الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

لماذا نشعر بالدوار لثوانٍ عندما نقف بسرعة؟

 

لماذا نشعر بالدوار لثوانٍ عندما نقف بسرعة؟

قد تكون مستلقيًا على السرير أو جالسًا فترة طويلة، ثم تقف بسرعة لتشعر فجأة بأن رأسك أصبح خفيفًا، أو أن الرؤية أظلمت للحظات، أو أنك تحتاج إلى الإمساك بشيء حتى تستعيد توازنك.

وبعد عدة ثوانٍ يعود كل شيء إلى طبيعته.

هذه الظاهرة شائعة، ويمكن أن تحدث حتى لدى الشباب والأشخاص الأصحاء. والسبب الأساسي هو أن الجسم يحتاج إلى لحظات قصيرة لإعادة تنظيم ضغط الدم بعد الانتقال المفاجئ من الاستلقاء أو الجلوس إلى الوقوف.

الجاذبية هي أول ما يبدأ المشكلة

عندما تكون مستلقيًا، يكون توزيع الدم في الجسم متوازنًا نسبيًا لأن القلب والرأس والساقين في مستوى متقارب.

لكن عندما تقف، تتغير الظروف فجأة.

الجاذبية تسحب جزءًا من الدم باتجاه الساقين وأسفل الجسم.

وخلال لحظات يصبح مقدار الدم العائد إلى القلب أقل قليلًا.

ومع انخفاض كمية الدم التي تصل إلى القلب، يمكن أن تنخفض كمية الدم التي يضخها في الضربة التالية.

والنتيجة هي انخفاض قصير في ضغط الدم.

الدماغ يلاحظ هذا التغير بسرعة

الدماغ يحتاج إلى تدفق مستمر من الدم الذي يحمل الأكسجين والغلوكوز.

إذا انخفض ضغط الدم بصورة مفاجئة أثناء الوقوف، يمكن أن ينخفض تدفق الدم إلى الدماغ لثوانٍ قليلة.

وهنا قد يشعر الشخص بخفة الرأس أو عدم الثبات.

وقد تصبح الرؤية رمادية أو مظلمة للحظة.

وفي الحالات الأقوى يمكن أن يشعر الشخص بأنه على وشك الإغماء.

لكن الجسم السليم يمتلك نظامًا سريعًا جدًا يعيد الأمور إلى طبيعتها.

هناك حساسات للضغط داخل الجسم

في بعض الأوعية الكبيرة بالقرب من القلب والرقبة توجد مستقبلات حساسة لتغير ضغط الدم.

عندما تلاحظ هذه المستقبلات أن الضغط انخفض بعد الوقوف، ترسل إشارات إلى الدماغ.

ويستجيب الجهاز العصبي بسرعة.

يزداد معدل ضربات القلب قليلًا.

وتنقبض بعض الأوعية الدموية.

وهذا يساعد على دفع الدم مرة أخرى نحو القلب والدماغ ورفع ضغط الدم.

تحدث هذه العملية تلقائيًا دون أن يشعر الإنسان بها.

وفي الشخص السليم غالبًا ما تتم خلال ثوانٍ.

لماذا يحدث الدوار أحيانًا ولا يحدث في كل مرة؟

لأن قدرة الجسم على التعويض ليست ثابتة طوال اليوم.

قد تقف بسرعة عشر مرات دون أي مشكلة، ثم تشعر بالدوار في المرة التالية.

هناك عوامل تجعل الانخفاض المفاجئ في الضغط أكثر وضوحًا.

من أهمها نقص السوائل.

إذا كان الجسم يحتوي على كمية أقل من السوائل، تكون كمية الدم المتداولة أقل قليلًا، وبالتالي يصبح انتقال الدم إلى الساقين عند الوقوف أكثر تأثيرًا.

ولهذا قد تلاحظ الدوار بعد يوم حار أو بعد التعرق الشديد أو بعد الإسهال أو القيء.

لماذا يحدث أكثر عند الاستيقاظ من النوم؟

قد يكون ضغط الدم أقل في الصباح لدى بعض الأشخاص.

كما يكون الجسم قد قضى ساعات طويلة في وضعية الاستلقاء.

وعندما ينهض الشخص فجأة من السرير، تحدث عملية الانتقال من الوضع الأفقي إلى الوقوف بسرعة كبيرة.

لذلك قد يشعر الشخص عند الاستيقاظ بأن الغرفة أصبحت مظلمة لثوانٍ.

النهوض على مرحلتين قد يساعد.

الجلوس على حافة السرير لبضع لحظات، ثم الوقوف.

الحمام الساخن قد يجعل الأمر أوضح

الحرارة توسع الأوعية الدموية الموجودة بالقرب من الجلد.

وهذا يعني أن جزءًا أكبر من الدم يمكن أن يبقى في الأوعية الطرفية.

لذلك عندما يخرج الشخص من حمام ساخن جدًا ثم يقف أو يتحرك بسرعة، قد يصبح أكثر عرضة للدوار.

وهذا يفسر لماذا يشعر بعض الأشخاص بخفة الرأس بعد الاستحمام الساخن رغم أنهم كانوا بخير قبل ذلك.

الوقوف بعد الجلوس الطويل له التأثير نفسه

إذا جلست ساعات أمام الكمبيوتر أو في السيارة، تبقى عضلات الساقين قليلة الحركة.

وعندما تقف فجأة تبدأ الجاذبية بسحب الدم إلى الجزء السفلي من الجسم.

لكن الحركة نفسها تساعد لاحقًا.

عندما تبدأ عضلات الساق بالانقباض أثناء المشي، تضغط على الأوردة وتساعد على إعادة الدم نحو القلب.

ولهذا غالبًا ما يختفي الشعور بعد بدء الحركة بثوانٍ.

عضلات الساق تعمل كمضخة مساعدة

القلب ليس العامل الوحيد الذي يعيد الدم من القدمين إلى أعلى الجسم.

عندما تمشي، تنقبض عضلات الساق حول الأوردة.

هذا الضغط يدفع الدم إلى أعلى.

وتحتوي الأوردة على صمامات تساعد على منع رجوع الدم إلى الأسفل.

لذلك فإن الوقوف ساكنًا مدة طويلة قد يكون أصعب على الدورة الدموية من المشي.

ولهذا أيضًا قد يشعر بعض الأشخاص بالدوار أو الضعف أثناء الوقوف الطويل أكثر من أثناء الحركة.

هل انخفاض سكر الدم هو السبب؟

ليس عادةً.

عندما يشعر شخص بالدوار بعد الوقوف بسرعة، فإن السبب الأكثر مباشرة غالبًا هو تغير ضغط الدم وتدفقه، وليس هبوط سكر الدم.

انخفاض السكر يمكن أن يسبب دوخة أيضًا، لكنه غالبًا يأتي مع علامات أخرى عند الأشخاص المعرضين له، مثل الجوع الشديد أو التعرق أو الرجفة أو الخفقان أو الارتباك.

أما الدوار الذي يظهر مباشرة بعد الوقوف ثم يختفي خلال ثوانٍ فيتوافق أكثر مع تغير الدورة الدموية الناتج عن تغيير الوضعية.

هل نقص الحديد يمكن أن يزيد المشكلة؟

يمكن لفقر الدم أن يجعل الشعور بالدوخة والتعب أكثر سهولة، لأن قدرة الدم على حمل الأكسجين تكون أقل.

لكن مجرد الشعور بالدوار مرة واحدة عند الوقوف بسرعة لا يعني أن الشخص يعاني من نقص الحديد.

فقر الدم عادةً يسبب أعراضًا أوسع مثل التعب وضيق النفس مع الجهد والشحوب والخفقان لدى بعض الأشخاص.

ولا يمكن تشخيصه من الدوار وحده.

بعض الأدوية يمكن أن تجعل الدوار أكثر وضوحًا

الأدوية التي تخفض ضغط الدم يمكن أن تزيد احتمال حدوث الأعراض عند الوقوف لدى بعض الأشخاص.

كما يمكن لبعض مدرات البول أن تقلل كمية السوائل في الجسم.

وهناك أدوية أخرى قد تؤثر في الجهاز العصبي أو الأوعية الدموية.

ولهذا إذا بدأت نوبات الدوار بعد بدء دواء جديد أو زيادة جرعته، فمن المفيد إخبار الطبيب بدل إيقاف الدواء من تلقاء النفس.

ما الفرق بين الدوار العابر وانخفاض الضغط الانتصابي؟

الشعور الخفيف لثوانٍ بعد الوقوف بسرعة يمكن أن يحدث لدى الشخص السليم.

لكن هناك حالة طبية تسمى انخفاض ضغط الدم الانتصابي.

Orthostatic Hypotension

في هذه الحالة ينخفض ضغط الدم بصورة ملحوظة عند الوقوف، وقد تتكرر أعراض مثل الدوخة أو ضعف الرؤية أو الشعور بالإغماء.

هناك أيضًا شكل سريع جدًا يحدث في الثواني الأولى بعد الوقوف ويطلق عليه انخفاض الضغط الانتصابي الأولي.

Initial Orthostatic Hypotension

وهو انخفاض قصير وسريع في ضغط الدم مباشرة بعد النهوض، ويمكن أن يحدث لدى الشباب الأصحاء أيضًا.

لماذا قد يشعر الشخص بأن الرؤية أصبحت سوداء؟

الشبكية والدماغ يحتاجان إلى وصول مستمر للدم.

عندما يحدث انخفاض سريع في الدورة الدموية الدماغية، قد تتأثر الرؤية للحظات.

قد يرى الشخص بقعًا سوداء.

أو تصبح الصورة ضبابية.

أو يشعر كما لو أن الضوء انخفض فجأة.

عندما يستعيد الجسم ضغط الدم الطبيعي، تعود الرؤية عادة بسرعة.

ماذا تفعل إذا حدث ذلك؟

إذا شعرت بأنك على وشك الإغماء بعد الوقوف، فإن الاستمرار في المشي بسرعة ليس فكرة جيدة.

الجلوس أو الاستلقاء يقلل احتمال السقوط ويعيد الدم بسهولة أكبر إلى الدماغ.

أما لمن تحدث معه الظاهرة بشكل خفيف ومتقطع، فيمكن أن يساعد النهوض تدريجيًا بدل القفز من السرير أو الكرسي بسرعة.

كما أن الحصول على كمية كافية من السوائل مهم، خصوصًا في الطقس الحار أو بعد النشاط البدني.

متى يصبح الأمر بحاجة إلى تقييم طبي؟

هناك فرق كبير بين ثانيتين من خفة الرأس عند النهوض بسرعة وبين نوبات دوار متكررة أو إغماء.

إذا كان الشخص يفقد الوعي، أو يسقط، أو يشعر بالدوار كلما وقف تقريبًا، أو تستمر الأعراض فترة طويلة، فمن الأفضل معرفة السبب.

كما يستحق الأمر تقييمًا سريعًا عندما يصاحب الدوار ألم في الصدر أو ضيق نفس أو خفقان شديد أو ضعف في أحد جانبي الجسم أو صعوبة في الكلام أو صداع شديد جديد.

والشخص الذي أغمي عليه للمرة الأولى يحتاج عادة إلى تقييم للسبب، لأن الإغماء قد يحدث لأسباب كثيرة لا تتعلق فقط بالوقوف السريع.

لماذا تعد هذه الظاهرة مثالًا جيدًا على سرعة الجسم؟

الشيء المثير أن كل هذه التغيرات تحدث في ثوانٍ قليلة.

تقف.

فتسحب الجاذبية الدم نحو الساقين.

ينخفض وصول الدم إلى القلب قليلًا.

ينخفض الضغط.

تكتشف مستقبلات الضغط ذلك.

يرفع الجهاز العصبي نبض القلب ويضيّق الأوعية.

ويعود ضغط الدم نحو مستواه الطبيعي.

وكل هذا قد يحدث خلال الوقت الذي تحتاجه لأن تقول: شعرت بدوار عندما وقفت.

المصادر

Cleveland Clinic، تحديث طبي عام 2026 يشرح انخفاض ضغط الدم عند الوقوف، أسبابه وأعراضه والعوامل التي تزيد حدوثه. (Cleveland Clinic)

مراجعة وموقف خبراء منشوران عام 2024 حول انخفاض ضغط الدم الانتصابي وتشخيصه وآليات حدوثه. (PubMed)

مراجعة علمية عن انخفاض الضغط السريع الذي يحدث في الثواني الأولى بعد الوقوف، وتوضح أنه يختلف عن الانخفاض المستمر في ضغط الدم. (PubMed)

دراسة على أشخاص شباب أصحاء قاست ضغط الدم وتدفق الدم في الدماغ لحظة بلحظة أثناء الوقوف وأظهرت حدوث تغيرات سريعة ومؤقتة مباشرة بعد النهوض. (PubMed)

Mayo Clinic، مرجع طبي عن الدوار يذكر أن انخفاض ضغط الدم بعد الوقوف بسرعة يمكن أن يؤدي إلى خفة الرأس أو الشعور بالإغماء بصورة مؤقتة. (mayoclinic.org)




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق