لماذا تتنفس من فتحة أنف أكثر من الأخرى ثم تتبدل الجهة؟
ربما لاحظت وأنت جالس بهدوء أن الهواء يمر بسهولة من إحدى فتحتي الأنف، بينما تبدو الفتحة الأخرى أضيق قليلًا. وبعد عدة ساعات قد يحدث العكس تمامًا.
وقد يلاحظ الشخص هذا الأمر بصورة أوضح عندما يستلقي على السرير، فيشعر أن فتحة الأنف الموجودة في الجهة السفلية أصبحت أكثر انسدادًا.
في كثير من الأحيان لا يكون هذا مرضًا ولا زكامًا ولا مشكلة في الأنف، وإنما جزءًا طبيعيًا من طريقة عمل الجسم يسمى الدورة الأنفية.
الدورة الأنفية
Nasal Cycle
الأنف لا يسمح دائمًا بمرور الكمية نفسها من الهواء من الجهتين
عند معظم الناس لا يكون تدفق الهواء متساويًا تمامًا بين فتحتي الأنف طوال الوقت.
لفترة معينة تصبح إحدى الجهتين أكثر انفتاحًا ويمر عبرها مقدار أكبر من الهواء، بينما تصبح الجهة الأخرى أضيق نسبيًا.
وبعد فترة تبدأ العملية بالتبدل.
وقد يستمر هذا التغير خلال النهار والليل، بل أظهرت الدراسات أنه يحدث أيضًا أثناء النوم. (PubMed)
لكن لماذا تضيق فتحة الأنف إذا لم يكن هناك مخاط؟
السبب في كثير من الأحيان ليس تراكم المخاط.
داخل الأنف توجد تراكيب تسمى القرينات الأنفية، وهي غنية جدًا بالأوعية الدموية.
يمكن لهذه الأوعية أن تمتلئ بالدم بدرجات مختلفة.
عندما يزداد امتلاؤها في إحدى الجهتين تنتفخ الأنسجة قليلًا، فتصبح المساحة المتاحة لمرور الهواء أصغر.
وفي الجهة الأخرى يحدث العكس، حيث يقل احتقان الأوعية وتصبح المساحة أوسع.
لذلك يمكن أن تشعر بانسداد نسبي رغم عدم وجود كمية كبيرة من الإفرازات. (PubMed)
من الذي يتحكم بهذه العملية؟
يشارك الجهاز العصبي اللاإرادي في التحكم بأوعية الأنف.
وهذا هو الجزء من الجهاز العصبي الذي ينظم كثيرًا من الوظائف التي تحدث دون أن نفكر فيها، مثل ضربات القلب والتعرق وعمل الجهاز الهضمي.
عن طريق التحكم في توسع الأوعية الدموية داخل الأنف وانقباضها، يستطيع الجسم تغيير مقدار امتلاء أنسجة كل جهة بالدم، وبالتالي تغيير مقدار الهواء الذي يمر منها. (PubMed)
كم يستمر كل جانب؟
لا توجد مدة ثابتة تنطبق على الجميع.
في إحدى الدراسات التي راقبت أشخاصًا أصحاء لساعات طويلة كان متوسط مدة الدورة أثناء الاستيقاظ نحو 91 دقيقة، لكنها اختلفت بصورة كبيرة بين الأشخاص.
وأثناء النوم أصبحت الدورة أطول في المتوسط.
لذلك قد تتبدل الجهة خلال ساعة أو عدة ساعات، وقد يكون النمط غير منتظم تمامًا عند بعض الأشخاص. (PubMed)
لماذا لا نلاحظها معظم الوقت؟
لأن الفتحة الأضيق لا تكون عادة مغلقة بالكامل.
يبقى الهواء قادرًا على المرور من الجهتين، لكن بكميات مختلفة.
ولا ينتبه الدماغ عادة إلى هذا الاختلاف ما دام مجموع الهواء الداخل كافيًا.
لكن عندما تصاب بالرشح أو الحساسية ويحدث تورم إضافي داخل الأنف، تصبح الدورة الطبيعية أكثر وضوحًا.
الجهة التي كانت أضيق طبيعيًا قد تشعر فجأة بأنها مسدودة تمامًا.
ولهذا قد يشعر المصاب بالزكام أن الانسداد ينتقل من جهة إلى أخرى خلال اليوم.
لماذا ينسد الأنف من جهة السرير؟
جرب الاستلقاء على جانبك الأيسر فترة من الوقت.
قد تلاحظ أن الجهة اليسرى تصبح أكثر احتقانًا، بينما تصبح الجهة اليمنى أكثر انفتاحًا.
ويمكن أن يحدث العكس عند الانقلاب إلى الجانب الآخر.
أظهرت الدراسات أن وضعية الجسم أثناء النوم تؤثر فعلًا في توزيع تدفق الهواء بين فتحتي الأنف، وأن تغيير الوضعية يمكن أن يتبعه تغير في الجهة الأكثر احتقانًا. (PubMed)
وهذا يفسر لماذا يقلب بعض الأشخاص أجسامهم على الجهة الأخرى عندما يشعرون بانسداد الأنف أثناء النوم ويلاحظون بعد فترة أن التنفس أصبح أسهل.
ما فائدة هذه الدورة؟
نعرف جيدًا كيف تحدث الدورة الأنفية، لكن وظيفتها الدقيقة ليست محسومة بالكامل حتى الآن.
الأنف لا يعمل فقط كطريق يمر منه الهواء.
قبل وصول الهواء إلى الرئتين يقوم الأنف بتدفئته وترطيبه وتنقيته من جزء من الجزيئات الموجودة فيه.
وتشارك القرينات الأنفية والغشاء المخاطي في هذه الوظائف المهمة. (PubMed)
ومن الأفكار المطروحة أن التناوب بين الجهتين قد يسمح لكل جهة بفترات مختلفة من تدفق الهواء، وربما يساعد الغشاء المخاطي على أداء وظائفه والمحافظة على الترطيب.
لكن لا يزال الباحثون حذرين في تحديد فائدة واحدة مؤكدة للدورة الأنفية.
هل تؤثر في حاسة الشم؟
الجزيئات المسؤولة عن الروائح تحتاج إلى المرور داخل الأنف والوصول إلى المنطقة التي تحتوي على مستقبلات الشم.
وبما أن كمية الهواء تختلف بين الجهتين، فقد يختلف وصول الروائح بدرجات بسيطة أيضًا.
وقد اقترحت أبحاث أن اختلاف سرعة تدفق الهواء قد يكون له تأثير في كيفية وصول أنواع مختلفة من جزيئات الروائح إلى مستقبلات الشم.
لكن هذا الجانب أكثر تعقيدًا من فكرة أن إحدى الفتحتين مسؤولة عن نوع معين من الروائح، ولا توجد قاعدة بسيطة من هذا النوع.
لماذا يبدو الأنف أكثر انفتاحًا أثناء الرياضة؟
ربما لاحظت أنك تبدأ التمرين وأنفك مسدود قليلًا، ثم تشعر بعد عدة دقائق أن التنفس من الأنف أصبح أسهل.
أثناء النشاط البدني تحدث تغيرات في نشاط الجهاز العصبي تؤدي إلى انقباض جزء من الأوعية الموجودة في أنسجة الأنف، وهذا يمكن أن يقلل احتقان القرينات ويزيد مساحة مرور الهواء.
ولهذا قد يشعر الشخص بانفتاح الأنف أثناء المشي السريع أو ممارسة الرياضة حتى دون استخدام بخاخ مزيل للاحتقان.
هل انسداد جهة واحدة طبيعي دائمًا؟
لا.
الدورة الأنفية الطبيعية تتبدل بين الجهتين.
أما إذا بقيت فتحة واحدة مسدودة معظم الوقت ولم تتغير، فقد يكون هناك سبب آخر.
من الأسباب المحتملة انحراف الحاجز الأنفي أو تضخم القرينات أو الحساسية المزمنة أو الزوائد الأنفية أو مشكلات أخرى داخل الأنف.
ويصبح التقييم الطبي أكثر أهمية عندما يكون الانسداد مستمرًا أو شديدًا، أو يصاحبه نزيف متكرر أو ضعف واضح في حاسة الشم أو ألم أو إفرازات غير طبيعية.
لماذا نكتشف هذه الظاهرة عندما نصاب بالرشح؟
في الوضع الطبيعي توجد مساحة كافية تسمح للهواء بالمرور حتى من الجهة الأكثر احتقانًا.
لكن الرشح أو الحساسية يضيفان تورمًا جديدًا فوق الاحتقان الطبيعي الموجود أصلًا.
وهكذا فإن تغيرًا صغيرًا كان غير ملحوظ يصبح فجأة واضحًا جدًا.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل المريض يقول إن فتحة الأنف اليمنى كانت مسدودة قبل النوم، ثم استيقظ بعد ساعات فوجد أن اليسرى هي المسدودة.
ليس المخاط بالضرورة هو الذي انتقل من جانب إلى آخر.
قد تكون الدورة الطبيعية للأوعية داخل الأنف مستمرة تحت تأثير الالتهاب الموجود أصلًا.
هل يجب محاولة فتح الجهتين طوال الوقت؟
لا يحتاج الشخص السليم إلى جعل فتحتي الأنف متساويتين طوال الوقت.
وجود اختلاف بسيط في مرور الهواء بين الجانبين ظاهرة طبيعية.
ولا توجد حاجة إلى استخدام بخاخات إزالة الاحتقان لمجرد أن إحدى الفتحتين تبدو أضيق قليلًا.
بل إن الإفراط في استخدام بعض بخاخات إزالة الاحتقان يمكن أن يؤدي إلى عودة الاحتقان بصورة أشد عند التوقف عنها بعد الاستخدام المتكرر لفترة طويلة.
المهم هو التفريق بين التناوب الطبيعي الذي ينتقل من جهة إلى أخرى وبين انسداد حقيقي مستمر يمنع التنفس بصورة مريحة.
لذلك عندما تلاحظ في المرة القادمة أن إحدى فتحتي أنفك تعمل بصورة أفضل من الأخرى، ثم يتغير الأمر بعد ساعات، فليس بالضرورة أن يكون أنفك قد أصيب بمشكلة جديدة.
قد تكون ببساطة قد لاحظت واحدة من الدورات الطبيعية التي يعمل بها جسم الإنسان طوال اليوم دون أن نشعر بها.
المصادر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق