أكثر حساسية رغم أنه لم يتعرض لإصابة جديدة.
هذا الشعور ليس مجرد انطباع.
النوم والألم مرتبطان ببعضهما بدرجة كبيرة، وتشير الأبحاث إلى أن قلة النوم أو سوء جودته يمكن أن تجعل الجهاز العصبي أكثر حساسية للألم في اليوم التالي.
بعبارة بسيطة، قد لا يكون الضرر في الجسم قد ازداد، لكن الطريقة التي يستقبل بها الدماغ إشارات الألم ويعالجها قد تغيرت.
الألم لا يعتمد فقط على مكان الإصابة
من الطبيعي أن نفكر في الألم على أنه مقياس مباشر لحجم الإصابة.
كلما كانت الإصابة أكبر، كان الألم أقوى.
لكن جسم الإنسان أكثر تعقيدًا من ذلك.
فعندما تتعرض منطقة من الجسم للإصابة، ترسل الأعصاب إشارات إلى الجهاز العصبي، ثم يقوم الدماغ بمعالجة هذه الإشارات وتحديد تجربة الألم التي نشعر بها.
ولهذا يمكن أن يتغير مقدار الألم تبعًا لعوامل عديدة، منها التوتر والمزاج والانتباه والخوف والتعب والنوم.
وهذا يفسر لماذا يمكن للإصابة نفسها أن تبدو أكثر ألمًا في يوم وأقل ألمًا في يوم آخر.
ماذا تفعل ليلة سيئة واحدة؟
التأثير لا يحتاج دائمًا إلى أشهر من الأرق.
الدراسات التي حرمت أشخاصًا أصحاء من النوم أو قللت ساعات نومهم وجدت أن حساسية بعضهم للألم ازدادت بعد ذلك.
بعض التجارب تستخدم ضغطًا أو حرارة أو برودة بدرجات مضبوطة ثم تسأل المشاركين عن النقطة التي يبدأ عندها الشعور بالألم أو النقطة التي يصبح عندها الألم غير محتمل.
بعد الحرمان من النوم، يمكن أن تنخفض عتبة الألم.
ومعنى ذلك أن منبهًا كان يحتاج سابقًا إلى قوة معينة حتى يصبح مؤلمًا قد يبدأ بإحداث الألم عند مستوى أقل.
لماذا يحدث ذلك؟
لا توجد آلية واحدة تفسر الظاهرة بالكامل.
النوم يؤثر في عدة أنظمة داخل الجسم تشارك في تنظيم الألم.
أثناء النوم الطبيعي تحصل شبكات الدماغ المسؤولة عن معالجة الإحساس والمشاعر والاستجابة للتوتر على فترات من التنظيم والاستقرار.
عندما يصبح النوم قصيرًا أو متقطعًا، يمكن أن يختل هذا التوازن.
وقد تصبح مناطق الدماغ التي تستجيب للإشارات المؤلمة أكثر نشاطًا، بينما تقل كفاءة بعض الأنظمة التي تساعد عادةً على تهدئة الألم.
يمكن تشبيه الأمر برفع مستوى الصوت.
الإشارة القادمة من الجسم قد تكون مشابهة، لكن الجهاز العصبي يعرضها بدرجة أعلى.
الدماغ لديه أنظمة لتخفيف الألم
الجسم لا يستقبل الألم بشكل سلبي فقط.
يوجد داخل الدماغ والحبل الشوكي نظام يستطيع تقليل بعض إشارات الألم.
ولهذا يمكن للإنسان في بعض المواقف ألا يشعر بالإصابة بقوة إلا بعد انتهاء موقف طارئ أو نشاط شديد.
الدماغ يستطيع رفع أو خفض الإحساس بالألم بحسب الظروف.
تشير الأبحاث إلى أن النوم السيئ قد يضعف جزءًا من قدرة الجسم الطبيعية على كبح الإشارات المؤلمة.
وبذلك لا يتعلق الأمر فقط بزيادة إشارات الألم، بل بانخفاض قدرة الجسم على إخمادها أيضًا.
لماذا يصبح الصداع أسوأ بعد السهر؟
هناك أسباب متعددة للصداع، ولا يمكن اعتبار قلة النوم سببًا لكل صداع.
لكن اضطراب النوم معروف بأنه أحد العوامل التي يمكن أن تؤثر في بعض أنواع الصداع، بما في ذلك الصداع النصفي لدى بعض الأشخاص.
السهر يغير نشاط الجهاز العصبي والهرمونات والإيقاع اليومي، وقد يزيد التوتر والتعب ويؤثر في تنظيم الألم.
كما أن الأشخاص الذين يسهرون قد يستهلكون كميات أكبر من الكافيين أو يتأخرون في تناوله، وقد يشربون كمية أقل من الماء أو يتناولون الطعام في أوقات غير معتادة.
لذلك يمكن أن تجتمع عدة عوامل في الوقت نفسه.
وماذا عن ألم الظهر والرقبة؟
الشخص الذي يعاني أصلًا من ألم بسيط في أسفل الظهر أو الرقبة قد يلاحظ أنه أقوى بعد نوم سيئ.
لا يعني ذلك بالضرورة أن الفقرات أو العضلات أصبحت أكثر تضررًا خلال الليل.
قد يكون جزء من الفرق ناتجًا عن زيادة حساسية الجهاز العصبي للألم.
كما أن النوم السيئ يسبب التعب، والتعب قد يقلل النشاط البدني في اليوم التالي ويزيد التركيز على الألم.
وإذا كانت وضعية النوم غير مريحة، فقد يضاف إليها تيبس عضلي حقيقي أيضًا.
وهكذا قد تجتمع عدة عوامل تجعل الألم أوضح صباحًا.
العلاقة تعمل في الاتجاهين
المشكلة أن الألم والنوم يمكن أن يدخلا في دائرة متكررة.
الألم يجعل النوم أصعب.
والنوم السيئ يجعل الألم أكثر وضوحًا في اليوم التالي.
ثم يجعل الألم الأقوى النوم في الليلة التالية أكثر صعوبة.
وهكذا تستمر الدائرة.
وجدت مراجعات حديثة لدى الأشخاص المصابين بآلام عضلية وعظمية مزمنة أن العلاقة بين النوم والألم تسير في الاتجاهين، لكن جودة النوم في الليلة السابقة بدت في عدد من الدراسات مؤشرًا قويًا على مقدار الألم في اليوم التالي.
وهذا يجعل علاج مشكلات النوم جزءًا مهمًا من التعامل مع الألم المزمن لدى بعض المرضى.
هل المهم عدد ساعات النوم فقط؟
لا.
مدة النوم مهمة، لكن الجودة مهمة أيضًا.
قد يبقى شخص في السرير ثماني ساعات، لكنه يستيقظ عشرات المرات خلال الليل أو يعاني من نوم متقطع وغير مريح.
هذا يختلف عن نوم مستمر وعميق نسبيًا.
الدراسات التجريبية تشير إلى أن تجزئة النوم نفسها قد تزيد حساسية الألم حتى عندما لا يحدث حرمان كامل من النوم.
ولهذا يمكن أن يستيقظ الشخص بعد ساعات تبدو كافية على الورق، لكنه يشعر بالتعب والألم بسبب سوء نوعية النوم.
الشخير الشديد قد يكون جزءًا من المشكلة
إذا كان النوم السيئ ناتجًا عن انقطاع التنفس أثناء النوم، فقد لا يعرف الشخص أصلًا أنه يستيقظ مرات كثيرة.
يمكن أن يتوقف التنفس لفترات قصيرة ثم يستيقظ الدماغ جزئيًا لاستعادة التنفس، وتتكرر العملية مرات عديدة خلال الليل.
الشخص قد يقول إنه نام ثماني ساعات، لكنه لم يحصل على نوم مستقر.
ولهذا فإن الشخير المرتفع جدًا المصحوب بتوقف التنفس أو الاختناق الليلي والنعاس الشديد نهارًا يستحق تقييمًا طبيًا.
الألم نفسه يستطيع إيقاظ الدماغ
حتى الألم الذي لا يوقظ الشخص بصورة كاملة قد يؤثر في عمق النوم.
قد يسبب انتقالًا من مرحلة نوم أعمق إلى مرحلة أخف.
وقد يتحرك الشخص أو يستيقظ لثوانٍ ثم لا يتذكر ذلك صباحًا.
إذا تكررت هذه الاستجابات، يمكن أن تصبح جودة النوم سيئة.
وهكذا نجد مرة أخرى أن الألم والنوم يؤثر كل منهما في الآخر.
لماذا يشعر بعض الناس بالتأثير أكثر من غيرهم؟
لا يستجيب الناس للحرمان من النوم بالطريقة نفسها.
هناك اختلافات في العمر والحالة الصحية والأمراض المزمنة ومستوى النشاط البدني والتوتر والصحة النفسية وعادات النوم.
كما أن الأشخاص المصابين أصلًا بألم مزمن قد يكون جهازهم العصبي أكثر حساسية لتغيرات النوم.
ولهذا قد يستطيع شخص السهر ليلة واحدة دون ملاحظة ألم واضح، بينما يشعر شخص آخر في اليوم التالي بصداع وآلام عضلية شديدة.
هل النوم الجيد يمكن أن يقلل الألم؟
تحسين النوم قد يساعد بعض الأشخاص الذين يعانون من الألم المزمن، خصوصًا عندما توجد مشكلة نوم واضحة إلى جانب الألم.
لكن النوم ليس مسكنًا سحريًا ولا يعالج كل سبب للألم.
إذا كان الألم ناتجًا عن إصابة أو التهاب أو مرض محدد، فيجب التعامل مع السبب نفسه.
الفائدة هي أن تحسين النوم قد يقلل أحد العوامل التي تجعل الجهاز العصبي أكثر حساسية للألم.
ولهذا أصبح الأطباء والباحثون ينظرون إلى النوم باعتباره جزءًا من علاج الألم وليس مجرد مشكلة جانبية.
هل النوم أكثر دائمًا أفضل؟
ليس المقصود أن يستمر الشخص في النوم لساعات طويلة كلما شعر بالألم.
الهدف هو نوم منتظم وكافٍ وذو جودة جيدة.
النوم المفرط قد يرتبط أيضًا ببعض المشكلات الصحية، وقد يكون أحيانًا علامة على مرض أو اضطراب نوم وليس حلًا للمشكلة.
بالنسبة لمعظم البالغين، توصي الجهات الصحية عادةً بالحصول على نحو سبع ساعات أو أكثر من النوم المنتظم ليلًا، مع وجود اختلاف طبيعي بين الأشخاص.
لماذا السهر المتكرر أكثر أهمية من ليلة واحدة؟
ليلة واحدة من النوم السيئ قد تزيد الحساسية مؤقتًا، لكن المشكلة الأكبر تحدث عندما يصبح اضطراب النوم عادة متكررة.
الأشخاص الذين يعيشون لأسابيع أو أشهر مع نوم متقطع قد يدخلون في دائرة يصبح فيها الألم والنوم السيئ متداخلين باستمرار.
وتشير الدراسات طويلة المدى إلى أن اضطرابات النوم لا ترافق الألم المزمن فقط، بل قد تسبق في بعض الحالات ظهور مشكلات الألم أو استمرارها.
لهذا لا ينبغي تجاهل الأرق المزمن عند شخص يعاني من آلام متكررة.
ماذا يمكن أن يفعل الشخص في حياته اليومية؟
إذا لاحظ الشخص أن آلامه تصبح أقوى كلما سهر، فمن المفيد تجربة تحسين انتظام النوم بدل التركيز فقط على المسكنات.
النوم والاستيقاظ في وقت قريب من الثبات يوميًا يساعد الساعة البيولوجية.
التعرض للضوء صباحًا يساعد الجسم على معرفة بداية النهار.
تقليل الضوء القوي والشاشات قبل موعد النوم قد يساعد بعض الأشخاص على الاستعداد للنوم.
كما يمكن أن يؤدي تناول الكافيين في وقت متأخر من اليوم إلى تأخير النوم حتى عند أشخاص يعتقدون أن القهوة لم تعد تؤثر فيهم.
النشاط البدني المنتظم خلال النهار مفيد للنوم ولعدد كبير من حالات الألم أيضًا.
أما من يعاني من ألم يمنعه من النوم باستمرار، فالمشكلة تحتاج إلى معالجة الألم نفسه وليس محاولة تجاهله.
لا ينبغي تفسير كل ألم بأنه بسبب قلة النوم
هذه نقطة مهمة.
قلة النوم قد تزيد حساسية الألم، لكنها لا تفسر تلقائيًا أي ألم جديد.
الألم الشديد المفاجئ أو الألم المصحوب بضعف أو خدر أو ضيق نفس أو ألم الصدر أو ارتفاع الحرارة أو أعراض عصبية أو أي تغير غير معتاد يحتاج إلى تقييم مناسب حسب الحالة.
الفكرة ليست أن النوم السيئ يصنع كل الألم.
الفكرة أن الدماغ لا يعالج الألم بالطريقة نفسها بعد نوم جيد وبعد ليلة مضطربة.
ولهذا قد تكون ليلة النوم السيئة أحد الأسباب التي تجعل ألم الأمس البسيط يبدو أقوى بكثير اليوم.
المصادر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق