الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

لماذا يسيل الأنف في الجو البارد رغم أنك لست مصابًا بالزكام؟

 

لماذا يسيل الأنف في الجو البارد رغم أنك لست مصابًا بالزكام؟

يخرج بعض الناس من المنزل في صباح بارد، وبعد دقائق يبدأ الأنف بالسيلان. وقد يستمر الشخص في مسح أنفه طوال فترة وجوده في الخارج، ثم يلاحظ أن المشكلة تخف سريعًا بمجرد دخوله إلى مكان دافئ.

لا يعني ذلك بالضرورة أن لديه زكامًا أو حساسية.

فالهواء البارد والجاف نفسه يستطيع تحفيز الأنف على إنتاج كمية أكبر من الإفرازات، وهي ظاهرة معروفة تحدث حتى لدى أشخاص لا يعانون من أي مرض مزمن في الأنف. (PubMed)

الأنف ليس مجرد ممر للهواء

قبل وصول الهواء إلى الرئتين يجب أن تتم تهيئته.

فالهواء الخارجي قد يكون باردًا وجافًا، بينما تحتاج الرئتان إلى هواء أكثر دفئًا ورطوبة.

يقوم الأنف بجزء كبير من هذه المهمة.

يمر الهواء فوق الغشاء المخاطي داخل الأنف، فيكتسب الحرارة والرطوبة قبل وصوله إلى أجزاء أعمق من الجهاز التنفسي.

ولهذا يعمل الأنف بطريقة تشبه جهازًا صغيرًا لتدفئة الهواء وترطيبه.

المشكلة تبدأ عندما يكون الهواء شديد البرودة والجفاف

كلما كان الهواء أكثر برودة وجفافًا، احتاج الأنف إلى بذل جهد أكبر لترطيبه.

ويفقد سطح الأنف جزءًا من الماء أثناء هذه العملية.

إذا أصبح فقد الماء سريعًا، تبدأ أعصاب موجودة في الغشاء الداخلي للأنف باستشعار التغير.

ويبدو أن الجسم يتعامل مع ذلك كإشارة إلى أن سطح الأنف يحتاج إلى المزيد من الترطيب.

فتبدأ الغدد الموجودة داخله بإنتاج إفرازات إضافية.

والنتيجة هي سيلان الأنف.

إذن المخاط هنا قد يكون محاولة لحماية الأنف

عندما يسيل الأنف في البرد قد يبدو الأمر مزعجًا بلا فائدة.

لكن من وجهة نظر الجسم، زيادة السوائل على سطح الأنف قد تساعد على تعويض جزء من الرطوبة التي يفقدها أثناء التعامل مع الهواء البارد والجاف.

ولهذا اقترح الباحثون أن سيلان الأنف في البرد قد يكون جزئيًا آلية تعويضية للمحافظة على البيئة المناسبة للغشاء المخاطي. (PubMed)

الأعصاب تلعب دورًا أساسيًا

داخل الأنف شبكة كبيرة من الأعصاب الحسية.

تستطيع هذه الأعصاب اكتشاف البرودة والحرارة والمواد المهيجة وتغيرات الهواء الذي يمر عبر الأنف.

عند التعرض للهواء البارد يمكن أن تنشط هذه الأعصاب وتطلق منعكسًا عصبيًا يؤدي إلى زيادة إفراز الغدد الأنفية.

أي أن الأمر لا يحدث فقط لأن الماء يتكثف داخل الأنف.

الجهاز العصبي نفسه يطلب من الأنف إنتاج المزيد من السوائل.

وقد أظهرت الدراسات التجريبية أن تحفيز الأنف بالهواء البارد والجاف يمكن أن يؤدي إلى زيادة الإفرازات خلال فترة قصيرة. (PubMed)

لماذا تكون الإفرازات مائية وشفافة؟

سيلان الأنف الناتج عن البرد يكون غالبًا خفيفًا ومائيًا.

فالأنف لا يحاول هنا التعامل مع كمية كبيرة من الخلايا والمواد الالتهابية كما قد يحدث أثناء بعض أنواع العدوى.

بل يزداد إفراز السائل من الغدد الموجودة في الغشاء المخاطي.

لذلك قد يستمر السائل الشفاف بالخروج كلما بقي الشخص في الجو البارد.

ثم ينخفض عندما يعود الأنف إلى بيئة دافئة ورطبة.

هل يحدث ذلك فقط عندما تكون درجة الحرارة منخفضة جدًا؟

لا يشترط وجود صقيع.

يكفي أحيانًا الانتقال من مكان دافئ إلى هواء أبرد وأكثر جفافًا حتى تبدأ الأعراض لدى الأشخاص الحساسين.

وتختلف الاستجابة بدرجة كبيرة بين الناس.

قد يخرج شخصان معًا في الطقس نفسه.

أحدهما لا يلاحظ شيئًا تقريبًا.

والآخر يبدأ أنفه بالسيلان بعد دقائق.

وهذا الاختلاف يتعلق جزئيًا بدرجة حساسية الأنف وقدرته على التعامل مع فقدان الماء والبرودة.

لماذا يعاني بعض الناس منه أكثر؟

الأشخاص الذين يعانون أصلًا من التهاب الأنف التحسسي أو بعض أشكال التهاب الأنف غير التحسسي قد يكون أنفهم أكثر حساسية للمثيرات البيئية.

لكن الظاهرة ليست مقتصرة عليهم.

فحتى الأشخاص الذين لا يعانون من مرض مزمن في الأنف قد تظهر لديهم.

وقد وصف الباحثون هذه المشكلة لدى الرياضيين والمتزلجين والأشخاص الذين يقضون فترات طويلة في الخارج خلال الشتاء.

ولهذا يطلق عليها أحيانًا بشكل غير رسمي اسم أنف المتزلج.

Skier's Nose

لماذا يزداد السيلان عندما نمشي بسرعة أو نركض في البرد؟

أثناء الراحة تمر كمية معينة من الهواء عبر الأنف كل دقيقة.

أما أثناء المشي السريع أو الجري فيزداد احتياج الجسم للهواء.

وكلما مر هواء بارد وجاف أكثر عبر الأنف، زادت كمية الحرارة والرطوبة التي يجب أن يضيفها الغشاء المخاطي إليه.

وبالتالي يمكن أن يصبح فقد الماء من سطح الأنف أكبر.

لهذا قد يكون السيلان أكثر وضوحًا أثناء ممارسة الرياضة في الطقس البارد. (PubMed)

لماذا أشعر أيضًا بحرقة داخل الأنف؟

الهواء البارد والجاف يمكن أن يبرد سطح الغشاء المخاطي ويسبب تغيرًا سريعًا في رطوبته.

وتوجد داخل الأنف مستقبلات عصبية حساسة لهذه التغيرات.

لذلك قد يشعر الشخص بوخز أو لسعة أو حرقة خفيفة إلى جانب السيلان.

وقد يحدث احتقان أيضًا لدى بعض الأشخاص.

ولهذا لا تظهر استجابة البرد بالشكل نفسه عند الجميع.

قد يعاني شخص من السيلان فقط، بينما يعاني آخر من السيلان والانسداد والحرقة معًا. (PubMed)

هل السائل مجرد ماء تكثف من الهواء؟

هذه فكرة شائعة، لكنها لا تفسر الظاهرة كاملة.

قد يشارك تكثف الرطوبة بدرجة بسيطة في بعض الظروف، لكن الدراسات أظهرت أن الأنف نفسه يزيد إفراز السوائل استجابة للبرد.

والدليل على وجود آلية عصبية أن أدوية معينة تمنع الإشارات العصبية المؤدية إلى الغدد تستطيع تقليل سيلان الأنف الناتج عن الهواء البارد بصورة واضحة.

إذن الجسم ينتج جزءًا مهمًا من هذا السائل بنفسه. (PubMed)

ما الفرق بين سيلان الأنف بسبب البرد والزكام؟

الزكام ينتج عادة عن عدوى فيروسية.

وغالبًا لا يقتصر على سيلان الأنف فقط.

يمكن أن يصاحبه احتقان وعطاس والتهاب في الحلق وسعال وشعور عام بالتعب.

كما تستمر الأعراض حتى أثناء وجود الشخص في مكان دافئ.

أما سيلان الأنف الناتج ببساطة عن الهواء البارد فيميل إلى البدء بعد التعرض للبرد والتحسن بعد العودة إلى بيئة دافئة.

وجود السيلان وحده أثناء المشي في الشتاء لا يعني أن الشخص أصيب فجأة بفيروس.

وهل يعني ذلك أن البرد لا يسبب الزكام؟

الزكام سببه فيروس وليس انخفاض درجة الحرارة وحده.

مجرد خروج الشخص إلى الهواء البارد لا يصنع فيروسًا داخل أنفه.

لكن أمراض الجهاز التنفسي الفيروسية تنتشر أكثر في مواسم معينة، وهناك عوامل متعددة تساعد على ذلك، مثل بقاء الناس في الأماكن المغلقة وتغير الرطوبة والظروف التي تؤثر في الفيروسات ودفاعات الجهاز التنفسي.

لذلك يجب التمييز بين أمرين مختلفين.

سيلان الأنف الفوري الذي يحدث بسبب الهواء البارد.

والعدوى الفيروسية التي تحتاج إلى انتقال فيروس إلى الإنسان.

لماذا يتوقف السيلان سريعًا عندما ندخل مكانًا دافئًا؟

عندما يصبح الهواء أكثر دفئًا ورطوبة، تقل كمية الماء التي يحتاج الأنف إلى إضافتها إليه.

ويقل الضغط الواقع على الغشاء المخاطي.

كما تهدأ الإشارات العصبية التي كانت تحفز الغدد.

لهذا قد يختفي السيلان خلال فترة قصيرة بعد الدخول إلى المنزل.

وهذا التحسن السريع نفسه يعد إحدى العلامات التي تجعل سيلان الأنف الناتج عن البرد مختلفًا عن الزكام.

هل تغطية الأنف بالوشاح يمكن أن تساعد؟

نعم، وهي فكرة بسيطة ومنطقية.

عندما يمر الهواء البارد عبر وشاح أو غطاء قبل وصوله إلى الأنف، يصبح أكثر دفئًا ورطوبة نسبيًا.

وبالتالي لا يحتاج الأنف إلى بذل الجهد نفسه في تهيئته.

لذلك قد يساعد تغطية الأنف والفم بصورة مريحة في تقليل الأعراض لدى بعض الأشخاص الذين يعانون من سيلان شديد في الطقس البارد.

ماذا عن التنفس من الفم؟

قد يبدو التنفس من الفم حلًا لأن الهواء لن يمر عبر الأنف.

لكن الأنف موجود أصلًا ليقوم بوظيفة مهمة في تدفئة الهواء وترطيبه وتنقيته.

كما أن التنفس من الفم في الجو البارد والجاف قد يؤدي إلى جفاف الفم والحلق.

لذلك لا يعد تعمد التنفس من الفم باستمرار حلًا مثاليًا.

متى لا يكون البرد هو التفسير الكافي؟

إذا استمر سيلان الأنف طوال اليوم سواء كان الشخص في الداخل أو الخارج، فقد توجد أسباب أخرى.

الحساسية مثال شائع، خصوصًا إذا صاحب السيلان حكة في الأنف والعينين وعطاس متكرر.

كما توجد أنواع من التهاب الأنف غير التحسسي يمكن أن تتأثر بالروائح والعطور والدخان وتغير الحرارة والطعام الحار.

أما الإفرازات المصحوبة بأعراض شديدة أو نزيف متكرر أو ألم واضح أو أعراض مستمرة لفترة طويلة فقد تحتاج إلى تقييم طبي.

ظاهرة مزعجة لكنها تكشف وظيفة مهمة للأنف

عندما يسيل أنفك في صباح شتوي، قد يبدو الأمر وكأن الجسم يتصرف بطريقة غير مفيدة.

لكن ما يحدث في الحقيقة يرتبط بوظيفة أساسية جدًا.

الهواء الخارجي بارد وجاف.

والرئتان تحتاجان إلى هواء دافئ ورطب.

فيبدأ الأنف بتدفئة الهواء وإضافة الماء إليه.

يفقد سطحه جزءًا من الرطوبة أثناء ذلك.

تكتشف الأعصاب التغير.

فتنشط الغدد وتفرز المزيد من السوائل.

والنتيجة التي نراها في النهاية هي ذلك الأنف الذي يستمر في السيلان طوال الطريق في يوم شتوي بارد.

المصادر

مراجعة علمية متخصصة حول استجابة الجهاز التنفسي للهواء البارد وتوضح أن الهواء البارد يعمل كمحفز للأعراض، خصوصًا عند زيادة كمية الهواء المستنشق أثناء النشاط. (PubMed)

مراجعة من باحثين في المعاهد الوطنية الأمريكية للصحة تشرح سيلان الأنف الناتج عن البرد ودور الأعصاب وفقد الرطوبة والمنعكسات العصبية في إنتاج الإفرازات. (PubMed)

دراسة تجريبية أظهرت أن استنشاق الهواء البارد والجاف يزيد إفرازات الأنف مقارنة بالهواء الدافئ الرطب. (PubMed)

مراجعة مفتوحة الوصول عن أعصاب الأنف تتناول ظاهرة سيلان الأنف في الجو البارد المعروفة أحيانًا باسم أنف المتزلج، ودور المسارات العصبية في حدوثها. (PubMed Central (PMC))

دراسة سريرية أظهرت أن تثبيط الإشارات العصبية المحفزة للغدد خفّض سيلان الأنف الناتج عن الهواء البارد، ما يدعم أن الظاهرة إفراز عصبي نشط وليست مجرد تكثف للماء. (PubMed)




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق