لماذا يعطس بعض الناس عندما ينظرون إلى ضوء الشمس؟
قد تخرج من المنزل في صباح مشمس بعد أن كنت داخل غرفة مظلمة، وما إن تضرب أشعة الشمس عينيك حتى تشعر بوخزة غريبة داخل الأنف ثم تعطس مرة أو مرتين.
والأغرب أنك لم تشم عطرًا قويًا، ولم يدخل غبار إلى أنفك، ولا تعاني بالضرورة من الزكام أو الحساسية.
السبب في هذه الحالة قد يكون ظاهرة حقيقية تسمى منعكس العطاس الضوئي.
Photic Sneeze Reflex
ويحدث فيها العطاس نتيجة التعرض المفاجئ لضوء قوي، وخصوصًا عند الانتقال من مكان مظلم إلى ضوء الشمس.
العطاس عادة يبدأ من الأنف
في الوضع الطبيعي، يحدث العطاس عندما تتهيج الأعصاب الموجودة داخل الأنف.
قد يكون السبب غبارًا أو فلفلًا أو دخانًا أو مادة تسبب الحساسية.
تلتقط الأعصاب هذا التهيج وترسل إشارة إلى الدماغ، ثم يبدأ منعكس سريع يؤدي إلى أخذ نفس وإخراج الهواء بقوة عبر الأنف والفم.
والهدف عادة هو التخلص من الشيء المهيج.
لكن في العطاس الناتج عن الضوء، لا يوجد شيء داخل الأنف يحتاج إلى الطرد.
الإشارة تبدأ من العين.
كيف يمكن للعين أن تجعل الأنف يعطس؟
عندما ينتقل الإنسان فجأة إلى ضوء قوي، تنشط الأعصاب المرتبطة بالعين بسرعة.
من أهمها العصب البصري الذي ينقل المعلومات البصرية إلى الدماغ.
وفي الوقت نفسه توجد في الوجه شبكة أخرى كبيرة من الأعصاب، أهمها العصب ثلاثي التوائم، الذي ينقل الإحساس من الأنف والعينين والوجه.
Trigeminal Nerve
إحدى النظريات الرئيسية تقول إن النشاط العصبي الشديد الناتج عن الضوء قد يؤدي لدى بعض الأشخاص إلى تنشيط قريب لمسارات عصبية مرتبطة بالأنف.
فيتعامل الدماغ مع الإشارة كما لو أن شيئًا هيج الأنف.
ثم تأتي النتيجة الطبيعية:
العطاس.
هل نحن متأكدون تمامًا من هذه الآلية؟
لا.
وهذه من الأشياء المثيرة في الظاهرة.
نعرف منذ زمن طويل أن الضوء القوي يستطيع إحداث العطاس لدى بعض الأشخاص، لكن الآلية العصبية الدقيقة لم تُحسم بصورة نهائية.
طُرحت عدة تفسيرات، منها حدوث تداخل بين المسارات العصبية الخاصة بالعين والأنف، أو وجود استجابة زائدة في بعض أجزاء الجهاز العصبي.
وأظهرت دراسات على نشاط الدماغ أن الأشخاص الذين يعطسون بسبب الضوء قد تكون لديهم استجابة دماغية للمثيرات البصرية مختلفة عن الأشخاص الذين لا تحدث لديهم الظاهرة.
لكن الباحثين ما زالوا يدرسون التفاصيل الدقيقة.
كم عدد الناس الذين يحدث معهم ذلك؟
الظاهرة ليست نادرة كما قد يعتقد البعض.
تشير المراجعات العلمية إلى أنها قد تحدث لدى نحو ربع الناس تقريبًا، رغم أن التقديرات تختلف بين الدراسات.
وبعض الدراسات القديمة وجدت نسبًا أعلى وصلت إلى نحو الثلث.
أي أنك إذا جمعت مجموعة كبيرة من الناس وطلبت منهم الخروج فجأة من غرفة مظلمة إلى الشمس، فمن المحتمل أن تجد عددًا ملحوظًا منهم يعرف هذه الظاهرة جيدًا.
لماذا لا يعطس الجميع عند رؤية الشمس؟
لأن الجهاز العصبي لا يعمل بالطريقة نفسها تمامًا لدى جميع الأشخاص.
يبدو أن الأشخاص الذين لديهم منعكس العطاس الضوئي يملكون قابلية عصبية أكبر لحدوث هذا التداخل بين الضوء والعطاس.
كما توجد أدلة على أن الوراثة تلعب دورًا.
ولهذا قد تجد عدة أفراد من العائلة يقولون الشيء نفسه:
كلما خرجت إلى الشمس أعطس.
هل يمكن أن تكون الظاهرة موروثة؟
يبدو أن هناك مكونًا وراثيًا بالفعل.
حتى أن الظاهرة حصلت على اسم طريف مبني على مجموعة من الكلمات الإنجليزية ويختصر بكلمة تشبه صوت العطاس:
ACHOO
لكن الاسم لا يعني أن كل حالة يمكن تفسيرها بجين واحد بسيط.
الدراسات الجينية تشير إلى أن الوراثة قد تؤثر في القابلية للمنعكس، لكن تفاصيلها لا تزال أكثر تعقيدًا من مجرد وجود جين واحد مسؤول عنه عند جميع الناس.
لماذا يحدث العطاس عند الخروج من الظلام تحديدًا؟
التغير المفاجئ يبدو مهمًا.
فالشخص قد يبقى جالسًا في الشمس مدة طويلة ولا يستمر بالعطاس طوال الوقت.
غالبًا تحدث الاستجابة في اللحظات الأولى بعد الانتقال إلى الضوء القوي.
على سبيل المثال:
تخرج من المنزل إلى الشمس.
تخرج من نفق مظلم.
تفتح ستارة غرفة مظلمة فجأة.
أو تواجه مصدرًا ضوئيًا قويًا بعد أن كانت عيناك متكيفتين مع الظلام.
التغير المفاجئ يعطي الجهاز البصري إشارة قوية، ويبدو أن هذه هي اللحظة الأكثر قدرة على تشغيل المنعكس لدى الأشخاص المعرضين له.
هل يجب النظر مباشرة إلى الشمس حتى يحدث؟
لا.
ولا ينبغي أصلًا النظر مباشرة إلى الشمس.
الضوء القوي الذي يصل إلى العين يكفي لدى بعض الأشخاص لبدء الاستجابة.
يمكن أن تحدث الظاهرة بمجرد الخروج إلى يوم مشمس دون توجيه العين مباشرة نحو الشمس.
وقد تسببها أحيانًا مصادر ضوئية صناعية شديدة أيضًا.
هل فلاش الكاميرا يمكن أن يسبب العطاس؟
نعم لدى بعض الأشخاص.
فالمشكلة لا ترتبط بالشمس نفسها بقدر ارتباطها بالتعرض المفاجئ لضوء شديد.
وقد وُصف حدوث المنعكس أيضًا مع بعض أنواع الإضاءة الصناعية الساطعة والومضات.
لكن الاستجابة ليست مضمونة في كل مرة.
فحتى الشخص الذي يعطس عادة عند الخروج إلى الشمس قد لا يعطس في كل تعرض للضوء.
كم مرة يعطس الشخص؟
غالبًا تكون النوبة قصيرة.
قد يعطس الشخص مرة واحدة.
وقد يعطس مرتين أو ثلاث مرات متتابعة.
ثم تتوقف الاستجابة حتى لو استمر في البقاء في الضوء.
في إحدى الدراسات كان معظم الأشخاص الذين لديهم هذه الظاهرة يعطسون ثلاث مرات أو أقل بعد التعرض للمحفز.
وهذا يدعم فكرة أن العامل الأساسي هو التغير المفاجئ في الضوء وليس استمرار وجود الضوء نفسه.
هل هذا نوع من حساسية الشمس؟
لا.
الحساسية تعني استجابة مناعية لمادة أو محفز معين.
أما منعكس العطاس الضوئي فهو ظاهرة عصبية.
لا يعني أن الجسم لديه حساسية من ضوء الشمس.
ولا يعني أن أشعة الشمس تسببت في التهاب داخل الأنف.
وقد يحدث لدى شخص ليس لديه أي حساسية أنفية أصلًا.
هل هناك علاقة بحبوب اللقاح؟
يمكن أن يختلط الأمر بسهولة.
فالربيع مثلًا يجمع بين الشمس القوية وانتشار حبوب اللقاح.
شخص لديه حساسية قد يعطس بسبب حبوب اللقاح فعلًا.
لكن في منعكس العطاس الضوئي تكون العلاقة أكثر وضوحًا:
يظهر العطاس مباشرة تقريبًا بعد التعرض المفاجئ للضوء القوي.
ويمكن أن يحدث حتى في بيئة لا توجد فيها حبوب لقاح.
لماذا نشعر أحيانًا بوخز في الأنف قبل العطاس؟
بعض الأشخاص الذين لديهم المنعكس لا يعطسون فورًا.
يشعرون أولًا بوخزة أو حكة غريبة داخل الأنف.
ثم تأتي الرغبة في العطاس.
الدراسات التي قارنت الأشخاص الذين لديهم هذه الظاهرة بغيرهم وجدت اختلافات في طريقة معالجة الدماغ للمثيرات البصرية والإحساس الجسدي.
وهذا يدعم فكرة أن الإحساس في الأنف جزء من التداخل العصبي الذي يحدث بعد وصول الضوء إلى العين.
هل يستطيع الشخص منع العطسة؟
أحيانًا.
إذا كان الشخص يعرف أن الخروج المفاجئ إلى الشمس يسبب له العطاس، فقد يساعد ارتداء النظارات الشمسية في تقليل شدة الضوء الذي يصل إلى العين.
كما يمكن أن يساعد تجنب الانتقال المفاجئ جدًا من الظلام الكامل إلى الضوء الشديد.
لكن لا يحتاج معظم الأشخاص إلى أي علاج.
فالظاهرة قصيرة وغير مؤذية عادة.
هل النظارات الشمسية تعالج المشكلة؟
لا تعالج قابلية الجهاز العصبي للمنعكس، لكنها تقلل شدة الضوء الذي يصل إلى العين.
ولهذا قد تقل فرصة حدوث العطاس لدى بعض الأشخاص.
ويجب أن تكون النظارات مناسبة للحماية من الأشعة فوق البنفسجية أساسًا لحماية العين، وليس فقط لمنع العطس.
هل منعكس العطاس الضوئي خطير؟
في الحياة اليومية هو غالبًا مجرد ظاهرة طريفة.
لكن توجد مواقف يمكن أن يصبح فيها العطاس المفاجئ غير مرغوب.
من الأمثلة القيادة.
إذا خرج السائق بسرعة من نفق مظلم إلى ضوء الشمس الشديد وبدأ بالعطاس، فإنه يغلق عينيه لا إراديًا للحظة مع كل عطسة.
وغالبًا لا يمثل ذلك مشكلة كبيرة، لكنه قد يصبح عامل تشتيت في لحظة تحتاج إلى الانتباه الكامل للطريق.
ولهذا قد تكون النظارات الشمسية مفيدة للأشخاص الذين يعرفون أن لديهم استجابة قوية ومتكررة.
لماذا نغلق أعيننا أثناء العطاس؟
إغلاق العينين أثناء العطاس جزء من الاستجابة العصبية المتزامنة التي تحدث في عضلات الوجه.
لكن الاعتقاد بأن الإنسان يغلق عينيه حتى يمنعهما من الخروج من مكانهما بسبب ضغط العطسة غير صحيح.
العين مثبتة داخل محجرها بالعضلات والأنسجة وليست معرضة للخروج بسبب العطاس الطبيعي.
هل نستطيع العطس وعيوننا مفتوحة؟
من الصعب على معظم الناس إبقاء العينين مفتوحتين بصورة طبيعية أثناء العطاس لأن إغلاقهما جزء من المنعكس.
لكن هذا لا يعني أن إغلاق العين ضروري لحماية العين من ضغط خطير.
إنها ببساطة استجابة عضلية تلقائية ترافق العطسة.
لماذا نكتشف الظاهرة غالبًا منذ الطفولة؟
لأنها مرتبطة بدرجة كبيرة بطريقة عمل الجهاز العصبي عند الشخص وليست مرضًا يظهر بسبب التقدم في العمر عادة.
قد يلاحظ الطفل أنه يعطس كلما خرج إلى ساحة المدرسة في الشمس، ثم يستمر الأمر معه لسنوات دون أن يعرف أن له اسمًا علميًا.
وقد يعتقد أن جميع الناس يفعلون الشيء نفسه حتى يذكر الأمر أمام الآخرين ويكتشف أنهم لا يفهمون ما يتحدث عنه.
هل يمكن أن تظهر وتختفي مع الوقت؟
قد تختلف شدة المنعكس خلال الحياة وبين موقف وآخر.
كما أن الدراسات تظهر أن الاستجابة ليست ثابتة في كل مرة يتعرض فيها الشخص للضوء.
قد يعطس اليوم عند الخروج إلى الشمس ولا يعطس غدًا في الظروف نفسها تقريبًا.
درجة الظلام السابق وشدة الضوء وزاوية وصوله واستعداد الجهاز العصبي في تلك اللحظة قد تكون كلها عوامل مؤثرة.
ولا يزال الباحثون يحاولون معرفة أي خصائص الضوء هي الأكثر أهمية في تشغيل المنعكس.
الغريب أن العلم لم يحسم حتى نوع الضوء الأفضل لإحداثه
مراجعة علمية حديثة بحثت الدراسات التي تناولت شدة الضوء ولونه وطول موجته ومدة التعرض له.
ووجد الباحثون أن عدد الدراسات المنظمة قليل جدًا وأن الطرق المستخدمة فيها مختلفة.
لذلك لا نعرف حتى الآن على وجه الدقة إن كان عامل واحد مثل شدة الضوء أهم من بقية العوامل.
المعروف بوضوح هو أن الانتقال المفاجئ إلى ضوء ساطع يستطيع تشغيل الاستجابة لدى الأشخاص الذين يملكون هذه القابلية.
العطسة التي تبدأ من العين بدل الأنف
منعكس العطاس الضوئي مثال بسيط على أن الأعصاب الموجودة في أجسامنا ليست أنظمة منفصلة تمامًا.
العين ترسل معلومات عن الضوء.
والأنف يملك مسارات عصبية خاصة بالإحساس والعطاس.
لكن لدى بعض الناس يبدو أن تنبيه أحد النظامين بقوة يستطيع التأثير في الآخر.
ولهذا قد تبدأ القصة بأشعة شمس تصل إلى العين، وتنتهي بعد جزء صغير من الثانية بعطسة تخرج من الأنف.
وإذا كنت من الأشخاص الذين يعطسون دائمًا عند الخروج إلى الشمس، فأنت لست وحدك، ولا يعني ذلك أنك مصاب بحساسية غريبة من الشمس.
إنه على الأرجح مجرد منعكس عصبي يملكه جزء ملحوظ من البشر.
المصادر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق