الجرجير والمدخنون: هل يستطيع غذاء عادي زيادة تخلّص الجسم من بعض المواد السامة الموجودة في دخان السجائر؟
لا يوجد طعام يستطيع "تنظيف رئة المدخن"، ولا عصير يمكنه إلغاء المواد المسرطنة التي تدخل الجسم مع دخان التبغ.
لكن هذا لا يعني أن الغذاء لا يؤثر إطلاقًا في الطريقة التي يتعامل بها الجسم مع بعض هذه المواد.
الجرجير يقدم مثالًا غير متوقع جدًا.
فعند مضغ الجرجير تتكون منه مادة نباتية تستطيع التأثير في الإنزيمات التي يستخدمها الجسم لمعالجة بعض المواد الكيميائية. وقد أُجريت بالفعل تجارب بشرية على المدخنين أنفسهم وجدت أن هذه المادة غيّرت طريقة التعامل مع البنزين والأكرولين وبعض المواد المسرطنة الخاصة بدخان التبغ.
وجاءت دراسة عشوائية جديدة منشورة عام 2025 لتدعم الفكرة من زاوية أوسع: مشروب مصنوع من الجرجير زاد طرح نواتج معالجة ست مواد سامة في البول، وكان من أكبر التأثيرات زيادة ناتج التخلص من الأكرولين بنحو 66 بالمئة والبنزين بنحو 37 بالمئة.
لكن هذه النتائج تحتاج إلى تفسير دقيق جدًا.
زيادة طرح ناتج مادة سامة في البول لا تعني أن الجرجير جعل التدخين آمنًا.
إنها تعني فقط أن الجسم استخدم مسارًا معينًا لمعالجة كمية أكبر من المادة والتخلص منها.
ما الموجود في الجرجير الذي جذب اهتمام الباحثين؟
يحتوي الجرجير على مادة نباتية تنتمي إلى مجموعة توجد أيضًا في البروكلي والملفوف والقرنبيط والخضروات الصليبية الأخرى.
في النبات تكون المادة موجودة في شكل أولي.
وعندما نمضغ أوراق الجرجير وتتكسر الخلايا النباتية، تتفاعل المواد الموجودة داخله مع إنزيم طبيعي في النبات، وينتج مركب نشط يسمى فينيثيل إيزوثيوسيانات.
هذا الاسم طويل، لكن فكرته بسيطة:
الجرجير يحتوي على مادة أولية تتحول أثناء المضغ إلى مركب يمكن أن يتفاعل مع أنظمة معالجة المواد الغريبة داخل الجسم.
ولهذا لم يدرس الباحثون الجرجير باعتباره مجرد مصدر لفيتامين سي أو مضادات الأكسدة، بل باعتباره غذاء يمكن أن يغير استقلاب بعض المواد المسرطنة الموجودة في دخان التبغ.
ما الذي يدخل جسم المدخن إلى جانب النيكوتين؟
النيكوتين هو المادة الأشهر لأنه يسبب الاعتماد والإدمان، لكنه ليس وحده المشكلة.
دخان السجائر يحتوي على عدد كبير من المواد الكيميائية، ومنها:
البنزين.
الأكرولين.
الكروتونالدهيد.
1,3-بوتاديين.
ومواد نيتروزامينية خاصة بالتبغ.
بعض هذه المواد سامة، وبعضها مصنف كمادة مسرطنة أو يحتمل أن تساهم في تطور السرطان.
ولهذا لا تعتمد مخاطر التدخين على النيكوتين وحده.
ماذا يفعل الجسم بهذه المواد؟
الكبد وأعضاء أخرى تمتلك مجموعة كبيرة من الإنزيمات التي تغير تركيب المواد الكيميائية الداخلة إلى الجسم.
لكن كلمة "التخلص" قد تكون مضللة قليلًا، لأن الجسم لا يقوم دائمًا بخطوة واحدة بسيطة.
بعض المركبات تحتاج أولًا إلى التحول إلى صورة أخرى.
وفي بعض الحالات يمكن لأحد المسارات أن يجعل المادة أكثر تفاعلًا، بينما يؤدي مسار آخر إلى ربطها بجزيئات تساعد على جعلها أكثر قابلية للإطراح في البول.
ومن أهم الأنظمة المستخدمة في ذلك مادة طبيعية داخل الجسم تسمى الغلوتاثيون.
يمكن للجسم ربط بعض السموم بالغلوتاثيون ثم تحويلها إلى نواتج قابلة للقياس في البول.
وإذا ارتفعت هذه النواتج بعد تدخل غذائي، فقد يكون ذلك مؤشرًا إلى أن الجسم استخدم مسار التخلص بدرجة أكبر.
البنزين مثال مهم
البنزين مادة كيميائية يمكن أن توجد في دخان السجائر، كما توجد في تلوث الهواء ومصادر بيئية أخرى.
عندما يتعرض الإنسان للبنزين، يستطيع الجسم تحويل جزء منه إلى ناتج يرتبط بالغلوتاثيون ثم يخرج في البول.
لذلك يمكن للباحثين قياس هذا الناتج في البول لمعرفة مقدار البنزين الذي مر عبر هذا المسار.
وفي تجربة عشوائية على 82 مدخنًا، أدى إعطاء المركب الموجود في الجرجير إلى زيادة ناتج التخلص من البنزين في البول بمتوسط:
24.6 بالمئة.
وماذا عن الأكرولين؟
الأكرولين مادة شديدة التفاعل توجد في دخان التبغ وفي مصادر احتراق أخرى.
يمكن أن تهيج الجهاز التنفسي وتتفاعل مع البروتينات والخلايا.
وفي التجربة نفسها على المدخنين، ارتفع ناتج معالجة الأكرولين وإطراحه في البول بنحو:
15.1 بالمئة.
أما الكروتونالدهيد فلم يظهر له تأثير واضح عند النظر إلى المشاركين جميعًا.
وهذا مهم لأن الدراسة لم تجد ببساطة أن "كل السموم انخفضت".
التأثير اختلف من مادة إلى أخرى.
لكن بعض المدخنين استجابوا بصورة أقوى بكثير
كانت واحدة من أكثر نتائج الدراسة إثارة للاهتمام مرتبطة بالاختلافات الجينية بين الأشخاص.
يمتلك الجسم إنزيمات تساعد على ربط السموم بالغلوتاثيون.
لكن بعض الناس يفتقدون نسخًا فعالة من اثنين من الجينات المسؤولة عن بعض هذه الإنزيمات.
عند هؤلاء الأشخاص كانت استجابة المركب النباتي أقوى بكثير.
في المجموعة التي كانت تفتقد الجينين معًا، ارتفع ناتج معالجة البنزين في البول بنحو:
95 بالمئة.
كما ارتفع ناتج الأكرولين بنحو:
33 بالمئة.
والكروتونالدهيد بنحو:
30 بالمئة.
أما المدخنون الذين امتلكوا الجينين فلم يظهر لديهم التأثير نفسه بوضوح.
ماذا يخبرنا ذلك؟
أن تأثير الغذاء ليس متطابقًا عند جميع البشر.
قد يتناول شخصان الطعام نفسه والكمية نفسها، لكن استجابتهما تكون مختلفة بسبب:
الجينات.
ميكروبات الأمعاء.
الإنزيمات.
العمر.
الأدوية.
وعوامل أخرى.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل الدراسات الغذائية الحديثة أكثر حذرًا من القول إن غذاء معينًا "يعمل للجميع".
هل استُخدم الجرجير نفسه في هذه التجربة؟
تجربة الـ82 مدخنًا استخدمت المركب النشط المستخلص والمقنن، وليس أوراق الجرجير نفسها.
وهنا يجب التمييز بين أمرين:
دراسة المادة الموجودة في الغذاء.
ودراسة الغذاء نفسه.
لكن توجد بالفعل تجربة بشرية على الجرجير كطعام.
التجربة القديمة التي جعلت الجرجير مثيرًا للاهتمام للمدخنين
قبل نحو ثلاثة عقود، طلب الباحثون من 11 مدخنًا المحافظة على عادات التدخين نفسها خلال فترة التجربة.
ثم تناولوا:
56.8 غرامًا من الجرجير مع كل وجبة
لمدة ثلاثة أيام.
أي أن الجرجير استُخدم هنا كغذاء حقيقي وليس كبسولة.
قاس الباحثون في البول نواتج مادة مسرطنة مرتبطة بالتبغ.
خلال اليومين الثاني والثالث من تناول الجرجير، ارتفع مجموع نواتج المسار الأقل ضررًا التي خرجت في البول بنحو:
33.5 بالمئة في المتوسط.
وعندما توقف المشاركون عن تناول الجرجير، عادت المستويات إلى قرب خط الأساس.
لماذا كان هذا مهمًا؟
لأن الباحثين كانوا يدرسون مادة مسرطنة توجد بصورة خاصة في التبغ.
هذه المادة تحتاج إلى عمليات كيميائية داخل الجسم قبل أن تتحول إلى صور قادرة على إتلاف الخلايا.
المركب الموجود في الجرجير بدا قادرًا على إعاقة جزء من هذا التنشيط، بحيث يتجه جزء أكبر إلى مسارات أخرى تنتهي بنواتج تخرج في البول.
وكانت تلك الدراسة من أوائل الأدلة البشرية التي أظهرت أن تناول خضار يمكن أن يغير استقلاب مادة مسرطنة مرتبطة بالرئة لدى المدخنين.
لكن الدراسة كانت على 11 شخصًا فقط
صحيح.
ولهذا لا يمكن الاعتماد عليها وحدها.
أهميتها التاريخية أنها أعطت إشارة أولية مباشرة باستخدام الجرجير نفسه.
لاحقًا جاءت تجارب أكبر على المركب النشط الموجود في الجرجير، وشملت عشرات المدخنين، وأعطت نتائج تتفق جزئيًا مع الآلية نفسها.
هناك أيضًا مادة مسرطنة خاصة بالتبغ دُرست في 82 مدخنًا
في تجربة عشوائية أخرى، تناول 82 مدخنًا المركب النباتي الموجود في الجرجير أو علاجًا للمقارنة.
بحث العلماء في مادة مسرطنة مرتبطة بصورة خاصة بدخان التبغ.
وجدوا أن نسبة التنشيط الأيضي لهذه المادة انخفضت بنحو:
7.7 بالمئة.
وكان الفرق ذا دلالة إحصائية.
الانخفاض ليس ضخمًا.
لكن قيمته تكمن في أنه ظهر لدى مدخنين حقيقيين وفي مسار لمادة مسرطنة خاصة بالتبغ.
لماذا لا تعني هذه النتيجة انخفاض خطر السرطان 7.7 بالمئة؟
لأن الباحثين قاسوا مسارًا كيميائيًا داخل الجسم.
لم يتابعوا المشاركين عشرين عامًا لقياس عدد حالات سرطان الرئة.
الفرق كبير.
يمكن لمادة غذائية أن تخفض أحد المؤشرات الحيوية، لكن هذا لا يثبت تلقائيًا أنها تخفض معدل الإصابة بالسرطان بالنسبة نفسها.
لإثبات الوقاية من السرطان نحتاج إلى دراسات أكبر بكثير وأطول بكثير.
الدراسة الحديثة عام 2025 أعادت الجرجير إلى الواجهة
في تجربة عشوائية حديثة أُجريت في موقعين، تناول المشاركون مشروبًا مصنوعًا من الجرجير المجفد بالتجميد ثلاث مرات يوميًا لمدة أسبوعين.
ثم جربوا مشروب المقارنة خلال فترة أخرى، مع وجود فترة فاصلة بينهما.
بدأت الدراسة بعدد أكبر، وأكملها بصورة ملتزمة:
188 شخصًا.
وكان بينهم مدخنون وغير مدخنين.
احتوى مشروب الجرجير على كمية من المركب النشط تعادل تقريبًا:
40 ملغ يوميًا.
ما المواد التي درسها الباحثون؟
راقب الباحثون نواتج معالجة عدة مواد سامة في البول، منها:
الأكرولين.
الأكريلونيتريل.
البنزين.
الكروتونالدهيد.
وغيرها من المركبات الناتجة عن الاحتراق أو الموجودة في البيئة ودخان التبغ.
وكانت النتيجة أن نواتج التخلص من ست مواد من أصل سبع ارتفعت بصورة ذات دلالة.
أكبر تغيرين كانا في الأكرولين والبنزين
زاد ناتج التخلص من الأكرولين بنحو:
65.6 بالمئة.
وزاد ناتج البنزين بنحو:
37.3 بالمئة.
وهذه زيادة أكبر من تلك الموجودة في بعض التجارب السابقة.
لكن يجب الانتباه إلى أن المشاركين في دراسة 2025 لم يكونوا جميعًا مدخنين.
لذلك لا ينبغي القول إن الجرجير يخفض البنزين لدى المدخنين بنسبة 37 بالمئة تحديدًا.
النتيجة تخص مجموعة الدراسة كاملة.
لماذا تظل الدراسة مهمة للمدخنين؟
لأن البنزين والأكرولين من المواد الموجودة أيضًا في دخان التبغ.
كما أن التجارب السابقة التي أجريت على المدخنين تحديدًا أظهرت الاتجاه نفسه بالنسبة إلى زيادة نواتج معالجة البنزين والأكرولين.
لذلك تقدم دراسة 2025 دعمًا حديثًا لفكرة أن الجرجير ومركبه النشط يستطيعان تنشيط بعض مسارات معالجة المواد السامة لدى الإنسان.
هل هذا يسمى "ديتوكس"؟
يمكن استخدام كلمة إزالة السموم في سياق علمي محدد، لكن استخدامها التسويقي يسبب الكثير من الالتباس.
الجسم يمتلك بالفعل أنظمة لمعالجة المواد الغريبة وإخراجها، وأهمها:
الكبد.
الكلى.
الإنزيمات الموجودة في أنسجة متعددة.
الغلوتاثيون.
والبول.
الجرجير لم "يغسل" الجسم.
ما ظهر في الدراسات هو زيادة في نواتج بولية تدل على أن بعض المواد دخلت بصورة أكبر في مسار كيميائي يؤدي إلى إطراحها.
وهذا وصف أدق بكثير من القول إن الجرجير "ينظف جسم المدخن".
وهل ينظف الرئة؟
لا.
هذه العبارة غير صحيحة علميًا.
لم تجد الدراسات أن الجرجير:
يزيل القطران من الرئة.
يعيد الحويصلات الرئوية التالفة.
يعكس مرض الانسداد الرئوي.
أو يمحو الضرر الناتج عن سنوات من التدخين.
البحث يخص استقلاب مواد كيميائية معينة وإطراح نواتجها.
الرئتان ليستا مصفاة يمكن تنظيفها بطعام.
وهل يستطيع منع سرطان الرئة؟
لم يثبت ذلك.
هناك منطق بيولوجي للاهتمام بالخضروات الصليبية ومركباتها بسبب تأثيرها في استقلاب المواد المسرطنة، لكن التجارب التي نتحدث عنها لم تختبر حدوث سرطان الرئة كهدف نهائي.
انخفاض تنشيط مادة مسرطنة أو زيادة طرح ناتجها في البول قد يكون أمرًا إيجابيًا، لكنه لا يساوي إثبات الوقاية من السرطان.
الطريقة الأهم لتقليل خطر سرطان الرئة لدى المدخن تبقى الإقلاع عن التدخين.
ولا يوجد غذاء يمكن أن يعادل أثر وقف التعرض المستمر للدخان.
هل يعني ذلك أن المدخن يستطيع الاستمرار في التدخين إذا تناول الجرجير؟
لا.
يمكن تشبيه الأمر بشخص يدخل الماء إلى منزل من صنبور مفتوح ثم يحاول تجفيف الأرض بمنشفة.
قد تساعد المنشفة على إزالة بعض الماء.
لكن الحل الأكثر فعالية هو إغلاق الصنبور.
التدخين يدخل مواد سامة جديدة إلى الجسم مع كل سيجارة.
حتى لو ساعد غذاء معين الجسم على معالجة جزء من إحدى المواد، فإن هذا لا يمنع التعرض المستمر لمئات المركبات الأخرى.
هل المركب الموجود في الجرجير يؤثر في النيكوتين نفسه؟
دُرس هذا السؤال أيضًا.
في الدراسة القديمة على المدخنين، لم يؤد تناول الجرجير إلى تغير واضح في معظم نواتج استقلاب النيكوتين الرئيسية مثل النيكوتين نفسه والكوتينين وبعض نواتجه.
لكن ارتفعت بعض النواتج التي ينتجها الجسم عند ربط مستقلبات النيكوتين بمادة تساعد على طرحها.
على سبيل المثال ارتفع أحد أشكال الكوتينين المرتبطة بهذه العملية بنحو:
25 بالمئة.
وارتفع شكل آخر بنحو:
33 بالمئة.
لكن هذا لا يعني أن الجرجير يقلل الاعتماد على النيكوتين أو يسهل الإقلاع.
لم تكن هذه هي النتيجة التي درستها التجربة.
هل يقلل الرغبة في التدخين؟
لا توجد أدلة جيدة تثبت ذلك.
الاعتماد على التبغ يتعلق بتأثير النيكوتين في الدماغ وبالعادات النفسية والسلوكية والبيئية.
الجرجير لا يعمل كبديل للنيكوتين ولا كدواء للإقلاع.
من يريد الإقلاع يستفيد أكثر من الوسائل المثبتة مثل العلاج السلوكي والأدوية أو بدائل النيكوتين المناسبة عند الحاجة وتحت الإرشاد الصحي.
هل البروكلي يعطي شيئًا مشابهًا؟
نعم، وهذه نقطة مهمة.
الجرجير ليس الخضار الصليبي الوحيد الذي توجد فيه مركبات تستطيع تنشيط أنظمة الدفاع الخلوية.
البروكلي وبراعم البروكلي غنيان بمادة أولية تتحول إلى السلفورافان.
وهذه المادة تعمل بطريقة مختلفة قليلًا عن المركب المميز للجرجير، لكنها أيضًا تستطيع تنشيط إنزيمات تساعد على معالجة مواد غريبة داخل الجسم.
هناك تجربة مباشرة على 49 مدخنًا باستخدام براعم وبذور البروكلي
في تجربة عشوائية تبادلية منشورة عام 2022، شارك:
49 مدخنًا حاليًا.
وكان متوسط استهلاكهم نحو:
20 سيجارة يوميًا.
حصل المشاركون على جرعتين مختلفتين من مستخلص بذور وبراعم البروكلي لمدة أسبوعين لكل جرعة.
عند استخدام الجرعة الأعلى، ارتفع طرح ناتج معالجة:
البنزين.
الأكرولين.
والكروتونالدهيد
في البول بدرجات ذات دلالة إحصائية.
كم كان التغير تقريبًا؟
في الجرعة الأعلى ارتفع ناتج البنزين بنحو:
20 بالمئة تقريبًا.
وارتفع ناتج الأكرولين بنحو:
30 بالمئة تقريبًا.
كما ارتفع ناتج الكروتونالدهيد بنحو:
20 بالمئة تقريبًا.
إذن الاتجاه لا يقتصر على الجرجير.
هناك عائلة كاملة من الخضروات الصليبية تحتوي على مركبات يمكن أن تؤثر في أنظمة معالجة المواد الكيميائية لدى المدخنين.
لكن الدراسة استخدمت مستخلصًا وليس طبق بروكلي
صحيح.
وهذه نقطة تمنعنا من القول إن تناول كمية محددة من البروكلي العادي سيعطي النسب نفسها.
المستخلص كان مضبوط التركيب والجرعة.
أما الطعام فتختلف فيه كمية المركبات حسب:
الصنف.
الزراعة.
التخزين.
الطبخ.
ومدى المضغ.
لذلك يمكن القول إن هذه الدراسات تدعم تناول الخضروات الصليبية كجزء من غذاء صحي، لكنها لا تعطينا جرعة منزلية مؤكدة لعلاج أضرار التدخين.
وهناك تجربة على البروكلي كغذاء كامل أيضًا
في دراسة على:
27 مدخنًا شابًا أصحاء
تناول المشاركون:
250 غرامًا من البروكلي المطهو على البخار يوميًا
لمدة عشرة أيام، ثم قارن الباحثون النتائج بفترة غذائية أخرى.
ركزت الدراسة على تلف المادة الوراثية وقدرة خلايا الدم على التعامل مع الإجهاد التأكسدي.
وهذه زاوية مختلفة عن قياس نواتج البنزين في البول.
تدعم هذه الدراسات مجتمعة فكرة أن الغذاء الصليبي قد يؤثر في عدة أنظمة دفاعية لدى الأشخاص المعرضين لدخان السجائر، لكن النتائج لا تكفي لوصف البروكلي أو الجرجير كعلاج لأضرار التدخين.
هل الجرجير أفضل من البروكلي للمدخن؟
لا توجد تجربة مباشرة جيدة تقارن الاثنين بهذه الطريقة.
الجرجير غني بالمركب الذي استُخدم في دراسات استقلاب المادة المسرطنة الخاصة بالتبغ.
أما البروكلي وبراعمه فغنية بمركبات أخرى أبرزها السلفورافان.
وقد يعمل كل منها في أجزاء مختلفة من منظومة الدفاع الخلوي.
لذلك الأفضل غذائيًا ليس اختيار "الخضار الفائز"، بل تناول مجموعة متنوعة من الخضروات.
ما الخضروات التي تنتمي إلى المجموعة نفسها؟
تشمل الخضروات الصليبية:
الجرجير.
البروكلي.
القرنبيط.
الملفوف.
الكرنب.
الفجل.
واللفت.
وتحتوي هذه النباتات على مركبات أولية مختلفة تتحول بعد التقطيع أو المضغ إلى مواد نشطة بيولوجيًا.
لكن التركيب والكمية ليسا متساويين في جميع الأنواع.
هل الطبخ يؤثر في هذه المركبات؟
نعم.
تكوين كثير من المركبات النشطة يعتمد على إنزيم موجود داخل النبات.
الحرارة الشديدة يمكن أن تقلل نشاط هذا الإنزيم.
ولهذا قد تختلف كمية المادة النشطة التي تتكون من الخضار النيئة عن تلك الناتجة من الخضار المطهوة طويلًا.
لكن الجسم وميكروبات الأمعاء يستطيعان أيضًا تحويل جزء من المركبات الأولية.
لذلك لا يعني هذا أن الخضروات المطهوة تصبح عديمة الفائدة.
والأفضل عادة تناول الخضروات بطرق متنوعة بدل التركيز على طريقة واحدة.
هل كمية الجرجير المستخدمة في الدراسة القديمة قابلة للتناول؟
الدراسة استخدمت نحو:
56.8 غرامًا مع كل وجبة، ثلاث مرات يوميًا.
أي قرابة:
170 غرامًا يوميًا
لمدة ثلاثة أيام فقط.
هذه كمية كبيرة نسبيًا من الجرجير بالنسبة إلى شخص لا يتناوله عادة.
كما أن التجربة كانت قصيرة جدًا.
لذلك لا توجد حاجة لمحاولة تقليدها حرفيًا.
لا نعرف إن كان تناول 170 غرامًا يوميًا لسنوات يعطي فائدة إضافية، ولا توجد توصية طبية رسمية بهذه الجرعة.
وماذا عن دراسة 2025؟
استخدمت مسحوق جرجير مجفدًا داخل مشروب ثلاث مرات يوميًا، وكان إجمالي المركب النشط يقارب:
40 ملغ يوميًا.
مرة أخرى لا يمكن تحويل هذا الرقم بسهولة إلى عدد معين من أوراق الجرجير، لأن محتوى النبات يتغير حسب ظروف الزراعة والنضج والتخزين.
هل تناول عصير الجرجير أفضل؟
لا يوجد دليل يثبت أن عصير الجرجير أفضل من تناوله كخضار.
بعض الدراسات استخدمت مشروبًا لأسباب تجريبية حتى يمكن ضبط كمية المادة، لا لأن العصير أثبت أنه أفضل صحيًا.
تناول الجرجير كاملًا يوفر أيضًا الألياف ومكونات أخرى.
لذلك لا توجد حاجة إلى تحويله إلى عصير مركز بهدف "تنظيف الجسم".
هل يجب تناول الجرجير قبل السيجارة أو بعدها؟
لا توجد أدلة تعطي توقيتًا عمليًا كهذا.
الدراسات بحثت التعرض الغذائي خلال أيام أو أسابيع.
ولم تثبت أن تناول الجرجير مباشرة قبل التدخين يمنع السموم من دخول الجسم.
أي نصيحة من نوع:
"كل الجرجير بعد كل سيجارة"
لا تستند إلى هذه الدراسات.
هل تفيد البرتقالة أو فيتامين سي بالطريقة نفسها؟
فيتامين سي مهم للجسم، والمدخنون قد تكون لديهم احتياجات مختلفة لبعض مضادات الأكسدة بسبب ارتفاع الإجهاد التأكسدي.
لكن آلية الجرجير التي نتحدث عنها مختلفة.
الدراسات لم تركز فقط على مضادات الأكسدة، بل على إنزيمات استقلاب المواد المسرطنة ومسارات ربط السموم بالغلوتاثيون.
لذلك لا يمكن استبدال الجرجير بجرعة فيتامين سي والافتراض أن التأثير سيكون نفسه.
هل المدخنون يحتاجون إلى مكملات مضادات الأكسدة؟
ليس بالضرورة، بل إن بعض المكملات بجرعات مرتفعة لا تعتبر فكرة جيدة للمدخنين.
من أشهر الأمثلة أن الدراسات الكبرى على جرعات مرتفعة من بيتا كاروتين لدى المدخنين لم تثبت الحماية المتوقعة، بل ارتبطت بزيادة خطر سرطان الرئة في بعض التجارب.
وهذا درس مهم:
كون مادة غذائية مضادة للأكسدة داخل الخضار لا يعني أن تناول جرعات مركزة منها في حبة سيعطي الفائدة نفسها.
الأفضل هو الاعتماد على الغذاء المتنوع ما لم توجد حاجة طبية محددة إلى مكمل.
هل النظام الغذائي الصحي يقلل ضرر التدخين عمومًا؟
النظام الغذائي الجيد يمكن أن يساعد على:
صحة القلب.
ضغط الدم.
الوزن.
السكري.
الأوعية الدموية.
وتوفير العناصر الغذائية الضرورية للجسم.
وهذه أمور مهمة جدًا للمدخن لأن التدخين يزيد أصلًا خطر أمراض القلب والأوعية والسرطان.
لكن يجب الحفاظ على ترتيب الأولويات.
أفضل تغيير غذائي لا يقترب من حجم الفائدة الناتجة عن الإقلاع عن التدخين.
الغذاء يمكنه دعم الجسم.
الإقلاع يوقف دخول جزء ضخم من المواد السامة من المصدر.
هل يستفيد الشخص الذي أقلع عن التدخين من هذه الأغذية أيضًا؟
نعم من ناحية التغذية العامة.
بعد الإقلاع لا يعود الشخص بحاجة إلى طعام "خاص بالمدخنين"، بل إلى نظام غذائي صحي يساعد على خفض مخاطر القلب والسكري وزيادة الوزن وتحسين الصحة العامة.
كما أن خطر بعض الأمراض يبدأ بالانخفاض تدريجيًا بعد التوقف عن التدخين، وإن كان بعض الضرر والمخاطر يحتاج سنوات حتى ينخفض.
ولا يوجد سبب للتوقف عن تناول الخضروات الصليبية بعد الإقلاع.
ما الذي يجعل الجرجير موضوعًا مختلفًا للمدخنين؟
لأن معظم الحديث عن غذاء المدخنين يقتصر على عبارات عامة من نوع:
تناول فيتامين سي.
اشرب الماء.
تناول مضادات الأكسدة.
لكن الدراسات على الجرجير أكثر تحديدًا بكثير.
فهي درست مواد كيميائية موجودة في دخان السجائر نفسها.
دراسة صغيرة على الجرجير كغذاء وجدت أن تناوله لمدة ثلاثة أيام زاد طرح نواتج لمسار أقل تنشيطًا لإحدى المواد المسرطنة الخاصة بالتبغ بنحو 33.5 بالمئة.
وتجربتان على المركب النشط لدى 82 مدخنًا وجدتا أنه خفض تنشيط مادة مسرطنة خاصة بالتبغ بصورة متواضعة، وزاد طرح نواتج معالجة البنزين والأكرولين.
ثم دعمت دراسة 2022 على مستخلص بذور وبراعم البروكلي الفكرة نفسها لدى المدخنين، إذ ارتفعت نواتج معالجة البنزين والأكرولين والكروتونالدهيد.
وأخيرًا جاءت تجربة الجرجير الكبيرة نسبيًا المنشورة عام 2025، والتي وجدت زيادة واضحة في طرح نواتج ست مواد سامة، من بينها ارتفاع ناتج الأكرولين بنحو 66 بالمئة والبنزين بنحو 37 بالمئة في مجموعة الدراسة ككل.
لكن كل هذه النتائج تقيس مؤشرات كيميائية داخل الجسم.
لم تثبت أن الجرجير يمنع سرطان الرئة.
ولم تثبت أنه يمنع الانسداد الرئوي المزمن.
ولم تثبت أنه يصلح تلف الرئة.
ولم تجعل التدخين آمنًا.
لذلك فإن الاستنتاج العلمي الأكثر دقة هو:
الجرجير والخضروات الصليبية تحتوي على مركبات يمكنها تعديل طريقة تعامل الجسم مع بعض المواد السامة والمسرطنة الموجودة في دخان التبغ، وقد أظهرت تجارب بشرية لدى المدخنين زيادة في طرح بعض نواتج هذه المواد وانخفاضًا متواضعًا في تنشيط مادة مسرطنة خاصة بالتبغ. لكن هذه التأثيرات ليست حماية من التدخين، ويبقى وقف التعرض للدخان أهم إجراء بفارق كبير.
وهذه هي النقطة التي تجعل الجرجير موضوعًا غذائيًا نادرًا ومثيرًا للمدخنين: ليس لأنه "ينظف الرئة"، بل لأنه يكشف أن الطعام نفسه يستطيع تغيير الكيمياء التي يستخدمها الجسم للتعامل مع بعض مكونات دخان السجائر.
المصادر
الدراسة العشوائية المنشورة عام 2025 حول مشروب الجرجير وزيادة طرح نواتج معالجة البنزين والأكرولين ومواد سامة أخرى لدى البشر.
التجربة العشوائية على 82 مدخنًا حول المركب الموجود في الجرجير وزيادة معالجة البنزين والأكرولين.
التجربة على 82 مدخنًا التي درست تنشيط مادة مسرطنة خاصة بالتبغ ووجدت انخفاضًا متواضعًا أثناء استخدام المركب النباتي.
الدراسة البشرية المبكرة التي استخدمت الجرجير نفسه لدى 11 مدخنًا ودرست استقلاب مادة مسرطنة خاصة بالتبغ.
التجربة العشوائية المنشورة عام 2022 على 49 مدخنًا باستخدام مستخلص بذور وبراعم البروكلي ودراسة البنزين والأكرولين والكروتونالدهيد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق